أدت الاضطرابات المالية والسياسية في عهد الخديوي إسماعيل إلى خلعه في 26 يونيو 1879. وقد خلفه ابنه محمد باشا توفيق. ولم يكن هناك حاكم من الممكن أن يصل لعرش مصر في مناخ أكثر إعاقة من ذلك حيث كانت البلاد تعج بالاضطرابات بسبب التدخل الأجنبي في الشئون المصرية، وغضب الشعب المتزايد جراء ذلك، فضلاً عن بوادر قلق داخل الجيش تطور إلى ما عُرف بالثورة العرابية، التي تلاها الاحتلال البريطاني لمصر.

وتهدف تلك المقالة لإلقاء الضوء على وضع التعليم قبل الاحتلال البريطاني لمصر في الفترة ما بين تولي توفيق حكم مصر عام 1879 إلى عام 1882 قبل الاحتلال.

وبسبب قصر تلك المدة والمشاكل التي عاصرتها فلا يمكن أن نرى ملمحًا أو سياسة للتعليم، ولا إنجاز إلا أنه من المعروف أن توفيق قد أظهر اهتمامًا بالتعليم قبل توليه الحكم حينما منح دعمه لمدرسة Ecole Gratuites وفتحه لمدرسة القبة في عام 1875 ، حتى إنه يقال إنه كان يزور مطبخ المدرسة ليطمئن على نوعية الطعام المُقدمة للطلبة بنفسه.

وفي يناير 1881، فتح مدرسة للأمراء وأولاد النبلاء تحت نظارة عثمان بك صبري الذي منح لاحقـًا لقب باشا. وفي عهد الخديوي توفيق،  قدم علي باشا إبراهيم تقريرًا عن وضع المدارس لمجلس النظار شارحًا وجهة نظره بالنسبة للميزانية المخصصة غير الكافية للتحسينات المطلوبة، وشدد على ضرورة إصلاح المناهج.

وتبدو أهمية ذلك التقرير أنه يعطى لنا انطباعًا من أحد المصريين عن أنفسهم- أي عن مشكلة التعليم- حيث كان يعيق أي إنجاز في التعليم أمران وهما: عدم وفرة المال، وعدم وفرة المدرسين الأكفاء.

واقترح التقرير على المجلس أن يتم توفير المال عبر توفير نصيب أكبر من الميزانية. أما بخصوص المدرسين، فقد اقترح تحسين مستوى “دار العلوم” وفتح كلية أخرى لتدريب المُعلمين، على أن يتدربوا على اللغات الأوروبية والحساب والتاريخ والجغرافيا والكيمياء والفيزياء.
كما اقترح التقرير تحسين مستوى المدارس الابتدائية والإعدادية لضمان مرشحين أفضل لدخول المدارس المُتخصصة.
واقترح تأسيس مدارس ابتدائية درجة ثالثة في كل قرية مهمة، ومدرسة ابتدائية درجة ثانية في المدن الصغيرة جدًا، ومدرسة ابتدائية درجة أولى في عواصم المحافظات، على أن يتم تمويل هذا المشروع من الأهالي من خلال العُمد والمجالس المحلية.
واقترح أنه على المسئولين أن يؤكدوا للأهالي على ضرورة التعليم من أجل تحسين مستواهم الثقافي بشكل عام ومحاربة الأمية.
وأكد أنه من المستحيل إحداث نتائج مباشرة، مدركـًا أن تعليم الأهالي هو مسألة وقت.

كان توفير المدارس الابتدائية على مستوى البلد ككل معتمدًا في الأساس على توفير المال، الذي كان من الصعب توفيره في ظل القيود المالية والمشاكل التي عمت البلاد. وحتى إن توفرت لم تكن لتضمن مدرسين أكفاء وأعداد وفيرة منهم.

وكانت نتيجة إدخال فكرة الشهادات الدراسية التي لم يَظهر أثرها في ذلك الوقت -التي أُخذت في الأساس من أوروبا الذي قَدَرَ مُجتمعها التعليم والثقافة ليس لأسباب مهنية خالصة– أن أصبح حصوله على الشهادة المدرسية نوعًا من أنواع الهوس لدى المصريين. فبمجرد حصوله على الشهادة اعتبرها النهاية، وذلك بحصوله على وظيفة في الحكومة.

وكان لإنشاء كلية تدريب جديدة على أساس العلوم الغربية مع الحفاظ على كلية “دار العلوم” أن خلق هوة بين ثقافتين: إحداهما إسلامية والأخرى غربية. تلك الهوة التي سوف تزداد بالتدريج لدرجة ولادة حاجز لن يمكن اجتيازه بين مدرس اللغة العربية ومدرس العلوم الحديثة.

وقد تناول التقرير بالنظر والنقد جميع المدارس المتخصصة وأوضح ما بحاجة إلى تطوير وما تتمتع بوضع جيد، كذلك تناول وضع التعليم الأساسي ومشكلاته. وذكر في تقريره وضع المدارس الأوروبية التي أغلبها تديره القنصليات الأوروبية وذكر أن نسبة الطلبة المصريين في المدارس الأوروبية في عام 1878 كان 52% منهم من هم غير مصريين خالصين، ولكن في الأوراق هم يحملون الجنسية المصرية. وأوضح أن النقاط القوية في تلك المدارس أنها تُدريس اللغات والتاريخ والجغرافيا والحساب والرسم والهندسة، ولكن النقاط الضعيفة فيها هي تعليم اللغة العربية. وذكر في التقرير ضرورة أن يمنح الديوان سلطة المراقبة على تلك المدارس.
ورغم أن التقرير لم يتم العمل به بسبب الظروف التي كانت تمر بها البلاد والتي أدت في نهاية المطاف لاحتلال مصر، إلا أن ذلك التقرير ألقى الضوء على مشاكل التعليم في مصر.

أسفرت الأزمة المالية التي أفرزها في الأساس سياسة إسماعيل الاقتصادية وسماحه للأوروبيين في اختراق المجتمع المصري ومن بعده خلفه توفيق باشا الذي لم يقدم أية خطوات من أجل كبح التدخل الأوروبي في شئون مصر الداخلية، وما نتج عنه من اضطراب داخل الجيش تحول إلى ثورة انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر عام 1882.

وبما أن المبحث قد وصل لنهايته بدخول الاحتلال البريطاني لمصر ولكنه من الجدير بالذكر أن نلفت النظر هنا إلى إحدى الملاحظات التي أنهى بها الكاتب بحثه بمقارنته بين الخلفية الاجتماعية في المجتمع الشرقي وبينها في المجتمع الغربي؛ حيث ذكر أن الأطفال الشرقيين محرومون من فوائد “الحياة المنزلية” التي تلعب فيها الأم الغربية دورًا مؤثرًا من الناحية التربوية؛ مما يؤهل الأبناء للعب دور في المجتمع مستقبليًّا في حين أن الأم الشرقية لا تقدم لأولادها إلا ما منحته الطبيعة لها من هبات. ذلك التأثير الذي يمنحه البنيان الاجتماعي الغربي ودور الأم فيه هو ما تبني عليه المدارس الغربية بنيانها للطالب حسب رأي الكاتب.
فحسب وجهة نظره، يقول إنه إذا كانت النتيجة النهائية لمحاولات إصلاح التعليم هي الفشل فهذا يرجع لأسباب تشمل البنيان الاجتماعي في المجتمع الشرقي ككل.
فالتعليم الغربي في نظره هو نتاج لعوامل ثقافية وأخلاقية مختلفة يتمتع بها المجتمع الغربي ولا يشاركه المجتمع الشرقي إلا في قليل منها.
ويرى الكاتب أن تحقيق تغيير إيجابي لن يتم إلا بتغيير تركيبة المجتمع الشرقي وتبنيه للصفات الأخلاقية الغربية.

تلك النظرة التي ربما توصف ب”الفوقية” والتي ختم بها الكاتب بحثه ليست بغريبة حيث تكررت بشكل أكثر حدة فيما كتبه اللورد كرومر في كتابه Modern Egypt بمقارنته المستمرة بين المجتمع الشرقي الذي وصفه في بعض الفقرات بـ”البربرية” والمجتمع الغربي الذي وصفه بالتحضر، ورغم أن هناك ملاحظات في رأيي تعتبر في محلها من ناحية العيوب المجتمعية التي طرحها ،التي ربما كانت نتاجًا لعقود طويلة من الاستعباد والاحتلال، إلا أنه لا نستطيع أن نغفل كم الاستعلاء والمبالغة فيما قاله كرومر، والذي لم يتفق معه في أفكاره مثلاً المؤرخ البريطاني الكبير Blunt الذي عاصر الحقبة الزمنية نفسها التي عاشها كرومر والذي أيضًا أمضى فيها بعض السنوات في مصر.

ختم الكاتب Heyworth-Dunne بحثه بتقرير اللورد دوفرين Dufferin الذي كتبه في عام 1883أي بعد الاحتلال مباشرة عن وضع التعليم في مصر، حيث ذكر أنه لا أمل في إحداث تطور في التعليم إلا لو تم “استبدال اللغة العربية القرآنية باللغة العامية المصرية”. وقد شهدت سنوات الاحتلال الأولى فرضًا للغة الإنجليزية على حساب اللغة العربية في التعليم، في حين ظلت إدارة الأوقاف والأزهر في حالة ترقب ومعارضة لأي تدخل أوروبي على نظامها التعليمي القديم. وكتب كثيرون من الكتاب عن الشكوى من إهمال التعليم بعد الاحتلال، ولكن هذا يحتاج لبحث منفصل سنتناوله بمشيئة الله في سلسلة مقالات منفصلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!