تحدثنا في إحدى المقالات السابقة عن نشأة “ديوان المدارس” عام 1837 وكيف أنه كان نتيجة لتدهور حال التعليم الأساسي ورغبة في فصل التعليم المدني عن ديوان الجهادية الذي كان مسيطرًا سيطرة كاملة على التعليم ككل في مصر. وقد كان من المتوقع أن يتحسن التعليم تحت سلطة “ديوان المدارس” ويتلافى عيوبه بعد أن يكون أكثر تنظيمًا. ولكنه وحسب رأي معاصرين فإن عملية الإصلاحات التي تمت بتأسيس “ديوان المدارس” لم تكن بالكفاءة المُتوقعة إذا قارنناها بإدارة التعليم تحت ديوان الجهادية، حيث زادت الصراعات بين العاملين في تلك المدارس وانعدم التنظيم في كثير من الأحيان وظهرت حالات فساد. وكثيرًا ما كان يحدث تأخر في توصيل المواد والمستلزمات المدرسية مما أحدث تعطيلًا مستمرًا في المدارس.

وإذا كان هذا هو جانب من حال التعليم، فماذا كان حال الطلبة؟ كان الطالب المصري الصغير يتلقى في السنوات الأولى تعليمًا يعتمد أكثر على الحفظ، فإذا ما انتهى من تعليمه، كان هدفه الرئيسي هو التعيين كموظف في أي جهة حكومية. وبمجرد الحصول على الوظيفة ينسى الطالب كل ما تلقاه من علوم في السنوات السابقة ولا يلتفت مطلقًا لفكرة الدراسة والتعليم الذي تلقاه.

ولتلافي ذلك تم تقديم نصيحة من أحد الأوروبيين لمحمد علي تقوم على فكرة أن يخضع المُوظف بشكل دوري لامتحان في العلوم التي درسها للمحافظة على مستوى ثقافي معين ومن خلال الامتحان يحدد ما إذا كان الموظف سيحصل على الترقية في عمله أم لا وتم تنفيذ تلك النصيحة. ولكن الحقيقة أن المواد التي حصلها الموظف المُتخرج ما كان عليه سوى أن يُراجعها في ليلة قبل الامتحان وتنتهي العملية برُمتها ويعود لنسيانها من جديد.

لقد كانت المشكلة أعمق من فكرة المحافظة على المستوى الثقافي للموظف. فالنظام الذي تبناه محمد علي كان يهدف لإحداث تغيير شامل في حياة الناس ولكن في نفس الوقت كان معنى ذلك هو تدمير لكل العادات التي نشأوا عليها دون إعطاء بدائل واضحة لهم.
كما أن الاستعجال لم يمنح الفرصة للطلبة لتكوين جذور ثقافية متينة. ونقصد هنا بالاستعجال أن كثيرًا من الطلبة كانوا يُسحبون من مدارسهم قبل أن يتموا تعليمهم بسبب حاجة محمد علي لهم أثناء حرب الشام.

وبعد فتح كل المدارس المُتخصصة، هل سمعنا عن طبيب مصري فتح عيادة في تلك السنوات الأولى؟ هل اعتمد المواطنون على الاستفادة من خدمات الأطباء المصريين والبيطريين؟ أم استمروا في الاعتماد على الحلاق والسايس؟
وهل كان الأمر يتطلب فقط مرور قدر من الزمن يسمح لهم باستيعاب التغيير؟
لقد اعتمد الناس على اليد الحديدية لمحمد علي التي ترسلهم إلى المدارس والتي تطعمهم وتوفر لهم الملبس وتوظفهم. وبدون التوظيف في الحكومة، لم يكن ليحصل المُتخرج على شيء. حتى في الخدمة الحكومية كان على هؤلاء الأطباء والمهندسين والبيطريين وغيرهم أن يواجهوا مقاومة وعداء من فوقهم من رؤساء وحينما يعاد توزيعهم على المدارس كانوا يصدرون نموذجًا غير مشجع للطلبة الذين مايزالون في مرحلة تلقي العلم.
كان هذا نموذج الرجال الذين أجبروا على التعليم في عهد محمد علي والذين كانوا من المفترض أن يكونوا العمود الفقري للمؤسسات الجديدة التي أنشأها محمد علي قبل انهيار مشروعه بعد توقيع معاهدة لندن 1841. فهل كانت المشكلة في سياسة الإجبار التي تبناها محمد علي التي لم تكن لتنجح في إنتاج شخصية ميالة للتثقيف بطبيعتها أم أن الأمر كان يتطلب بعضًا من الوقت؟
ولكن، هل بدون هذا الإجبار كان من الممكن أن نتوقع إحراز تقدم كبير في قطاع التعليم؟ وهل المشكلة كانت في الإجبار أم أن الأمر كان يتطلب بعضًا من التنظيم كان من الممكن أن يتحقق بمرور الوقت؟ خصوصًا أنه أيًا كانت السلبيات فلا يمكن أن نغفل حدوث تقدم تعليمي واضح عبر إنشاء المدارس المُتخصصة – من طب وهندسة وغيرها – وعبر إرسال البعثات التعليمية، مما دفع البعض كالكاتب الفرنسي ميريو في كتابه “مصر المعاصرة” عام 1857 للقول بأنه يقدر المصاعب التي واجهها محمد علي كي ينشئ نظامًا تعليميًا في مصر وأن ما خاضه يمثل عمل أجيال كاملة وليس سنوات.

وأيًا كانت الإجابة، فإن المقالات والسطور السابقة أوجزت وضع التعليم قبل توقيع معاهدة لندن 1841 والتي كانت نقطة فاصلة بين مرحلتين حيث تلتها تغيرات حادة كان لها بالطبع تأثير على وضع التعليم فيما بعد.

لقد كان لانهيار التعليم الذي ختم محمد علي به عهده مُقدمات واضحة صاحبت حملات محمد علي على الشام في ثلاثينيات القرن التاسع عشر والتي استنزفت موارد البلاد البشرية والمالية والاقتصادية. تلك الموارد المالية التي كانت ضرورية لتحسين أحوال التعليم والصرف على المدارس. وكثيرًا ما كان يُسحب الطالب – الذي يدرس مواد عسكرية – من دراسته دون أن يتمها بسبب الحاجة إليه من أجل حروب الشام. تلك الحرب التي انتهت بتحالف كل من إنجلترا وبروسيا والنمسا وروسيا مع دولة الخلافة العثمانية ضد محمد علي بعد رفضه الانسحاب من الشام وانتهى الأمر بتوقيع معاهدة لندن في 1841.

فبعد توقيع المعاهدة، بدأت التغيرات في الحياة السياسية والثقافية في مصر كما كانت نهاية للصراع بين محمد علي والسلطان العثماني وبموجبها أصبح الحكم وراثيًا في أسرة محمد علي وفقد على إثرها جميع الأقاليم التي فتحها في حروبه والتي ضحى المصريون فيها بالمال والأنفس. كذلك أُجبر محمد علي بموجبها على تخفيض عدد الجيش إذ نصت الاتفاقية على ألا يزيد عدد الجيش عن 18,000 جنديًا بعد أن كان يترواح بين 250,000 إلى 300,000.

وقد كان لتخفيض عدد الجند في الجيش أثر سيء على محمد علي وعلى رجاله حيث كان الجيش هو غاية محمد علي في التطوير. ولم يكن نشر التعليم لإحداث عملية تنوير للشعب أو لاستبدال الجهل – المُشبع بالبُؤس والفقر – بالتعليم.

والآن وبعد أن تقلص عدد الجيش، ما الغاية من التوسع في التعليم؟! خصوصًا بعد أن أثرت كل تلك الأحداث على الحالة الاقتصادية فترتب على كل ذلك قرارات بإغلاق 50% من المدارس التي كانت ما تزال مفتوحة وكانت أكثر المدارس تأثرًا هي المدارس الابتدائية.

انتهى الحال بأن بقي من حصيلة كل المدارس التي فتحها محمد علي طوال فترة حكمه ثلاث مدارس ابتدائية، وتم إغلاق المدرسة الإعدادية (التجهيزية) الوحيدة في 1842، ولم يبقَ من المدارس المُتخصصة سوى مدرسة المدفعية وسلاح الفرسان والمشاة والبيطرية والحرف والصنائع والبحرية والهندسة والألسن والطب والمدرسة العليا بالخانكة.
في حين ذكر البعض (Gisquet): أن مدرسة الحرف والصنائع قد تم إغلاقها أيضًا.
فيما تحولت مدرسة الألسن إلى شبه مكتب للترجمة (حسب Schoelcher).
ولكننا يجب أن نشير إلى أن البعثات التعليمية للخارج ظلت مستمرة.

لم يكن المصريين يألفون إلا نوعين فقط من التعليم: التعليم المُتعلق بالمسجد والذي ظل هو السائد طوال القرون السابقة، والتعليم المُتعلق بالجيش والذي ظل لمدة عقدين منذ تولي محمد علي ولاية مصر. وقد استطاع الثاني تدمير الأول، في حين هو نفسه لم يعد له وجود بعد هزيمة محمد علي، حيث تم إهمال نظام التعليم القديم المرتبط بالمسجد لصالح الاندفاع المحموم لبناء الجيش.

وفي ظل تلك الظروف وبعد انهيار مشروع الباشا بتوقيع معاهدة لندن، حدث اختراق أوروبي للمجتمع المصري حيث بدأ الأوروبيون في التوافد إلى مصر والاستقرار بها من خلال العمل في الأنشطة التجارية وبدأوا في فتح مدارس لجالياتهم. كما نشطت مدارس الإرساليات التبشيرية. ولكن المصريين لم يكونوا مستعدين لهذا الاختراق خصوصًا بعد الانهيار الذي حدث لنظام التعليم.

وفي العشرين سنة التالية التي أعقبت حكم محمد علي، خضعت مصر لحكم اثنين من الباشاوات – عباس الأول وسعيد – فتحت حكم عباس باشا الذي دام ست سنوات، استراحت البلاد من حالة الإنهاك التي دامت فترة حكم محمد علي. وتحت حكم سعيد باشا – الذي كان مولعًا بالثقافة الفرنسية – زاد الاختراق الأوروبي لمصر.

وقبل تناول وضع التعليم في عهدهم، سنعرج في المقالة القادمة إلى هذا الاختراق الأوروبي الذي ختم به محمد علي عهده في العشر سنوات الأخيرة من حكمه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك