508

تحدثنا من قبل أن الهدف الأساسي الذي كان يسعى له محمد علي كان يتمحور حول بناء جيش مُنظم وقوي على النسق الأوروبي، وأنه وفي سبيل ذلك كان لا بد من عمل إصلاحات في مجالات شتى سواء عسكرية أو مدنية.

وقد تناولنا في المقال السابق الجانب الخاص بالتعليم العسكري وفي ذلك المقال سوف نتناول الجانب المدني مع الإشارة إلى أنه حتى تلك المدارس ذات الصبغة المدنية كانت قد أُقيمت في الأساس من أجل خدمة الجيش.

فمن أجل تأسيس جيش قوي، كان لا بد من الاهتمام بالناحية الصحية للجنود. ولذلك فقد تم تأسيس مدرسة الطب والتي يرجع الفضل في تأسيسها إلى كلوت بك الذي قدم لمصر في عام 1825، حيث بدأت الدارسة فيها عام 1827 بإنشاء مستشفى في أبي زعبل.

ولأول مرة كان جميع الطلبة من المصريين وفي أغلب الظن أنهم كانوا من طلاب الأزهر. ولم يتم إلحاق الأتراك أو الشراكسة بذلك المجال حيث كانت النظرة إلى مجال الجيش هي أنه الأعلى على مستوى جميع التخصصات.

وكانت هناك صعوبة بالنسبة للطلبة والمدرسين الأجانب كي يفهموا بعضهم البعض، ولهذا تمت الاستعانة بمترجمين من الشوام المسيحيين ومن الأوروبيين الذين كانوا على علم باللغتين.

وكانت أول محاولة في تأسيس مدرسة للصيدلة في عام 1829، تلتها خطوة أخرى بتأسيس مدرسة للصيدلة في أبي زعبل عام  1830 تحت إدارة إيطالية.

أما مدرسة الولادة، فقد تم تأسيسها في عام 1831 كجزء من مدرسة الطب. وفي البداية، كان من الصعب أن تتقدم فتيات بإرادتهم الحرة للمدرسة ولذلك كانت أول دفعة من الفتيات الطالبات مكونة من عشر حبشيات وسودانيات تم جلبهن إلى القاهرة من سوق العبيد واثنين من الرجال الطواشي الذين جُلبوا من قصر محمد علي.

ثم بعد أربعة أعوام تم ضم عشرة آخرين من العبيد وعشر من الفتيات اليتيمات، وبهذا بلغ عدد الطلبة أربعة وثلاثين.

وحتى عام 1827، لم تكن الحيوانات في مصر تَخضع لأي علاج علمي، ولهذا قرر محمد علي إنشاء مدرسة للبيطرة في رشيد ثم تم نقلها لاحقًا إلى القاهرة. ويجب ألا ننسى أهمية تلك المدرسة حيث إن الجيوش في تلك الفترة كانت تعتمد على الخيول وغيرها من الحيوانات. وقد بدأت المدرسة بتدريس عشرة من المصريين. وقد تم نقل المدرسة لاحقًا إلى حي شبرا كي تكون بجانب مدرسة الزراعة في 1837.

وكانت مدرسة المهندسخانة من المدارس المُهمة التي خَرَجت كفاءات لتطوير البلاد، وقد تم فتحها في بولاق عام 1834 تحت إدارة الناظر أرتين أفندي، وهناك دلائل أن المدرسة كانت موجودة قبل هذا التاريخ حيث يربطها البعض بـ”دار الهندسة” التي تأسست في عام 1820.

وقد سيطرت على المدرسة مجموعة الـ”سانت سيمونيت” Saint-Simonite الفرنسية بمعاونة بعض طلبة البعثة المصريين العائدين من فرنسا.
كان أهم هدف لمجموعة السانت سيمونيت هو التطوير الصناعي والثقافي لمصر وحفر قناة السويس. ذلك التطوير الثقافي الذي يسمح بنمو الثقافة الفرنسية في مصر وتوفير فرص عمل لهم فيها.

وأصبح الاعتماد على الخبرات الأوروبية أساسيًّا في المجال الهندسي ولم يتطور الأمر كي تعتمد مصر تمامًا على خبراتها وحدها.
ورغم أنها كمجال للدراسة بعيدة عن مجال العسكرية إلا أن مسيو جومار أطلق على دار الهندسة اسم “La Grande Ecole Militaire” أي المدرسة العسكرية الكبيرة.

وقد فتح محمد علي مدرسة الكيمياء التطبيقية في عام 1831  بعدد خمسة طلاب. ولا توجد كثير من المعلومات حول المدرسة والمواد التي تم تدريسها فيها إلا أنه يبدو أن الهدف من تلك المدرسة كان تقديم رجال مهرة للعمل في المصانع التي أسسها محمد علي.

وقد كان من المستحيل أن نتوقع من مُحاسبين وكَتَبة أن يتجاوبوا مع أي نظام جديد يسعى إليه محمد علي بدون أن يتلقوا بعض التدريب والتعليم. وعلى هذا الأساس تم فتح “الدرسخانة الملكية” في عام 1829. وكان على الطلبة دراسة اللغة العربية والتركية والفارسية والإنشاء “كتابة الخطابات” والخط. وكان عليهم تعلم الترجمة من اللغة العربية إلى التركية. وكانوا يحصلون على دخل شهري يتراوح ما بين ثمانين قرشًا إلى مائة وخمسين قرشًا إضافة إلى الوجبة.

كما تم فتح مدرسة الصنايع في رشيد عام 1831 ومدرسة الري في بولاق عام 1831، وكذلك مدرسة الترجمة  -أو الألسن فيما بعد- عام 1836 تحت إدارة إبراهيم أفندي لمدة عام، ثم تلاه رفاعة بك الطهطاوي.

أما مدرسة الزراعة فقد تم فتحها في عام 1833  عبر الاستعانة بخبرات أجنبية، وكان الطلبة من أولاد شيوخ البلد من الريف وغيرهم من الأسر ذات الوضع الجيد وقليل منهم كانوا محولين من مدرسة القصر العيني. وكان ذلك في عام 1833.

ولكن المدرسة فشلت في تحقيق الهدف منها بسبب سوء الإدارة وتدهور مستواها، حتى تحولت في النهاية لمجرد مزرعة بسيطة وقد تم نقلها من نبروة بالمنصورة إلى شبرا في عام 1836.

كما تم فتح مدرسة القانون الإداري في عام 1840.

وفي مقالات لاحقة سوف نتناول المصير البائس لكثير من المدارس التي فتحها محمد علي بعد انهيار مشروعه بعد عام 1841 والاضطرار لإغلاق العديد من تلك المدارس مما مَثل انهيارًا لمشروعه ككل.

وفي المقالة القادمة سنتحدث عن دور المسجد ونظام الكُتاب والتعليم الابتدائي في عهد محمد علي.

المصدر: “An Introduction to the History of Education in Modern Egypt”
للباحث J. Heywoth-Dunne

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك