2,409

كانت رغبة محمد علي هي الاستغناء عن الأوروبيين الذين يكلفون الدولة مبالغ كبيرة ولا تربطهم أي روابط بمصر، كما أنهم وبسبب الدعم المُقدم لهم من القناصل الأوروبيين، لم يكونوا بنفس الليونة المتوفرة لدى الأتراك والمصريين.

كما أن استعانة حاكم مسلم بأعداد كبيرة من الأوروبيين مَثل أمرًا مستحدثًا في الإدارة الإسلامية، حيث كانت عادات المسلمين تحظر توظيف هؤلاء الأوروبيين في مناصب إدارية عُليا، ولهذا كُلما وجدنا أوروبيًّا يرأس مدرسة، كان يُعين على رأسه تركيًّا كـ”ناظر”. وقد حاول محمد علي مع العديد من الأوروبيين تلافي تلك السلبيات عبر دعوتهم لاعتناق الإسلام كما حدث مع سيف “سليمان باشا الفرنساوي”.

وقد مثَلت اللغة عائقًا يفصل بين المُعلمين الأوروبيين والطلبة. وقد رفض الأوروبيون تعلم اللغة العربية أو التركية، مما فرض على محمد علي أن يوفر مُترجمين، ولكنهم لم يكونوا بالكفاءة المناسبة، وكان البديل أن يتعلم الأتراك والمصريون اللغات الأجنبية وأن يتعلموا ما هو مناسب لتطوير البلاد كي يحلوا محل الأوروبيين.

أما أول بعثة لأوروبا أرسلها محمد علي فقد كانت لإيطاليا في الفترة ما بين 1809 إلى 1818، ثم توقف بعدها لبعض الوقت ثم تلتها البعثة الكُبرى لفرنسا عام 1826 تحت إشراف المسيو جومار.

وكانت فكرة إرسال مبعوثين إلى فرنسا من نصيب المسيو جومار الذي أقنع محمد علي بسبب تخوفه في أول الأمر من خلق أي روابط ثقافية ما بين فرنسا ومصر بسبب تاريخ الحملة الفرنسية على مصر.

وقد تكونت البعثة من أربعة وأربعين طالبًا تم إرسالهم عام 1826، منهم17 طالبًا من مواليد القاهرة، فيهم على الأقل ثلاثة من المصريين. وأغلب هؤلاء درسوا علومًا مدنية.

أما باقي الطلبة المبعوثين، فكانوا من الشراكسة والأرمن والأتراك والجورجيين، وكانوا في أغلبهم يدرسون علومًا تتعلق بالدراسات العسكرية والإدارة والدبلوماسية. وكانت اللغة الأم لغالبية الطلبة المبعوثين عمومًا هي اللغة التركية.

وقد أمضى الطلبة سنة كاملة في دراسة اللغة الفرنسية وبعض المواد التأهيلية التي تمكنهم من دارسة تخصصاتهم فيما بعد. وفي الفترة الأولى لم يكن يُسمح للطالب بالخروج إلا في أيام الأحد وبإذن مكتوب وبعد أن انتظموا في الدراسة لبعض الوقت، أصبح مسموح لهم بالخروج ولكن تحت ضوابط صارمة تحد من حريتهم وتمنعهم من الاختلاط بالجنس اللطيف.

كان الطلبة كذلك يخضعون كل شهر لامتحانات تُرسَل نتائجها لمحمد علي باشا ليطلع عليها بنفسه. وقد كان الباشا كذلك يرسل لهم خطابات تشجعهم على الدراسة وقد توبخهم في حال إهمال بعضهم.

وبانتهاء دراستهم والعودة إلى مصر، كانت العادة هي أن يلتقي الباشا بالطلبة في مقابلة خاصة. وقد حدثت بعض الحالات التي شعر فيها كلاهما بالإحباط: حينما جاءت توقعات الباشا مخالفة لما درسه بعضهم، وحينما تم توظيف بعضهم في مجالات لا تمت بصلة للذي درسوه مما سبب لهم إحباطًا.

ويروي أرتين أفندي أنه بعد انتهاء مقابلتهم مع الباشا، كان كل طالب يُعطى كتابًا خاصًا بالمواد التي درسها ويظل بالقلعة لمدة ثلاث شهور حتى ينتهي من ترجمته إلى اللغة التركية.

كما اصطدم بعض العائدين من البعثة بمشاعر الغيرة التي سيطرت على بعض رؤسائهم الأتراك، وبمخاوف الأوروبيين من أنهم سيحلون محلهم؛ مما ولد بعض الصراعات.
ومن المهم الإشارة أن هؤلاء العائدين من البعثات قد وصلوا فيما بعد لمناصب كُبرى في الدولة؛ مما مهد الطريق لخلق طبقة جديدة في المجتمع نستطيع أن نطلق عليها “طبقة الأرستقراطية” حيث تمكنوا من خلال وضعهم الجديد من الحصول على مناصب برواتب عالية وهدايا وأراضٍ وألقاب.
ومن مشاهير تلك البعثة الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي سافر لباريس كإمام للبعثة، ولكنه درس ترجمة وبعد عودته حصل على وظائف عديدة في التدريس وأصبح ناظر لمدرسة اللغات، وترجم أعمالًا عديدة للغة العربية.

كذلك من أعلام تلك البعثة المهندسان محمد أفندي مظهر (باشا) ومصطفى أفندي محرمجي (المعروف ببهجت باشا) اللذان شاركا في بناء القناطر الخيرية مع المهندس الفرنسي موجيل بك. ويعتبر من أهم أعمال محمد مظهر باشا إنشاء فنار الإسكندرية الشهير.

وقد تم إرسال بعثة ثالثة بين عامي 1828 و1836 إلى فرنسا وإنجلترا ضمت 108 طلاب، كان أكثرهم من المصريين ومنهم طلبة أزهريين سابقين وذلك لدراسة الطب والصناعة والبحرية والهندسة الخدمات البيطرية.

ومن الجدير بالذكر أن ثلاثة من الطلبة المصريين الذين درسوا الطب قد تزوجوا من سيدات فرنسيات خلال إقامتهم في فرنسا، وكان ذلك أول مرة يحدث فيها حالة زواج بين طلبة مصريين مبعوثين وأوروبيات.

ومن أعلام تلك البعثة الطالب محمد علي البقلي الذي درس الجراحة والتشريح وأصبح من أعلام الطب في مصر ووصل لمنصب مدير مدرسة الطب، وقد ترك أعمالًا ومجلدات مهمة في مجال الجراحة والطب، وهو صاحب أول مجلة شهرية طبية تصدر باللغة العربية باسم “اليعسوب” سنة 1865.

كما تم إرسال بعثة رابعة إلى إنجلترا بين عامي1837 و1843 وهي الفترة التي اتسمت باضطراب في العلاقة بين محمد علي والباب العالي وتدخل القوى الأوروبية.

وكانت آخر بعثة أرسلها محمد علي هي في الفترة ما بين 1844 و1849، والتي سُميت بـ”بعثة الأنجال” حيث ضمت بعض من أبناء و أحفاد محمد علي كحليم بك وإسماعيل بك الذي أصبح خديوي مصر فيما بعد. وكانت الوجهة إلى فرنسا والنمسا وإنجلترا حيث درس بعضهم الفنون العسكرية والبعض القانون والميكانيكا، ووصل مجموع عددهم لمائة واثني عشر طالبًا.

وقد خضع الطلبة لنفس قواعد الانضباط العسكرية والالتزام بالقانون الأخلاقي الذي فرضه محمد علي على جميع البعثات السابقة. ومن الجدير بالذكر أن هناك اثنين منهم قد تم ترحيلهم إلى مصر بسبب عدم التزامهما بتلك القواعد.

يبدو أن كثيرًا من الطلبة كانوا من الأتراك والأرمن. وقد مُنح الطلاب حرية أكثر في اختيار التخصصات التي كان عليهم أن يدرسوها.

ومن أعلام تلك البعثة علي مبارك (باشا) الذي تقلد وظائف عُليا مهمة في مجال التعليم في فترات لاحقة وتقلد كذلك عدة نظارات في عهد إسماعيل.

كذلك، محمد بك شريف الذي وصل فيما بعد إلى مناصب عليا في الجيش وتقلد عدة نظارات، وقد تزوج من ابنة سليمان الفرنساوي وتقلد مناصب وزارية متعددة في عهد إسماعيل. ومن الجدير بالذكر أنه يعتبر الجد الأكبر للملكة نازلي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك