** تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى التعريف بوضع التعليم في مصر منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى الاحتلال البريطاني لمصر، معتمدة على المعلومات الواردة في كتاب: “An Introduction to the history of education in Modern Egypt”  للبروفيسور البريطاني J. Heywoth-Dunne

تنوع شكل التعليم في القرن الثامن عشر وما قبله حسب الشريحة الاجتماعية والدينية التي ينتمي إليها كل فرد في المجتمع، حيث لعب الكُتاب مثلًا دور أساسي في تعليم وتنشئة أطفال المسلمين وكذلك كان الحال بالنسبة لكتاتيب أطفال الأقباط واليهود والذي سنفرد له مقالًا منفصلًا. كما كان هناك تعليمًا خاصًا بالطبقة العسكرية في المجتمع والتي مثلتها شريحة المماليك كما سوف نرى.
وفي هذا المقال سوف نتناول التعليم في كتاتيب المسلمين والأزهر ومدى الاهتمام بالنواحي العلمية والأدبية في أواخر القرن الثامن عشر.

الكُتاب

اقتصر التعليم في القرن الثامن عشر على الأزهر والكُتاب الذي كان يحضر فيه الطفل الصغير بالعمامة والقفطان والمركوب، كي يختم القرآن حفظًا وتجويدًا، ولم ينصب الاهتمام على تدبر المعاني وفهمها بقدر ما كان الهدف هو الحفظ على يد “الفقيه” حيث كان يتطلب حفظ القرآن من التلميذ حوالي سنتين أو ثلاث سنوات. وكان الفقيه يلقي دروسه للتلاميذ في المسجد أو السبيل أو الحوض ويتلقى ملابسه سنويًّا من هيئة الأوقاف. وقد يُقَّدم الأهالي المُقتدرون للفقيه أيضًا مبلغًا شهريًّا نظير تعليم أولادهم.

ويساعد الفقيه معاون له يُعرف بالـ”عريف”. وفي العادة، كان العريف يُرقى لمرتبة الفقيه بعد موت أستاذه أو بأن يُعين فقيهًا في كُتاب آخر بعد أن يكون قد اكتسب المعرفة والخبرة.
أما عن مبادئ الحساب، فلم يكن الكُتاب يُعلمها للتلميذ بل يرسله والداه للقباني بالسوق ليتعلم قواعد الحساب والأوزان وغيرها.
ويذهب التلميذ للكُتاب ومعه اللوح حيث لم تكن نسخ القرآن متوفرة لانعدام الطباعة في ذلك العصر. وكانت الدراسة تبدأ من الفجر وحتى فترة الظهيرة وتكون العطلة يوم الجمعة وتتوقف الدراسة في شهر رمضان.

ويخضع الفقيه لرقابة القاضي. وكان الفقيه يُنظر له بقدر عالٍ من الاحترام والتبجيل لدى الجميع كونه حافظًا لكتاب الله.
وقبل أن يصبح الفقيه في مهنته، فقد يكون في الأول عريفًا أو طالبًا سابقًا في الأزهر أو حضر في رواق لبعض الشيوخ.

وقد يرغب بعض الأهالي في تعليم أولادهم تعليمًا خاصًا على يد الفقيه إذا تمكنوا من ذلك واقتدروا ماديًّا عليه. فيعلمهم الفقيه القرآن والخط والصلاة والوضوء.
وبعد أن ينتهي التلميذ من التعليم في الكُتاب باعتباره التعليم الأساسي، بعد أن يكون قد حفظ القرآن وتعلم الصلاة والأخلاق الحميدة كونها نواة المجتمع المسلم، يتوجه التلميذ إلى مجال العمل فإن كان ضمن طبقة المشايخ فهو يلتحق بالأزهر كي يصبح شيخًا كوالده.
وإن كان ينتمي لطبقة التجار أو الحرفيين، فهو يتوجه لنفس المهنة التي يعمل بها والده حيث يتدرب على أصول المهنة كي يتقنها.

وقد مَثل الجامع دورً مهمًا في نشر الأفكار والوعي بالأخبار وتوحيد الصفوف في عصر لم يكن يوجد فيه أي وسائل إعلامية للمعرفة.
وكان من حق المرأة الالتحاق بالكُتاب أيضًا، ولكنها كانت ميزة ندُر أن استخدمتها نساء ذلك الزمن.

الأزهر والمدارس الدينية


وقد كان لمن يريد تعليمًا أعلى من تعليم الكُتاب أن يلتحق بالمدارس الدينية الموجودة في بعض المدن الرئيسية كمدرسة الأزهر، للترقي في التعليم الديني أكثر بعد إتمام مرحلة الكُتاب، حيث كان بجانب الأزهر كمؤسسة لتعليم العلم الديني مدارس أخرى مُلحق بها مكتبات بناها أمراء المماليك لتخليد أسمائهم في الأغلب تدهور حالها وتحول كثير منها إلى زوايا أو تكية أو مساجد بسبب الإهمال أو توقف مصادر التمويل أو اغتصاب أموال الوقف المُخصص للصرف عليها أو بسبب تدهور أحوالها عمومًا بعد خضوع مصر تحت سيطرة الخلافة العثمانية وتحولها من دولة – دولة المماليك- إلى مجرد ولاية تابعة للخلافة العثمانية، وما تبع ذلك من نقل مركز الثقافة والتطوير إلى إسطنبول حيث أصبح عليها دفع جزية سنوية كان من الممكن الاستفادة منها لتحسين أحوال البلاد حيث مهد كل ذلك لتدهور حال تلك المدارس تدريجيًّا بخلاف الأزهر الذي نمى أكثر وأصبح قطبًا للتعليم الديني لعموم المسلمين.

وقد حدثت حالات زاوج بين بعض المشايخ من جهة، وبنات بعض عائلات المماليك من جهة أخرى. وكان لطبقة المشايخ تأثير وحظوة؛ مما جعل لهم وضعًا متميزًا يلجأ لهم العوام فيه للشكوى من ظلم واقع عليهم من طرف المماليك أو الأتراك الحاكمين إلا أنهم لم يحاولوا الدخول في دائرة السياسة.

كان الأزهر مركزًا تعليميًّا دينيًّا واسعًا يضم مختلف أهل مصر من كل مكان فضلًا عن أهل الشام والمغاربة والأتراك وغيرهم، وكان لكل منهم رواق خاص بهم وله شيخه ولم يحدث اختلاط أو تجانس كبير بين طلاب كل رواق وغيره.
فكان للشوام رواق، وللترك رواق، وللبغداديين رواق، وللمغاربة رواق، وللصعايدة رواق، وللشراوقة – نسبة إلى أهالي محافظة الشرقية-رواق. وقد اختلف حجم التمويل الذي يحصل عليه طلاب كل رواق حسب المبلغ الذي كان مخصصًا له. فرواق الطلبة الشوام والترك والمغاربة كان الأكثر تمويلًا حسب ما يخصصه الذين أوقفوا أموالهم عليه. وقد كان للمكفوفين أيضًا رواق خاص بهم.

ولم يكن كل المشايخ من المصريين حيث كان هناك مشايخ من الشام ومشايخ من الأتراك ومن تونس وطرابلس. وقد كان أغلب مشايخ الأروقة غير المصرية من غير المصريين. وقد وصل بعضهم لشهرة واسعة ليس فقط داخل مصر بل أيضًا خارجها. ونادرًا ما قلد المشايخ غير المصريين المصريين في طريقة الملبس أو الطريقة، بل عاشوا منفصلين كما كانوا يعيشون في البلاد التي أتوا منها وكونوا مجتمعًا لهم داخل المجتمع المصري.
والجدير بالذكر أن بعض المشايخ كان يعمل في حرف أخرى بجانب عمله بالأزهر.

يحضر الطلبة للأزهر بداية من سن البلوغ بعد إتمامهم حفظ كل أو جزء من القرآن. وكانوا يجلسون حول المُدرس على شكل حلقة ويطرحون عليه الأسئلة وحينما ينتهى الدرس يُقبِلون عليه، كي يُقَّبلوا يده كنوع من أنواع الاحترام والتقدير له.

العلوم الأدبية والعلمية


أما عن العلوم الأدبية، فلم تذكر المصادر التاريخية كثيرًا من الشعراء أو الأدباء أو المؤرخين في تلك الفترة (أواخر القرن الثامن عشر). بيد أنه كانت هناك محاولات لكتابة الشعر التاريخي إلا أن أفضل عمل تاريخي هو في الحقيقة ما قدمه عبد الرحمن حسن الجبرتي.

وقد حظيت “مقامات الحريري” بمكانة متميزة كأفضل الأعمال الأدبية المعروفة في مصر وكانت تُتلى في كبريات البيوتات في ذلك الزمن.

وقد كان هناك اهتمام في ذلك الزمن بالأدب الفارسي، خصوصًا للمتحدثين باللغة التركية أو من هؤلاء الذين اختلطوا بعائلات تركية.
إلا أن الشيخ حسن الجبرتي (والد المؤرخ عبد الرجمن الجبرتي) مثلًا كان يعرف الفارسية والتركية، ويبدو أن بعض تلاميذه قد تعلم التركية. وعلى الناحية الأخرى، قليل من مماليك تلك الفترة المُتمثلة في نهاية القرن الثامن عشر قد أبدوا اهتمامًا باللغة العربية.

أما عن الدراسات العلمية، فقد كان هناك اهتمام لدى البعض بعلوم كالهندسة والفلك والصيدلة والجغرافيا بحيث زاعت شهرة بعضهم خارج مصر وكان على رأس المهتمين بتلك النواحي العلمية الشيخ حسن الجبرتي ومعه مجموعة من ثلاثين عالمًا.

وكانت الصيدلة في مصر وقتها تعتبر تجارة أكثر منها علمًا، فهي جزء من مهنة الحلاق ورغم ذلك ظهر في تلك الفترة معلمان درسا الطب في بيماريستان المنصوري وهما: علي الجبريل والذي كتب أحد الأعمال المهمة في مجال الطب فضلًا عن كونه شاعرًا، والسيد الشريف قاسم التونسي.
ذكر الجبرتي أيضًا كتاب “فتح الملك المجيد لنفع العبيد” للشيخ عبد العباس الديربي 1738 الذي حظى بشهرة. وكتاب “مجيربات الديربي في الطب”.
لا يمكن إنكار أنه كان هناك كثير من الكتابات حول تلك المجالات العلمية، ولكن بتحليلها نجد أن أغلبها كان تعليقًا على أعمال أصلية لعلماء سابقين وليست عملية إبداع جديد.

في المقالة القادمة، سنتناول وضع التعليم لدى الشرائح الاجتماعية الأخرى في أواخر القرن الثامن عشر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك