1,742

خلال حكم محمد علي، ظهرت محاولات كثيرة سواء عبر بعض الأفراد أو من خلال الإرساليات التبشيرية المسيحية لفتح بعض المدارس في مصر. وقد كان ذلك النوع من المدارس موجود منذ القرن الثامن عشر قبل عهد محمد علي، ولكن على نطاق محدود جدًا. وبعد أن تولى محمد علي ولاية مصر وخلال العقدين الأوليين من حُكمه، كان نادرًا ما يُسمع عن تلك المدارس ومن الواضح أن قليلا من المجهود قد بُذل لتطوير ما كان موجودًا.

وبسبب الوضع الجيد الذي حظي به الأرمن في بلاط الوالي كما هو الحال بالنسبة لبو غوص وأرتين واستيفان وحككيان ويوسف أفندي وغيرهم من الشخصيات ذات الأصول الأرمنية المؤثرة والمُقربة من الوالي، كان هناك مجهود يجب أن يبذلوه في فتح مدارس لهم. ولذلك، فقد تأسست مدرسة للأرمن في عام 1828، وكانت تابعة للكنيسة الأورثوذكسية ببولاق وأغلب الظن أنها كانت مدرسة للتعليم الأساسي.

كذلك وفي عام 1829، فتح أويس السمعاني الرومي مدرسة اللغات لتعليم اللغات العربية والفرنسية والإيطالية، وهو في الأغلب من أهل الشام ولكنه عاش في إيطاليا أو فرنسا لبعض الوقت ثم قدم لمصر باحثًا عن تكوين ثروة.

وهكذا يمكن أن نلحظ أنها كانت مدارس قليلة العدد وقليلة التأثير، وأن التحول حدث في آخر عشر سنوات من حكم محمد علي؛ حيث تعتبر الفترة من عام 1841 إلى 1850 نقطة تحول ثقافي واقتصادي واجتماعي في مصر. فمنذ عام 1841 رأينا الاختراق السلمي الأوروبي ليس من خلال جالية واحدة، بل من خلال جاليات كثيرة وليس في القاهرة والإسكندرية فحسب، بل في كل مدينة. وذلك بعد توقيع معاهدة لندن بين الدولة العثمانية والقوى الغربية الكبرى وما تابعها من انهيار لمشروع محمد علي بحيث أصبحت الساحة مفتوحة لهذا الاختراق الغربي في أن يتم.

وقد شهدت الجالية اليهودية ازديادًا في عددها ولذلك كانت هناك حاجة مُلحة لمدارس خاصة بهم حيث قام اثنان من اليهود بفتح مدرستين في القاهرة عام 1840؛ إحداهن للبنين والأخرى للبنات. وكانت تصرف لطلبة المدرسة من اليهود مصروفًا. وقد كان مسموح لغير اليهود الحضور إلى المدرسة على أن يتم التمييز بينهم وبين الطلبة اليهود في الملبس بحيث يضع الطالب اليهودي شارة على صدره عليها اسم المدرسة.

وقد كانت المدراس اليونانية موجودة في الأصل منذ مطلع القرن التاسع عشر كما أوضحنا في مقال سابق عن التعليم في أواخر القرن الثامن عشر. ولكن تواجدها كان على نطاق محدود. وقد أغُلقت بعض المدارس اليونانية في فترة ما، مما جعل الطلبة اليونانيين ينضمون للدراسة في مدارس محمد علي. وقد نشطت الجالية اليونانية بالإسكندرية وزادت، وتكونت الجالية ككيان في عام 1843، وكانت أكثر تنظيمًا من مثيلتها في القاهرة حيث اعتمدت المدرسة اليونانية بالقاهرة على أموال تبرعات الجالية. وبنمو الجالية بالإسكندرية، باتت الحاجة مُلحة لفتح مُستشفى ومدرسة بها، وقد أسهمت تبرعات اليونانيين وكذلك تبرعات كُبريات العائلات اليونانية السكندرية مثل عائلة زيزنيا وتوسيزا وغيرهم في فتح المستشفى والمدرسة وقد أصبحت الجالية السكندرية اليونانية مثالًا يُحتذى به لباقي الجاليات الأخرى.
وقد كانت المواد الدراسية مطابقة لمثيلاتها في مدارس اليونان، وقد استغرق الأمر عقودًا إلى أن بدأت المدرسة اليونانية بمصر في تقديم تعليم ملائم للبيئة المصرية.

أما بالنسبة للإرساليات التبشيرية الكاثوليكية، فقد أشرنا في مقال سابق عن محاولات رهبان الفرنسيسكان لوضع قدم لهم في مصر قبل تولي محمد علي ولاية مصر. وخلال العقود الأولى من حكم محمد علي، كان الاختراق وتأسيس أي جسم أجنبي تعليمي أو ديني أمرًا صعبًا جدًّا، ولم تُبذل جهود حقيقية إلا بعد انهيار مشروع الباشا بتوقيع معاهدة لندن أي بعد عام 1841، حينما تم فتح مدرسة للكاثوليك للبنات في عام 1845 حينما وسع Maison du Bon Pasteur دائرة نشاطهم لتضم مصر.
وبنهاية القرن التاسع عشر، أصبح في العالم مائة وأربعون ديرًا تابعين لإرساليات الـBon Pasteur منهم؛ سبعة في أفريقيا وخمسة في آسيا.
وقد انضم كذلك لتلك الإرساليات رجال الفرير واللعازريين (Lazarists).
وقد نشطوا جميعًا في فتح العديد من المدارس والأديرة والكنائس ودور للأيتام وبيوت للمسنين، وفي تقديم الخدمات الطبية في أربعينيات القرن التاسع عشر.

والسؤال هنا: إلى أي مدى استجاب المصريين لإدخال أولادهم في تلك المدارس؟
في الحقيقة إنه من الصعب الجزم بمعلومة مؤكدة حول تلك النقطة حيث لا يوجد دليل يؤكد إقبال المصريين على تلك المدارس في تلك الفترة وأغلب الظن أن إقبالهم كان فقط على المستوصفات الطبية التي قدمتها الراهبات. أما بالنسبة للتعليم، فلم يقبلوا عليه إلا في مرحل لاحقة.

لقد تعددت الإرساليات التبشيرية الإنجليزية والألمانية وغيرها منذ أربعينيات القرن التاسع عشر بجانب الإرساليات الفرنسية الكاثوليكية والتي كانت على رأسهم، وتلتها الإرساليات الإنجليزية ثم مدارس الجاليات الأوروبية التي كانت تعيش بمصر.

وكان هدف بعض الإرساليات عام لكل المصريين في حين ركزت إرساليات أخرى على جذب الأقباط؛ مما دفع بعض رجال الدين الأقباط لاتهامهم بمحاولة تبشير أتباعهم.

لقد كانت المدارس الفرنسية الكاثوليكية مدعومة من الجانب الفرنسي الرسمي من أجل السيطرة الثقافية والروحانية للكاثوليك ليس فقط في مصر بل في كل بلاد الشام. لقد كان ذلك الاختراق نتيجة لنظام الامتيازات المطبق في الدولة العثمانية، والذي من خلاله اعتبرت فرنسا نفسها حامية حقوق الكاثوليك في الشرق مستغلة الروابط التجارية والسياسية بين فرنسا ومحمد علي الذي تمتع بالتسامح الديني.

أما الإرساليات الإنجليزية فلم تكن مدعومة من الحكومة البريطانية ولا من الكنيسة مثل حال الإرساليات الكاثوليكية. ولم تكن مُهتمة بالأمور السياسية أوالتعليمية، بل انصب اهتمامها على النواحي الدينية وتطوير الكنيسة القبطية ولذلك اهتمامها لم ينصب على المواطنين من المسلمين، ورغم مجهوداتها إلا إن مساعيها قوبلت من جانب الأقباط بكثير من الحذر والريبة.

لم تحظ الإرساليات التبشيرية غير الكاثوليكية من إنجليزية وأمريكية وألمانية بالنجاح الذي حققه الكاثوليك، ويرجع ذلك لعدم وجود عناصر جذب خاصة بطريقة العبادة، فضلًا عن الاختلاف العرقي بين أهل الشمال وأهل الجنوب، فقد اعتُبر الإنجليز والألمان والأمريكان “وافدين جددا” على الشرق إذا قارناهم بالفرنسيين والإيطاليين الذين ربطهم تاريخ طويل من العلاقات المتبادلة والأرضية المشتركة بينهم وبين المواطنين الكاثوليك الشرقيين.

أما المدارس اليهودية فيبدو أنها كانت مُتأخرة. ولم تكن مواكبة لمستوى مدارس الإرساليات التبشيرية الأوروبية وجاء زيادة التأثير الأوروبى في مصر مواكبًا لزيادة التجارة الداخلية والخارجية التي كان لليهود نصيب عادل منها. وقد أدى نمو التجارة الأوروبية لزيادة ازدهار اليهود مما دفعهم لترك الأحياء اليهودية التي سكنوها كي يدمجوا أنفسهم بالجاليات الأوروبية وخاصة الإيطالية.
وكان أول من حاول تقليد الأوروبيين في العادات والتقاليد وطريقة اللبس هما اليهود والمسيحيون، وكان ذلك قبل المسلمين بفترة طويلة.
وقد استطاع كثير من اليهود الحصول على الحماية الأوروبية مما منحهم مزايا عديدة.

أرسل اليهود أطفالهم للمدارس الأوروبية وخصوصًا الفرنسية، واستطاعوا الحصول على التعليم الذي مهد لهم السبيل للتوظيف في البنوك، وبيوت المال التي فُتحت بعد ذلك.
وقد غضب بعضهم من تدني مستوى التعليم في المدارس اليهودية مما دفعهم إلى إدخال أولادهم المدارس الأوروبية، حيث اعتبر بعضهم هذا مُدمرًا للهوية اليهودية والدينية، حين غابت الرغبة العامة بينهم لإنشاء مدارس يهودية جيدة تضمهم، وفَضَل أغنياء اليهود قطع الروابط بينهم وبين الجالية اليهودية والاندماج في الجاليات الأوروبية الوافدة إلى مصر.

وهكذا شهدنا أنه مع انهيار مشروع محمد علي الذي انتهى بتوقيع معاهدة لندن في عام 1841، وما واكبه من انهيار للتعليم الذي أسسه الباشا، أصبحت الساحة مفتوحة للاختراق الأوروبي في مجالات عديدة على رأسها التعليم، وسوف نرى في المقالات التالية بإذن الله، كيف تطور هذا الاختراق في عهد من حكم مصر بعد محمد علي باشا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك