تحدثنا في المقالات السابقة عن أن التعليم الغربي كان له وجود محدود جدًّا في أواخر القرن الثامن عشر، وكان يتمثل في بعض المدارس الخاصة بالجالية اليونانية قليلة العدد في ذلك الوقت، كما تناولنا محاولات رهبان الفرنسيسكان الكاثوليك وضع قدم لهم في مصر عن طريق بناء بعض دور العبادة إلا أنه تمت مقاومتهم بشدة من قبل المسلمين فضلًا عن الأقباط إلى أن استطاعوا تحقيق بعض من النجاح في صعيد مصر.

وخلال السنوات الأولى من حكم محمد علي، لم يحدث أي تغيير يُذكر إلا فتح مدرسة للجالية الأرمنية بالقاهرة، وفتح مدرسة خاصة للغات. وبهذا نستطيع القول إنه لم يحدث أي تقدم إلا بعد توقيع معاهدة لندن بين القوى الغربية والدولة العثمانية، وما تَبِعها من انهيار لمشروع محمد علي بحيث أصبحت الساحة مفتوحة ليتم الاختراق الغربي. فخلال السنوات العشر الأخيرة من حكم محمد علي، بدأت مدارس الإرساليات التبشيرية سواء كاثوليكية أو إنجليزية أو أمريكية فضلًا عن مدارس الجاليات الأوروبية في الانتشار في كل مدن مصر. ولم يتغير الحال في عهد عباس فقد واصلوا التقدم عبر فتح المزيد من المدارس.

ويعتبر عهد سعيد نقطة تحول في تاريخ المدارس الأوروبية في مصر فخلال التسع سنوات التي أمضاها سعيد في حكم مصر، نلحظ تقدم واسع في التعليم غير حكومي. فبالنسبة للإنجليز والأمريكان والإسكتلنديين، كانت جهودهم موجهة عبر مدارس الإرساليات التبشيرية. أما بالنسبة للإيطاليين واليونان والأقباط، فقد كانت بسبب نمو مجتمعاتهم أو لحاجتهم للتعليم. أما بالنسبة للمدارس الفرنسية وحجم نموها السريع خلال حكم سعيد، فيرجع هذا إلى ميول سعيد الفرنسية فضلًا عن زيادة الطلب على هذا النوع من التعليم بجانب جهود الفرنسيين لنشر ثقافتهم عبر دعم تلك المؤسسات الدينية التعليمية.
كذلك فقد شهدت تلك الفترة عمليات فتح لمدارس من قبل أفراد وكان الدافع والغرض من فتحها تجاريًّا فقط.

ولو تناولنا وضع مدارس الإرساليات الكاثوليكية، سنجد أن مدرسة الفرير والتي فُتحت في آخر عهد عباس قد مد لها سعيد يد العون عبر منحها مبنى بوسط القاهرة في عام 1857، بالإضافة إلى منح إعانة مالية تُقدر بـ30,000 فرنك للتوسع وتأسيس المدرسة.
وبهذا تم إنشاء المدرسة التي ربما لعبت أكبر دور في مجال التعليم الأوروبي في مصر، والفضل يعود لتشجيع سعيد باشا وسخائه.
أما عن مدى إقبال المصريين على تلك المدرسة فمن المستحيل إعطاء معلومة في غياب الإحصائيات، ولكننا نعلم اسمين من الطلبة المصريين وهما: حافظ أفندي حسنين وعلي أفندي محمد البقلي، وكلاهما من عائلة البقلي حيث تعلم والداهما في فرنسا في بعثات تعليمية سابقة، فغالبًا يكون قد رأى الميزة في تعليم أولاده في المدارس الفرنسية.

ويذكر المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي أن سعيد باشا كان يدفع لراهبات البون باستور Soeurs du Bon Pasteur إعانة سنوية تساعدهم على المحافظة على مستوى مدارسهم، حيث كان لديهم مدرستان: واحدة في القاهرة، والأخرى في الإسكندرية. كما يذكر البروفيسور ساماركو أن سعيد باشا أعطاهم 40,000  فرنك بحيث تمكنوا من شراء بيت متاخم لهم فأقاموا عليه دارًا للأيتام.

ولم يقتصر دور تلك المدارس على الجانب التعليمي فحسب، بل قام بعضهم ببعض الأعمال الخيرية في الإطار التعليمي كالراهبة ماري- كاترين بمساعدة ست راهبات أخريات بفتح “بيت الراهبات الفرنسيسكان” في عام 1859 في شارع كلوت بك حيث كان الهدف من تأسيس تلك المدرسة هو شراء حرية الفتيات الزنجيات بحيث يتم تدريبهن من أجل العمل المنزلي. وقد كانت المدرسة تأوي خمسين من هؤلاء الفتيات واستمرت المدرسة تعمل من أجل ذلك الغرض حتى عام 1882.
وقد فتحت الرهبات الفرنسيسكان أيضًا دار إيواء آخر في القاهرة عام 1860.

وجاءت الأحداث الطائفية التي وقعت في جبل لبنان بين الموارنة والدروز في عام 1860 لتتحول مدرسة الآباء اللعازريين Lazarists بالإسكندرية إلى دار أيتام للذكور. كما أدت كذلك لتوسيع The Filles de la Charite  لدار الأيتام الخاصة بها، والتي فتحت أبوابها في عام 1850. ويبدو أنهم قاموا بعمل جيد جدًّا لأن مستشفاهم قد تم إعادة بنائه بالكامل في عام1857  لتوفير مزيد من الحجرات للمرضى بحيث انضمت خمسون من الراهبات لتلك المستشفى فقط.

والجدير بالذكر هنا أن نشاط تلك الإرساليات لم يقتصر على القاهرة والإسكندرية فحسب، بل امتد في جميع مدن مصر. فقد وسع مثلًا آباء الفرنسيسكان من نشاطهم الديني والتعليمي إلى المنصورة ودمياط وكفر الزيات ورشيد والسويس وبورسعيد. كما أخذ نشاطهم مرحلة جديدة في صعيد مصر في تلك الفترة حيث فتحوا مدرسة للبنات في نقادة وأخرى في قنا عام 1863 كما فتحوا مدرسة في طهطا وأخميم.

كما نشطت الإرساليات الأمريكية البروتستانتية في مجال التعليم خلال حكم سعيد على نطاق واسع جدًّا وفتحت العديد من المدارس.
وقد كانت البداية في القاهرة عام 1855 حيث فُتحت مدرستين إحداهما للبنات والأخرى للبنين عام 1856. ثم فَتحوا مدرستين ابتدائيتين للبنات في عام 1856 في حارة السقايين. وقد منحهم سعيد مبنى في القاهرة للاستخدام كمدرسة.
كذلك فقد وسعوا نشاطهم في الإسكندرية والفيوم التي أنشأوا فيها مدرستين للبنين وأخرى للبنات.

كذلك كان للإرساليات الإسكتلندية والإنجليزية نصيب في مجال التعليم سواء للبنين أو للبنات وبدأت تُركز جهودها على المسلمين فضلًا عن الأقباط وقد كانت مهمة شاقة لاختيار طالباتها من أفقر الطبقات لدرجة نزول الآنسة واتلي – راهبة- للشوارع لتجميعهم.

ومع تزايد أعداد اليونانيين في مصر، أصبحت الحاجة مُلحة لتنظيم أنفسهم ولفتح مزيد من المدارس ودور العبادة، فتأسست الجالية الأرثوذكسية اليونانية ككيان مُنظم في القاهرة عام 1856 بعد مثيلتها بالإسكندرية بنحو ثلاث عشرة سنة وكان ذلك للحفاظ على مدارسهم ومستشفياتهم التي كانت تواجه مصاعب بسبب عدم التنظيم. وكانت بالقاهرة وحدها نحو ثلاث مدارس يونانية، إحداها للبنات.
وكانت إحداها تنص في لوائحها الخاصة على وجوب تعلم اللغات الثلاث: اليونانية والعربية والفرنسية.

كما دعت الحاجة لفتح أول كنيسة ومدرسة ابتدائية لليونانيين في المنصورة بعد استقرار أنطوان راللي في المدينة عام 1859  بعد تأسيسه مصنعًا لحلج القطن بها. والجدير بالذكر أن الجالية اليونانية بالمنصورة تأسست لاحقًا عام 1893.
وفي طنطا، بدأ اليونانيون في تنظيم أنفسهم منذ عام 1860 رغم أنهم استقروا بها منذ عام 1842 وكان أغلبهم يعمل في تجارة القطن. وقد تم إنشاء كنيسة صغيرة ومدرسة في تلك الفترة. وقد تأسست جاليتهم هناك في عام 1880.
وقد استمرت الجالية اليونانية بالإسكندرية في النمو وأنشأت مدرسة جديدة للبنات رغم الأزمة التي ألمت بها بسبب الخلاف الذي دب بينهم على ترشيح البطريرك.

وقد تأسست الكلية الإيطالية The Italian College في الإسكندرية في عام 1862 بعد أن منح سعيد باشا للإيطاليين موقعًا متميزًا على مساحة 2,583 متر مربع ومنحة تبلغ 60,000  فرنك. وكانت الحكومة الإيطالية هي الأخرى تقدم منحًا سنوية.
وكانت بعض عمليات التجديد في المدينة في المنطقة المُقام عليها المدرسة قد استلزمت من الحكومة المصرية إعادة شراء جزء من أراضي المدرسة التي منحتها للإيطاليين من أجل توسعة الطرق وشق طرق جديدة. وبُناءً عليه، فقد تم منح المدرسة 40,000 فرنك كتعويض!
كما تأسست مدرسة أخرى إيطالية في القاهرة. وقد اختلف المؤرخون حول تاريخ افتتاحها.

أما عن اليهود في مصر، فيذكر المؤرخ أمين سامي أنه في عام 1861، تم فتح مدرسة يهودية تلمودية للبنين في القاهرة، ملحق بها كنيس يهودي. وكان منهج الدراسة يشتمل على دراسة اللغة العبرية والفرنسية والإيطالية وكذلك الأناشيد والجغرافيا والتاريخ والحساب. أما عن دراسة التلمود فقد كانت اختيارية. ويبدو أن بعض أهالي الأطفال كانوا يدفعون مساهمات تطوعية للمدرسة. كما كانت الجالية اليهودية بالإسكندرية لها مدرسة للبنين وأخرى البنات.

أما عن الأقباط، فقد تناولنا في مقال سابق أن بداية التفكير في الإصلاحات جاءت على يد البطريرك كيرلس الرابع في عهد عباس الأول.
الذي سعى لفتح الكلية البطريركية القبطية في عام 1853، والتي تم افتتاحها في عهد سعيد عام 1855. وقد وضع كيرلس قاعدة تسمح لكل طفل أيًّا كانت عقيدته أو عرقه بأن يلتحق بالمدرسة.
وقد كانت جميع مستلزمات الدراسة والكتب توزع على الطلبة مجانًا، وكانت المدرسة ككل تحت إشراف كيرلس الذي فعل كل ما في وسعه من أجل دعوة الأوروبيين لزيارة المدرسة والحكم على مزاياها وعيوبها.
وكانت اللغة العربية والقبطية والتركية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية تُدرس في المدرسة بجانب المواد الدراسية الأخرى.
ولكن المدرسة لم تستقبل أكثر من 150 طالبًا حيث فَضل الكثير من الأهالي أسلوب التعليم القديم.
ويُذكر أن طلاب المدرسة كانوا من العائلات القبطية الرفيعة والذين فيما بعد سيتم تعيينهم في عهد إسماعيل في الوظائف الإدارية.
ويعتبر كيرلس الرابع هو المسئول عن أول مطبعة عربية خاصة في مصر حيث اشتراها من أوروبا وحين وصلت في الميناء صاحب دخولها أجواء احتفالية عظيمة.

وبحلول عام 1863 كان مجموع عدد المدارس سالفة الذكر نحو 59 مدرسة في جميع ربوع مصر، حيث كان بالقاهرة وحدها 22 مدرسة.

أما التعليم الابتدائي أو الإعدادي الحكومي فلم يصبح موجودًا! والشيء الوحيد التعويضي الإيجابي في سياسة سعيد التعليمية هو استمرار البعثات التعليمية لأوروبا ولكن حتى تلك نجدها تضم أعدادًا من الطلبة الأوروبيين والذين كان من الأجدى أن يكون بدلًا منهم مصريون.

أما نظام الكُتاب الإسلامي والأزهر الشريف فقد استمرا بنفس أسلوب التعليم التقليدي بدون المساهمة في الحركة الثقافية الجديدة في البلاد.

ونستخلص من كل ذلك أن سعيد لم يخدم مصالح الثقافة المصرية. فسياسة الإهمال التي انتهجها تجاه المصريين مذمومة لأنه كان يرى حجم النمو في المدارس الأوروبية حوله بل إنه دعمهم بكثير من المساعدات المالية وكذلك بالمباني التي وهبها لهم وتعتبر المبالغ المالية التي قدمها للفرير بالقاهرة وللإيطاليين بالإسكندرية أكثر مما أنفقه على ميزانية التعليم طوال فترة حكمه للبلاد.

يذكر ميرو Merruau  في عام 1857  في كتابه أنه كان ما يزال هناك مدارس ثانوية يتردد عليها عدد محدود من الطلاب المنتمين لعائلات أرستقراطية ولكن سعيد لم يرغب في دعمها كي تتسع وتنمو، أو بعبارة أخرى رأى سعيد أنه من الأفضل عدم تشجيع تعليم رعاياه! وحتى تلك المدارس الثانوية التي ذكرها ميرو تم إغلاقها فيما بعد.

انتقد المؤرخون إلياس الأيوبي وعبد الرحمن الرافعي ونديم سعيد باشا في عدم تقديم أي محاولات لفتح مدارس مصرية جيدة ويرجعون ذلك لأنه هو شخصيًّا قد تلقى تعليمًا أوروبيًّا ومن ثم لم ير قيمة تطوير التعليم المصري!
ومن المهم ملاحظة أنه لم يظهر في تلك الفترة وثيقة واحدة كتبها أحد المواطنين تتضمن مقارنة بين نظام التعليم الأوروبي والمصري. فعلى ما يبدو لم يكن أحد على وعي بنمو العناصر الأوروبية في البلاد ومدى تأثيرها المُضر على النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على المصريين على المدى البعيد.

ويبدو من المهم هنا أن نورد مقولة جاءت على لسان سعيد باشا لمُعلمه وسكرتيره الخاص كونيج حينما قال له:
“Why open the eyes of the people, they will only be difficult to rule”
(Malortie, Egypt: Native rulers and Foreign Interference, London, 1882,p. 69)

بمعنى: “لماذا نفتح عيون الناس؟.. ففي تلك الحالة سيصبح من الصعب حكمهم”.

على أي حال، فقد استمر الزحف الأوروبي لعقود لاحقة وأكثر من أي وقت مضى تحت حكم إسماعيل باشا وهذا ما سوف نتناوله في المقالات القادمة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد