545

تناولنا في المقال السابق أن الهدف النهائي الذي كان يسعى له محمد علي كان يتمحور حول بناء جيش مُنظم وقوي على النسق الأوروبي وكان ذلك يتطلب إدخال إصلاحات شاملة. فما هو شكل ذلك الجيش النظامي الحديث؟ ومن أي عنصر أراده محمد علي أن يتكون؟ وهل فكرة تجنيد المصريين كانت في فكر محمد علي في أول الأمر أم جاءت لاحقًا كحل أو بديل؟ وكيف كان سبيل تلك الإصلاحات في المجال العسكري؟ هذا ما ستحاول تلك المقالة أن تتناوله.

لقد توصل محمد علي لضرورة عدم الاعتماد على قواته الألبانية المشاكسة التي كثيرًا ما كانت تثور عليه بسبب تأخر مستحقاتها ورواتبها حتى وصل الأمر إلى التآمر عليه لقتله وذلك في عام 1815 وفكر أن أنسب طريقة للتخلص منهم تكون رويدًا رويدًا عبر إرسالهم في حروب شبه الجزيرة العربية ضد الوهابيين التي كانت بأمر من السلطان العثماني.

ولتكوين هيئة الجند في جيشه الجديد، لم يفكر محمد علي في بداية الأمر في تجنيد الفلاحيين المصريين ربما لحاجة القطاع الزراعي للقوى المنتجة، بل فكر في حملة على السودان لاصطياد أكبر عدد من السودانيين.
ولم يستغرق محمد علي وقتًا طويلًا ليدرك أن أبناء العبيد الذين تم استجلابهم في حملات سنار بالسودان لم يكونوا الاختيار الأمثل وذلك نظرًا لظروف الطقس المُختلفة التي سببت معدلا عال جدًا من الوفيات بين صفوفهم، حيث قرر الباشا استبدالهم بالمصريين كجنود وكان ذلك في عام 1822.
وقد قرر محمد علي مع ابنه إبراهيم باشا ومعاونيه شكل التكوين العرقي لجيشه الجديد حيث أصر محمد علي على ألا تتجاوز ترقيات المصريين، “أولاد العرب” على حد وصفه، رتبة البلوكباشي(قائد لـ25 جنديًّا)رغم أن التصميم الأصلي كان يُمكنهم من الارتقاء إلى رتبة ملازم بمباشي. أما هيئة الضباط فتكون فقط لـ”أبناء الترك” وليس المصريين.

وكانت إسنا بصعيد مصر هي نقطة الانطلاق الأولى في بداية التدريب العسكري الذي شرع محمد علي فيه حيث بدأ سليمان آغا(سليمان الفرنساوي) في عام 1820 بإسنا بتدريب حوالي ثلاثة إلى أربعة آلاف مملوكي كضباط في الجيش الجديد ثم تلتها أسوان وذلك في عام 1822. وللتوضيح، فهناك فروق حادة بين المماليك رغم أنهم جميعًا يعتبرون عبيدًا. فمنهم القادة الكبار الذين تم التخلص منهم في مذبحة القلعة الشهيرة ومنهم أتباعهم الذين التحقوا فيما بعد بخدمة الباشا، بالإضافة للعبيد البيض الآخرين الذين اشتراهم محمد علي بنفسه.

وقد تم التوسع أكثر في الصعيد فتم فتح معسكرات تدريبات عسكرية أخرى في فرشوط وإخميم وأبو التيج وكان المُشرفين على تنفيذ تلك التدريبات هم سليمان أغا (الكولونيل سيف بعد أن أعلن إسلامه)، وعثمان أفندي نور الدين (تركي)، وأحمد أفندي المهندس (تركي). وقد أُحبطت اقتراحات سليمان أغا بتبني شكل الجيش النابليوني (نسبة إلى نابليون بونابرت) لصالح شكل الإصلاحات التي قام بها السلطان سليم الثالث في أسطنبول لأنها مناسبة أكثر.

وقد تميزت تلك الفترة في ازدياد الاعتماد على خدمة الأجانب وخصوصًا الفرنسيين وأصبح هناك شبه منافسة بين الإيطاليين والفرنسيين، فضلًا عن عداوة الأتراك لكل الوافدين الأجانب مما نتج عنه تخبط في تنفيذ كثير من التغييرات.

وقد كانت هناك ضرورة مُلحة في توفير ضباط مؤهلين علميًّا من أجل الهدف الذي بنى حوله محمد علي جميع إصلاحاته والخاص بإنشاء جيش قوي ومُنظم فكانت هناك ضرورة لإنشاء مدارس عسكرية مختلفة وإرسال بعثات تعليمية لأوروبا.

وقد تم نقل مدرسة بولاق إلى القصر العينى في 1825 وتم تسميتها بـ”المدرسة الجهادية” وكانت خليطًا من الأتراك والشراكسة والجورجيين واليونان والأرمن والأكراد. وتم تدريسهم اللغة التركية والعربية والإيطالية بجانب الحساب والهندسة والرسم ولم يكن ضمن الطلاب أي من مصريين.
وفي الغالب كان هؤلاء الطلبة – والذين تراوحت أعمارهم بين الثانية عشر والسادسة عشر – من مماليك الباشا الذين اشتراهم  ليُكون منهم ضباطه ومسئوليه في الدولة.
وقد تم نقل المدرسة في عام 1836 إلى أبي زعبل. وكذلك تم إنشاء مدرسة أركان حرب حيث ضمت فقط الأتراك والمماليك القادمين من أسطنبول.

وبما أن المسعى كان يهدف إلى أن نكون قريبين من النموذج العسكري الأوروبي الذي يحتوي على فرقة عسكرية موسيقية، فقد تم فتح مدرستين موسيقيتين لهذا الغرض إحداهما في عام 1824 تحت إدارة حسن أغا والأخرى تحت إدارة عثمان أغا القادم من أسطنبول.
وكذلك كانت هناك محاولتان لفتح مدرستين موسيقتين إضافيتين في عامي 1827 و1834 ولكن ما لبثتا أن تم إغلاقهما. وقد انتقد كلوت بك وهارموت المدرسة الثالثة لأن الموسيقى العسكرية التي كان على الطلبة تعلمها كانت نسخة من تلك الموسيقى العسكرية الفرنسية بحيث افتقدت الروح والتعبير عن الهوية المصرية أو التركية.

كذلك تم فتح “مدرسة الفرسان” في عام 1830  وبعد ثلاث سنوات كان بالمدرسة نحو 220  طالبا تركيا ومملوكيا، وكذلك30  مصريا كعازفي بوق للموسيقى العسكرية. وكانت ملابس الطلبة نسخة من الزي الفرنسي عدا فقط الطربوش.
وقد تلقى الطلبة تعليم رفيع المستوى. وبجانب تمارين المُشاة وتَعلُم الإدارة العسكرية،  درس الطلبة اللغة التركية والعربية والفارسية والفرنسية.

في عام 1831، تم فتح مدرسة للمدفعية بطرة، وأطلق عليها اسم “مدرسة الطوبجية”. وكانت الشكوى وقتها أن كثيرا من الطلبة لا يُكملون دراساتهم ويلتحقون بالخدمة قبل إعدادهم الإعداد الكامل بسبب الحاجة لهم في حرب الشام. وكان المُعينين كضباط جميعهم من الأتراك والمماليك، ولكن كان هناك صف إضافي مكون من مائة مصري يدربون كمدفعيين.

كذلك تم فتح “مدرسة المُشاة” في عام 1832 في شمال القاهرة في الخانكة ثم انتقلت إلى دمياط ثم لأبى زعبل. وكانت المدرسة بدمياط مُكونة من أربعمائة طالب من الأتراك والمماليك، وتم تدريسهم الإدارة العسكرية والتمارين العسكرية واللغة التركية والعربية والفارسية.

كما تم فتح “المدرسة البحرية” في عام 1825 تحت إدارة حسن بك القبرصلي. وبعد تحطيم الأسطول المصري في معركة نافارين في عام 1827، قرر محمد علي إعادة بناء الأسطول على نطاق أوسع. وتقرر أن يكون مكان المدرسة في رأس التين بالإسكندرية وتم تأسيس الأسطول المصري الكبير والاستعانة بخبرات فرنسية. وقد كان الهدف هو استبدال الأوروبيين بأتراك إلا لو تحول الأوروبي إلى الديانة الإسلامية لأن المسلمين كانوا شديدي الحساسية في تلك النقطة.
وفي عام 1834، كان عدد المماليك في المدرسة البحرية حوالي مائة وستون طالبًا.

كما تم فتح “مدرسة الذخيرة الحربية” في عام 1833 وبعدها بعام تم فتح “مدرسة المعادن”.

وفي المقالات التالية سوف نتناول كيف كان مصير كثير من المدارس التي فتحها محمد علي بعد انهيار مشروعه بعد عام 1841 كما سنفرد مقالًا منفصلًا للبعثات التعليمية التي أرسلها محمد علي لأوروبا والتي كان للدراسات العسكرية نصيب كبير فيها.

أما في المقال التالي، فسوف نتناول المدارس التي غَلَبَت عليها الصبغة المدنية مع التأكيد أنه حتى تلك المدارس ذات الصبغة المدنية أُقيمت من أجل خدمة الجيش لأنه على سبيل المثال لا يمكن بناء جيش قوي دون وجود خدمة صحية عالية الجودة تجسدت في ضرورة تأسيس مدرسة للطب وهكذا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك