كان التوسع في نشر التعليم الأساسي عبر فتح المدارس الابتدائية والكتاتيب في عهد إسماعيل يتطلب مزيدًا من المدرسين، وكانت تلك من أكبر العقبات في نظام التعليم المُطبق في مصر منذ عهد محمد علي وهو نقص المدرسين.

لقد كانت المناصب الخاصة بالتدريس في عهد إسماعيل في المدارس العسكرية والبحرية والمتخصصة يشغلها رجال أمضوا تعليمهم في أوروبا وكذلك جزئيًّا من خريجي المدارس أنفسهم. واللافت للنظر أن عدد الأوروبيين كان صغيرًا، خصوصًا لو قارناه بعددهم في عهد محمد علي.
كما اعتبر عدد الشيوخ الأزهريين المُعينين كمدرسين كبيرًا نسبيًّا، بينما كانت هناك نسبة كبيرة أيضًا من “الأفندية” شاركت في تدريس المواد المُتخصصة مثل: الحساب والتاريخ والجغرافيا واللغات الأوروبية والرسم.
وقد كانت عملية توظيف أكثر المتخرجين من المدارس تفوقًا قد تم ممارستها منذ بداية إدخال التعليم الحديث رغم أنها لم تأت بنتائج مرضية.

وقد كان علي باشا مبارك مُدركًا لمشكلة نقص المدرسين وحاول حلها بفتح كلية لتدريب الرجال كي يكونوا مدرسين للجغرافيا والفيزياء والهندسة والتاريخ والخط، بالإضافة إلى الفروع التي تدرس في الأزهر مثل اللغة العربية وتفسير القرآن والحديث والفقه. فتم اختيارهم من طلبة الأزهر على أن يتعلم الطالب على نفقة إدارة الأوقاف، ويتلقى مبلغًا شهريًّا قدره جنيه واحد وبالإضافة إلى غذائه وملبسه.

وقد كانت الفكرة ممتازة فقد بدأت بسلسلة من المحاضرات في سراي درب الجماميز حيث المركز الثقافي، والتي جذبت الكثير من الأزهريين والموظفين والطلبة منذ يوليو 1871 على يد مصريين وأوروبيين. وتضمنت تلك المحاضرات العامة مناقشات عن الأدب  على يد الشيخ حسين المرصفي، وعن عالم الفلك على يد إسماعيل بك الفلكي، وعن الفقه الحنفي مع الشيخ عبد الرحمن البحرواي، ولتفسير القرآن والحديث الشيخ أحمد المرصفي، ومحاضرات متنوعة أخرى عن الفيزياء والكيمياء والعمارة والميكانيكا والتاريخ وعلم النبات.
وكانت تلك السلسلة من المحاضرات التعليمية هي النواة لإنشاء مدرسة “دار العلوم” فيما بعد، فقد أسهمت بشكل كبير في نشر المعرفة وسط تلك الدائرة حيث افتتح فيما بعد دار العلوم في سبتمبر 1872.
وكان المرسوم الصادر من إسماعيل باشا قد حدد عدد الطلبة ليكون خمسين طالبًا على أن يكونوا بين سن العشرين والثلاثين عامًا كي يتخرجوا ليعملوا في المدارس الوطنية فيما بعد.

وكانت نتائج تلك التجربة المثيرة مختلطة. فالشيوخ الذين ارتبطوا بالمؤسسات الجديدة التي نشرت المعارف الأوروبية تفتحوا على العلوم والدراسة الأوروبية )بصرف النظر عن جودتها( وفكرة أنهم شيوخ معممون ويتلقون نفس الدراسة التي يتلقاها الأفندية في المدارس الأخرى قد مهد الطريق لتقبل التعليم الغربي واختراقه للبلاد.
وليس غريبًا على الناس الذين تعودوا على سماع الشجب والإدانة للتعليم الغربي باعتباره  “شيطانيًّا وبدعة” أن يتعجبوا من مشاركة الشيوخ في ذلك العمل. ربما يكون أحد أهم الأسباب لقبول هؤلاء الشيوخ للتعليم الجديد كانت فكرة أنهم قد بدأوا في إدراك أن خوضهم في هذا النوع من التعليم سوف يفتح لهم مجالات جديدة من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية من خلال مستقبل أفضل من المتاح لديهم من خلال المؤسسات الدينية القديمة المتمثلة في الأزهر.
ورغم أن المصريين في أول الأمر قد فزعوا من فكرة المدارس الجديدة لعلاقتها بالجيش والحرب والضرائب والبؤس، إلا أنهم وبالتدريج أدركوا أنه ليس فقط كثير من هؤلاء الطلبة نجوا، ولكنهم في الحقيقة قد ترقوا لمناصب عليا جدًّا، وتشرفوا بألقاب مميزة مثل بك وباشا، وأصبحوا من الأغنياء.

وربما كان من الحظ السعيد أن يتواكب افتتاح “دار العلوم” مع وصول الشيخ جمال الدين الأفغاني إلى مصر وبداية عمل الشيخ محمد عبده، فضلًا عن ظهور صحوة سياسية جديدة مُرافقة كذلك لبداية الصحافة العربية والجريدة الساخرة Progrés Egyptien وبالشعور بأن الأزهر ليس كما يجب أن يكون.

وقد وجه النقد للمُتخرجين من دار العلوم والذين تشربوا كثيرًا من طريقة التدريس والدراسة الأزهرية القائمة على الحفظ، فكبر سن الطالب لم يمكنه من تغيير عقليته وأسلوبه في التعليم والتدريس. ورغم أن دار العلوم لم تُخرج عدد المُدرسين الكافي الذي كانت المدارس في حاجة له، بل أخرجت رجالًا شغلوا بعض الوظائف في المدارس، إلا أنها استمرت بل وتم فتح مدرسة أخرى لتأهيل المعلمين في عهد توفيق باشا فيما بعد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد