تحدثنا في إحدى المقالات السابقة عن المكانة الرفيعة التي تمتع بها الأزهر حتى أوخر القرن الثامن عشر؛ بسبب طبيعة المواد الشريفة التي تُدرس فيه، فضلًا عن أنه كان التعليم الوحيد في البلاد. كما تناولنا في الحديث عن عهد محمد علي أزمة مصادرة الممتلكات الخاصة بالأزهر والأوقاف عمومًا، والتي كان لها تأثير بالغ على الوضع المادي للمُدرسين والطلبة بالأزهر.
وقد استمر الأزهر يلعب دورًا مهمًا في عهد محمد علي وخلفائه عبر توفيره للمعلمين والطلبة، حيث لجأ إليهم محمد علي وخلفاؤه عبر إرسالهم كطلبة مبعوثين في بعثاته التعليمية لأوروبا لدراسة العلوم المدنية، كما عمل بعضهم مدرسين سواء في المدارس المُتخصصة من طب وهندسة وغيرها من المدارس، أو في الكتاتيب بحيث يمكننا القول أن كل مدرس وقتها كان في الأصل أزهريًا!

وتحت حكم إسماعيل تم تعيين الأزهريين على نطاق أوسع؛ لأن اللغة العربية كانت لها أهمية كبيرة في المنهج الدراسي في المدارس، فساعد ذلك على زيادة الطلب على المدرس الأزهري فضلًا عن أنه حدثت زيادة في عدد الكتاتيب، وتم إنشاء “دار العلوم” مما زاد الطلب عليهم باعتبارهم المُدرسين الوحيدين المقبولين لتدريس اللغة العربية.

وقد حدث تطور كبير في وضع القضاء المصري حينما طلب سعيد باشا من الباب العالي أن يكون له الحق في تعيين القضاة، حيث كان قاضي القضاة من قبل يُعين من قبل الباب العالي الذي بدوره كان يعين مرؤوسيه. فبالإضافة إلى أن القضاء أصبح في أيدي المصريين، أسس سعيد باشا كذلك محاكم في الأقاليم تعمل جنبًا إلى جنب مع المحاكم الشرعية، حيث كان في كل محكمة من تلك شيخان: واحد للمذهب الشافعي، والآخر للمذهب الحنفي. ولكنه كما فتح مدارس ثم أغلقها، قام بإلغاء المحاكم في عام 1860 على أساس أن القضاة فاسدون وعلى غير كفاءة!

وحينما تولى إسماعيل باشا الحكم، أعاد فتح تلك المحاكم، وكانت هناك حاجة إلى عمل نوع من الإصلاح، ليس فقط في التشريع ولكن أيضًا في الأشخاص، وكانت هناك بالفعل محاولات تدريس الطلبة لقوانين الشريعة والقانون الفرنسي على يد رفاعة الطهطاوي من قبل وفي مدرسة الحقوق بدرب الجماميز، وقد تم ترجمة القوانين الفرنسية وتعديلها لتناسب الطبيعة المصرية، وكانت هناك أيضًا محاولة لتنظيم قوانين الشريعة الإسلامية بشكل أفضل مما كانت عليه في كتب الشريعة.

أدت فكرة تعيين موظفين إلى مشكلة، فبنظرة سريعة للطلبة الذين أرسلوا إلى أوروبا لتلقي العلم، سنجد أن الرجال من طبقة “الأفندية” هم من تم تعيينهم كقضاة سواء في المحاكم العادية أو المحاكم المختلطة رغم أن غالبيتهم لم يتلقوا أي تدريب كمحامين أو قضاة.

لا نستطيع أن ندعي أن القضاة من طبقة المشايخ لم يمتلكوا الخبرة في القانون، فقد كانت مادة الفقه من المواد الرئيسية التي تُدرس في الأزهر وقد دعوا إلى إدارة القانون الشرعي. ولكن على الصعيد الآخر، كان الأزهريون يتم اتهامهم بعدم الكفاءة بسبب عدم تكيفهم مع الظروف الاجتماعية الجديدة التي بالتدريج اخترقت المجتمع المصري بسبب اتصاله بالأوروبيين الوافدين.

وعلى مستوى مشايخ الأزهر(رؤسائه) خلال القرن التاسع عشر، قليل منهم من أظهر ميلًا للإصلاح أو حتى رؤية لضرورة الإصلاح.

وقد رأى إسماعيل باشا ضرورة الالتفات نحو إصلاح الأزهرلإخراج مدرسين وقضاة أكثر كفاءة، كذلك شعر إسماعيل بأن ذلك سيكون في صالحه كحاكم للبلاد في أن يسعى من أجل تكوين سلطة دينية تهب لبلاطه مجدًا، وقد وجد في الشيخ العروسي المعاون المُناسب من أجل تنفيذ أفكاره، والذي تولى مشيخة الأزهر منذ عام 1864 وحتى عام 1870، وكانت له هيبة على مستوى الطلبة والمعلمين.

وقد توجهت مجهوداته الأساسية نحو إدخال نظام الامتحانات للمُعلمين؛ كي يحد من بعض المظالم التي تسللت لنظام الانتخاب المُتبع وقتها.
فقد كانت روح المنافسة بين المرشحين المُحتملين والطلبة والمعلمين قد فتحت المجال نحو الإهمال والتواني في العمل، والتواطؤ من جانب الطلاب الذين سهلوا السبيل نحو انتخاب أحد بعينه حتى لا يتعرضون للمضايقة عبر الاختبار الذي يقام لهم حول العمود في المسجد، وكذلك تواطؤ المعلمين الذين انغمسوا في المحسوبية للأقارب والأصدقاء.

وقد قدم الخديوي دعمه إلى الشيخ العروسي الذي مال نحو الإصلاح وربما بتحريض من إسماعيل، منع الشحاذين من تلاوة القرآن في الشوارع. ولكن الشيخ العروسي وجد مقاومة من قبل المشايخ المُحافظين الذين تزعمهم الشيخ محمد عليش الذي أصبح شيخًا للمذهب المالكي منذ عام 1853، وكان له أتباع كثيرون ويجب ألا ننسى أن الصعيد كانت على المذهب المالكي، وكان رواقهم هو أكبر رواق في مسجد الأزهر، وقام الشيخ عليش بمعارضة الشيخ العروسي حتى دفعه إلى الاستقالة في عام 1870.

وبتقاعد الشيخ العروسي، تولى شيخ حنفي المشيخة عام 1870؛ وهو الشيخ محمد العباسي المهدي حفيد الشيخ المهدي الكبير- قبطي تحول إلى الإسلام في القرن الثامن عشر والمتوفي عام 1814 -، وقد سعى الشيخ محمد العباسي لتكملة الإصلاحات التي بدأت في عهد الشيخ العروسي، وقد أعطيت تنظيماته دعمًا رسميًا تجسدت في مرسوم صدر فى3 فبراير 1872، حيث كان الهدف الرئيسي في إعادة التنظيم هو إنشاء نظام امتحانات قبل أن تصبح شهادة “العالمية” معترفًا بها رسميًا، وتم حصر المواد الدراسية في إحدى عشرة مادة بدلًا من التسعة وعشرين فرعًا، التي كانت تُدرس خلال القرن الثامن عشر.

وكانت تلك هي المرة الأولى الذي يقدم فيها إصلاح رسمي لتلك المؤسسة(الأزهر)، ورغم ذلك فقد كان إعادة التنظيم محدود جدًا فلم تقم محاولات لتنظيم حياة الطالب، وطريقة التسجيل أو مدة الدراسة.

بذل إسماعيل قصارى جهده ليستميل المدارس القديمة بهدايا التكريم، ولكن المعارضة من العناصر المحافظة زادت تحت زعامة الشيخ محمد عليش. لقد نظروا بالتأكيد للقانون الجديد على أنه وضع لسلب سلطتهم التدريسية التقليدية التي يمنحون من خلالها “الإجازة”.
ولكن على الرغم من أن الاعتراض تبلور في شعار “لا للإصلاح”، لكن يبقى أن السبب الأساسي خلف تلك المشكلة ودوافع الفوضى كانت مستترة في الدسائس الداخلية والطموحات الشخصية في دائرة المسجد.

وكان المصلحون بزعامة شيخ الأزهر الحنفي محمد العباسي في مواجهة المعارضة التي يقودها الشيخ محمد عليش والمَدعُومة من الشافعية، والتي كانت تهدف إلى إعادة منصب مشيخة الأزهر لتكون في يدهم مجددًا حيث ظلت مشيخة الأزهر في يد علماء الشافعية منذ عام 1724 وحتى عام 1870، قبل أن يصبح المذهب الحنفي ذا أهمية أكبر بصعود إسماعيل للحكم.

وفي تلك الفترة، جَدَّ عاملان مؤثران؛ أولهما هو حضور الشيخ جمال الدين الأفغاني إلى مصر عام1869، ثم عودته من جديد عام 1871، حيث ظل بمصر حتى عام 1879.
أما العامل الآخر، فهو تطور الصحافة العربية على يد الصحفيين الشوام. فقد بدأ كلاهما: جمال الدين الأفغاني، ومجموعة الصحافة السورية في نقد النظام القائم ونمو التأثير الأوروبي بينما انتقد الشيخ الأفغاني بدون أدنى خوف الأزهر ومُعلميه.
وللأسف كان عدد الشيوخ الذين انضموا إلى الأفغاني محدودًا، وذلك بسبب أسلوبهم المتصلب. وقد كان أتباعه من طبقة الأفندية الذين وجدوا فيه مصدرًا ملهما ومعبرًا عن مشاعرهم بعدم الرضا عن الوضع القائم في البلاد. وربما يكون ذلك بداية للشعور القومي، ولكن حتى تلك اللحظة كان شعورًا غامضًا مشوشًا، كان جمال الدين الأفغاني مسئولًا عن الإحياء الأدبي ونمو الصحافة وتطور الخطابة، ذلك المناخ الذي أفرز أجيالًا شابة كسعد زغلول، غير أن المساهمة السورية كذلك في الإحياء الأدبي لا يمكن تجاهلها.

وربما تزامن وصول الأفغاني مع محاولة تطبيق الإصلاح في الأزهر والذي واجه معارضة قوية جدًا، وظهر الشيخ محمد العباسي متعاطفًا لاتجاه الإصلاح بدعمه لمحمد عبده المُترشح لنيل شهادة “العالمية” في عام 1877، بينما كان باقي المُمتحنين له متحاملين عليه بسبب مجالسته للأفغاني متمنيين له الرسوب. غير أن الشيخ محمد عبده كان واحدًا من القليلين الذين اتبعوا بكل إخلاص الأفغاني.

كتب محمد عبده في عام 1876 حينما كان ما زال طالبًا مجموعة من المقالات المهمة عن التعليم في جريدة الأهرام، فقد انتقد “العلماء” لموقفهم السلبي تجاه العلوم الحديثة رغم أن تلك المعارف كانت تُدرس في “المدارس” الإسلامية قديمًا، كما كتب عن اللغة العربية ووضعها المُتدهور الذي وصلت له في السنوات الأخيرة والجمود الذي يواكب طريقة التدريس والاعتماد على الحفظ.
كان الشيخ محمد عبده متحمسًا لإدخال العلوم؛ كالحساب والهندسة والجبر والتاريخ والجغرافيا والعلوم الحديثة، كما تدرس في المدارس الحكومية المدنية.
كما كتب كذلك الشيخ الزهراوي مقالات مهمة في انتقاد أسلوب التدريس وحالة الجمود، مما يشير إلي أي مدى كانت تلك المؤسسة في احتياج شديد لإعادة الإصلاح.

ورغم الأمنيات الطيبة من هؤلاء القلة، فقد كان من الصعوبة تحقيق أهدافهم الإصلاحية، فتلك “المدرسة” ذات الألف عام من العمر التي يتبع فيها العلماء خطوات سابقيهم كانت لديها أهدافها الأساسية وهي نقل العلوم التقليدية كما صدرت من الأوائل.

وكي يكون الإصلاح قابلًا للتنفيذ، كان من الضروري الابتداء بإدخال دماء جديدة وأفكار جديدة عبر المبادرات الشخصية، وكان ذلك صعبًا للغاية.

وبما أن موضوع المقال يتعلق فقط بتلك الفترة الزمنية إلا أنه من الجدير بالذكر أن نشير أن الإمام محمد عبده فيما بعد – أي في عام 1899 – قد أصبح مفتيًا للديار المصرية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد