900

لقد أشرنا في المقال السابق إلى كيف تخلص محمد علي من خصومه السياسيين المُنافسين المُتمثلين في المماليك عبر مذبحة القلعة الشهيرة، وكيف استطاع توفير الموارد المالية اللازمة لسد حاجات قواته الألبانية ولتلبية مطالب السلطان العثماني في حروبه الخارجية، بل وللبدء في إصلاحاته عن طريق مصادرة جميع الممتلكات ومنها أملاك الأوقاف سواء أملاك الأزهر أو الجوامع الأخرى كي يصبح هو المالك الوحيد.
ودور المقالات القادمة هو إلقاء الضوء على الإصلاحات التعليمية في عهده ليس من المنظور التقليدي المُتمثل في ذكر إنجازاته في مجال فتح المدارس المختلفة وإرسال البعثات. بل دور تلك المقالات هو رصد خصائص تلك الإصلاحات وبيان تأثيرها على الحياة المدنية والعسكرية ومصير المؤسسات التعليمية التي أسسها بعد توقيع إتفاقية لندن عام 1841. وبطرح بعض التفاصيل سنتمكن من فهم الكثير من ملامح تلك الفترة، وربما نصل لجذور كثير من مشاكلنا التي ظلت معنا طوال تلك الحقب من تاريخنا الحديث.

الهدف النهائي الذي كان يسعى له محمد علي يتمحور حول بناء جيش مُنظم وقوي على النسق الأوروبي، ومن أجل ذلك كان عليه إعادة تنظيم الجيش والبحرية، وقد جلب هذا الهدف إصلاحات عديدة كبناء ترسانات ومصانع ومُستشفيات وإصلاحات في مجال الزراعة والتعليم و… إلخ. كل تلك الإصلاحات كانت ضرورية للحفاظ على قوات مقاتلة ضخمة كالتي كانت في ذهن محمد علي.

كان تفكير محمد علي يرتكز على إرسال بعض من رجاله إلى أوروبا كي يكتشفوا ما تفتقده البلاد وما يستطيع أن يقدمه الغرب وما هو مناسب للأفكار التركية عن التطوير. لم يلجأ محمد علي للاعتماد مفردًا على نصائح الأوروبيين المُقيمين بمصر أو المُغامرين أو مُمثلي بعض الدول الأوروبية كما فعل المسئولون في إسطنبول.

كانت أكبر عقبة أمام جهوده في تقديم الإصلاحات هي عدم وجود رجال أكفاء خصوصًا في النواحي التقنية.
وقد سعى محمد علي باشا في إرسال البعثات التعليمية للخارج. وهناك أدلة تؤكد على  تأثره برأي بعض الإيطاليين في توجيه البعثات الأولى إلى إيطاليا، حيث لم يكن هناك أي مخاوف من تأثيرها السياسي لأنها لم تكن وقتها دولة مُوحدة. ولهذا بدأ في إرسال أول بعثاته إلى إيطاليا في 1809 لدراسة العلوم العسكرية، وبناء السفن، والطباعة، والهندسة.

وللأسف، ليس لدينا تفاصيل حول تلك البعثة بسبب نشوب حريق في القلعة عام 1820 قضى على كثير من الوثائق والتي كان من ضمنها جميع المعلومات المُتعلقة بتلك البعثة.

كما تم إرسال مُبعوثين أيضًا إلى إنجلترا لتعلم بناء السفن في 1818، حيث وصل عدد المبعوثين حتى ذلك العام إلى ثمانية وعشرين مبعوثًا كان أغلبهم من الأتراك.

وفي عام 1816، فتح محمد علي مدرسة بالقلعة بناء على اقتراح من حسن أفندي الدرويش الموصلي، الذي كان في الأغلب عربيًّا قضى وقتًا في إسطنبول. كان عدد التلاميذ في المدرسة ثمانين تلميذًا من صغار المماليك الذين ضمهم محمد علي لمعيته بعد مذبحة القلعة وجميعهم كانوا يتلقون علاوة شهرية وملابس ويحصلون على وجبة.
وكانت الدراسة في المدرسة تبدأ من الفجر وحتى الغروب، وكان التلاميذ يتعلمون القراءة والكتابة والقرآن واللغة التركية والفارسية والإيطالية والألعاب الرياضية والوسائل العسكرية واستخدام السلاح.

كما تم فتح مدرسة أخرى في القلعة باسم “دار الهندسة” مكونة من فقراء سكان القاهرة والمماليك حيث تم تدريس الطلبة الحساب والهندسة والرياضيات واللغة الإيطالية.
وقد اعتبرت تلك المدرسة نواة لمدرسة جديدة في بولاق باسم “مدرسة الهندسة” تم فتحها عام 1821، وكان طلابها يحصلون على مبلغ شهري لتشجيع أهاليهم على إرسالهم للمدرسة بجانب حصولهم على وجبات وملابس مدرسية.

كان هدف محمد علي كذلك هو تشكيل كيان لمساحين الأراضي يمكنه من الاستغناء عن خدمات الأقباط الذين اعتبر عملهم غير مُرضي بالنسبة له فقد كانوا بنظامهم الخاص في موضع قوي جدًّا، حيث كانوا على معرفة بموارد البلاد دون غيرهم وكان النظام الذي يتبعونه مُعقدًا لأي شخص أن يديره وبناءً على ذلك وبشروعه في فتح مدرسة جديدة لهذا الغرض، واجه محمد علي معارضة منهم بسبب تدخله مؤكدين أن النظام الذي يعملون به أفضل من النظام الأوروبي.

من المهم هنا تسليط الضوء أن المحاولات الأولى لمحمد علي لفتح مدارس كان تقوم على الاستعانة برجال دين مسيحيين أجانب حتى لتدريس اللغة العربية، ولم نجد أي ذكر لتوظيف مواطنين مصريين في تلك المرحلة.

وقد حدث تحول بدخول رجال فرنسيين في دائرة الباشا بعد أن كان الإيطاليون وحدهم من الأوروبيين من يتم الاستعانة بهم في أمور التعليم حيث وصل الكابتن سيف، أحد ضباط الحملة الفرنسية إلى مصر والتحق بخدمة الباشا في عام 1819 وبعد أن فشل في البحث عن الفحم في الصعيد، وكل إليه الباشا مهمة تنظيم الجيش حسب النظام الأوروبي. فانتقل سيف إلى إسنا ومعه من ثلاثة إلى أربعة آلاف مملوكي في عام 1820 ليتم تدريبهم كضباط في الجيش الجديد، وقد واجه سيف مشكلة في البداية في التواصل والتفاهم معهم بسبب اللغة.

وفي نفس ذلك الوقت، عاد إسماعيل باشا ابن محمد علي من حملة سنار والنوبة بعدد كبير من العبيد الذين تم إدخالهم للجيش كمجندين.
ولم يستغرق محمد علي وقتًا طويلًا ليدرك أن أبناء العبيد (السودانيين) لم يكونوا الاختيار الأمثل كجنود، وذلك نظرًا لظروف الطقس المختلفة؛ مما تسبب في عدد كبير من الوفيات بين صفوفهم. وقد قرر الباشا استبدالهم بالمصريين ولم يجد أنسب من الصعيد كي يبدأ فيها في تجنيد المصريين بعد قرون من عدم تجنيد المصريين، إذا استثنينا تجربة تجنيد الفرنسيين لبعض أقباط الصعيد في وقت الحملة الفرنسية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك