تناولنا في إحدى المقالات السابقة الحديث عن التعليم الأوروبي المُتمثل في مدارس الجاليات، ومدارس الإرساليات التبشيرية، والمدارس الخاصة الهادفة للربح فضلًا عن نشأة نوع جديد من المدارس غير الحكومية الخاصة بالأقباط واليهود كرد فعل لذلك النوع من التعليم الغربي.
قلنا إن عدد المدارس الأوروبية الخاصة بالجاليات كان محدودًا للغاية عند أواخر القرن الثامن عشر وحتى السنوات الأولى من عهد محمد علي إلى أن حدث انهيار لمشروعه التوسعي بتوقيع معاهدة لندن بين الدولة العثمانية والقوى الغربية، وما تلا ذلك من اختراق أوروبي ثقافي للمجتمع المصري منذ بداية أربعينات القرن التاسع عشر والذي زاد بشكل كبير في عهد سعيد باشا حيث دعمهم سعيد بالمال والعطايا مهملًا التعليم الحكومي المصري.

وبصعود إسماعيل للحكم لم يختلف الأمر كثيرًا بل زادت أعداد المدارس الأوروبية والتي تنتمي للجاليات والإرساليات التبشيرية، فقد تم فتح 130 مدرسة في الفترة بين 1863 – 1879.

فعلى صعيد المدارس الكاثوليكية، استمرت مدرسة Peres Missionaires de la Haute Egypte تقدم خدماتها التعليمية على نطاق واسع، خصوصًا في صعيد مصر ربما في مواجهة الإرساليات الأمريكية وقد فتحت أحد عشرة مدرسة في محافظات مختلفة.
أما الآباء اللعازريون، فقد فتحوا عدة مدارس منها دارًا للأيتام منحها إسماعيل باشا كهدية لهم في عام 1875، حيث ضمت الدار 52 طفلًا تحت رعاية الآباء والراهبات، كما قدم الخديوي منحًا سنوية من الحبوب أو البقوليات لراهبات إحدى تلك المدارس.

أما راهبات البونباستور Seours du Bon Pasteur، فقد منحهم الخديوي موقعًا كبيرًا في شبرا عام 1869، حيث استطاعوا من خلال منح وهدايا من مصادر مختلفة بناء دير وكنيسة، كما أسسوا مدرسة داخلية ودار أيتام وظلوا محتفظين بمدرستهم المقامة في درب الجماميز بالقاهرة، بل ومدوا نشاطهم إلى بورسعيد حيث بنوا دار أيتام في عام 1865، ومدرسة وكذلك بنوا مدرسة في السويس.

أما رهبان الفرنسيسكان الذين كانوا تحت الحماية الفرنسية فقد فتحوا مدرسة في بولاق عام 1868، وأخرى في المنصورة ودمياط وكفر الزيات والإسماعيلية، كما كان بعض الفرنسيسكان الآخرين تحت الحماية النمساوية وقد فتحوا مدرسة في بورسعيد عام 1877.

أما مدرسة البنات التي فتحت عام 1859 باسم Seours Clarisses Franciscaines، فقد وسعت نشاطها كثيرًا ويرجع ذلك إلى الـ 50,000 فرنك التي قدمها إسماعيل لهم عند توليه حكم مصر، بالإضافة إلى المنح السنوية مثل 90 إردبًا من القمح، وقد ضمت المدرسة كل الجنسيات ولكن كانت الأكثرية من الإيطاليات.

أما عن مدرسة الفرير والتي كانت من أفضل المدارس الأوروبية، فقد كان الطلبة لديها مقسمين إلى ثلاث فئات: فئة تتمتع المجانية، وفئتين بمصاريف؛ إحداهما للقسم الداخلي وأخرى في القسم الخارجي. وكمبدأ عام، لم تكن الفرير تسمح بدخول طلبة من غير الكاثوليك لمدرستها في القسم الخارجي، رغم أن الإحصائيات توضح أنه في عام 1878 ضمت المدرسة 15 يهوديًا وثلاثة من المسلمين.
وقد ركزوا جدا على تعليم اللغة الإيطالية، وقد انتقد بعض الأوروبيين أسلوبهم في التعليم المبني على الحفظ وليس الفهم، والتصاقهم بالأسلوب القديم في التعليم.

كما فُتحت الجزويت الإكليريكية في الموسكي عام 1879؛ لتخريج رجال دين مسيحي من الأقباط، ولكي “تحارب تقدم البروتستانت في الصعيد”. وقد تم تشجيع الطلبة الأقباط على فتح مدارس في الصعيد لكي ينافسوا الإنجليز والأمريكان البروتستانت.
ومن أجل توفير وسائل لتعليم الأقباط، فتحت الجزويت مدرسة College de la Saint Famille على أن تكون مدرسة بمصاريف، ويتم قبول جميع الطلبة على مختلف جنسياتهم وعقيدتهم. والجدير بالذكر أن الجزويت كانوا تحت الحماية الفرنسية.

أما عن الإرساليات التبشيرية الأمريكية فقد كانت مجهوداتهم ملحوظة خصوصًا في عهد إسماعيل، حيث فتحوا 36 مدرسة بين عام 1865 – 1878، وقد اختاروا أسيوط مقرًا ومركزًا لهم رغم أنهم احتفظوا بمدارسهم المهمة في القاهرة. وكانت غالبية طلابهم من الأقباط، رغم أنهم قبلوا أيضًا اليونانيين والسوريين والمسلمين المصريين، والجدير بالذكر أن إحدى مدارسهم كان بها قسم خاص للمكفوفين.
كانت غالبية تلك المدارس للتعليم الأساسي، وكان فتح هذا العدد الكبير من المدارس ممكنًا عبر تعيين أقباط برواتب منخفضة للغاية.
كذلك فقد تم فتح مدرسة إنجليزية إرسالية جديدة في دمياط.

أما عن اليونانيين فقد استمرت مدارسهم في تقديم خدماتها، والتوسع في فتح مزيد من المدارس رغم الصعوبات المالية التي أحيانا ما واجهوها، وبسبب زيادة عدد البنين المصريين المتحدثين باللغة العربية ولا يعرفون اللغة اليونانية، تم فتح قسم خاص في إحدى مدارسهم في عام 1876 حتى يستطيع هؤلاء الطلبة متابعة دراستهم باللغة العربية، وكان أغلب هؤلاء الطلبة من المسلمين حيث أقبلوا على تلك المدرسة بسبب نقص ذلك النوع من التعليم في جماعتهم، وقد كان لليونانيين مدارس في القاهرة والإسكندرية وبورسعيد والسويس والزقازيق وشبين الكوم والإسماعيلية.

كذلك كان للإيطاليين مدارسهم وللألمان حيث كانت أول مدرسة ألمانية تُفتح في مصر كانت في عام 1866 بالإسكندرية، ويبدو أنه كان فيها قسم للبنين وآخر للبنات، كما تم فتح مدرسة ألمانية أخرى بالقاهرة في عام 1873، وأخرى للبنات في عام 1874. ويبدو أن تدريس الدين فيها كان اختياريًا.

كانت وفرة المدارس الدينية ومدارس الإرساليات التبشيرية والتي أخذت في النمو في مصر، عملت عنصرًا مُحفزًا للاستقلال الثقافي عند بعض الجماعات والأفراد؛ فبعض الشخصيات القيادية شعرت بالغيرة من حقيقة أن تعليم أبناء وطنها أو أبناء نفس ديانتها كان في أيادي آخرين. فالأقباط كما سوف نرى قاموا بفتح عدد كبير من المدارس في تلك الفترة، وكانوا مدفوعين بلا شك بزيادة تأثير مدارس الإرساليات التبشيرية الأمريكية في القاهرة والصعيد، والتي ركزت جهودها عليهم مما سبب لهم قلقًا، كما شعروا بضرورة إصلاح أسلوبهم التقليدي القديم في التعليم من أجل المنافسة على المناصب الحكومية في الدولة وفي زيادة عدد البيوت التجارية.

وكان اليونانيون والطليان مستقلين، وكانوا رافضين لتسليم أولادهم للكهنة. وكما رأينا من قبل، فقد رفضت مدرسة الفرير ذات التعليم المجاني قبول الطلبة غير الكاثوليك للمدرسة، بينما كانت كثير من العائلات الفرنسية رافضة لإلحاق أطفالها بمدارسهم، كما كان هناك غضب لدى بعض اليهود بسبب تأثير المدارس الدينية المسيحية على أطفالهم، كذلك رفض بعض الأثرياء الأوروبيين فكرة تعليم أولادهم بالمجان حيث رأوا أن ذلك يعني تنازلهم عن قناعتهم الدينية.

ومن أجل مواجهة تأثير المدارس الدينية، ومن أجل تلبية الطلب على المدارس ذات التوجه العلماني فقد أدرك البعض أهمية وجود تعليم يستطيع من خلاله جميع الأطفال على مختلف دياناتهم وجنسياتهم أن يتعلموا، فتم تأسيس مدرسة بالإسكندرية باسم Ecoles Gratuites, Libres et Universelles، بدعم من توفيق باشا وريث العرش.
وكان من أهم أهداف الدعم المقدم من قبل الأسرة الخديوية هو تشجيع الاتصال بين المصريين والأوروبيين.
وقد تم فتح مدرسة مماثلة في القاهرة عام 1873 أيضًا، وبسبب وجودها في القاهرة فقد تضمنت عددًا أكبر من المسلمين. وقد تم إغلاق المدرسة بعد ثلاث أو أربع سنوات من فتحها، وقد تعددت المدارس الخاصة الأجنبية في تلك الفترة.

كان بداية السعي لإصلاح التعليم لدى الأقباط يرجع إلى عهد كيرلس الرابع في عهد عباس الأول (كما تناولنا الحديث من قبل في المقالات السابقة)، وتذكر التقارير أن الأقباط قد فتحوا 23 مدرسة في القاهرة والإسكندرية وأسيوط والجيزة، وليس لدينا معلومات عن تواريخ فتحهم ولكن يبدو أن عام 1873 كان عام معاودة سياسة الإصلاح، وبوفاة كيرلس الرابع تم تعيين دمتريوس بطريركًا، الذين كان عادلًا ولكن غير تقدمي؛ فلقد طرد الأقباط الذين انضموا إلى الكنيسة المشيخية Presbyterian Church، والذين قاموا بتبشير الأقباط في الصعيد، ولكنه لم يقدم أي محاولات لإعادة تنظيم الكنيسة أو تقديم أي إصلاحات. ولكن بعد وفاته في عام 1873، أصبح فريق من الأقباط الذين أدركوا بمرور الوقت أن جماعتهم في حاجة إلى إصلاحات، يُقرّون أن عليهم رسم خطة قبل انتخاب البطريرك الجديد، وجعلوا قبول تلك الخطة هو شرطًا لانتخابه، فكوّنوا جماعة أطلقوا عليها اسم “جمعية الإصلاح”،
وتم تشكيل مجلس حسب القانون في عام 1873 أُطلق عليه اسم “المجلس الملي” كان وظيفته الإشراف على الشئون المالية والمدنية للجماعة القبطية مع البطريرك، وتم انتخاب كيرلس الخامس في عام 1875، ووعد بالالتزام بالقانون الجديد والذي بدون شك حرمه من بعض سلطاته.
وبالتالي مُنحت الجماعة القبطية فرصة جديدة من الحياة لبعض الوقت، ولكن في الوقت القادم سيصبح هناك بعض المشاكل. فقد كان البطريرك يتألم تحت النظام الجديد الذي فقد فيه سلطاته المُطلقة التي تمتع بها أسلافه، وانقسمت الجماعة القبطية إلى مجموعتين متباينتين بدلا من أن يعملوا سويًا سلميًا.
وقد منح الخديوي إسماعيل دعمه كذلك للأقباط بهبة 1,500 فدان لصيانة المدرسة التابعة للبطريرك، وتم افتتاح المعهد اللاهوتي من أجل توفير الكهنة للكنيسة القبطية فضلا عن المدارس القبطية المختلفة.

أما عن المدارس اليهودية فقد كان لليهود في عام 1872 أربع مدارس ابتدائية في القاهرة، وفي الإسكندرية كانت لهم أربع مدارس ابتدائية أخرى، وكان التعليم فيهم بمصاريف مدرسية، هذا فضلا عن المدارس اليهودية الخاصة.

كذلك كان للأرمن مدارسهم وللشوام الموارنة ثلاث مدراس: في درب الجنينة والأزبكية وشبرا، وجميعهم مدارس ابتدائية ويلتحق الطلبة بعد ذلك غالبًا بمدرسة الفرير، ولو كان هدفهم الخدمة في الكنيسة فكانوا يُرسلون إلى بيروت.

وبهذا نستطيع القول أن المدارس الأوروبية قد شهدت زيادة كبيرة في عهد إسماعيل باشا؛ مما مهد للثقافة الأوروبية أن تخترق المجتمع المصري أكثر وتنتشر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!