نشر معهد «بروكنجز» الأمريكي تقريرًا حول الاتفاق الخاص بـ«التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة»، والذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس الماضي في بيان ثلاثي مشترك. استطلع التقرير رأي خبراء المركز حول هذا الاتفاق؛ دلالاته وتداعياته.

في البداية يشير التقرير إلى أنه في 13 أغسطس (آب)، أبرمت إسرائيل والإمارات اتفاقًا دبلوماسيًّا مهمًا، وأُعلِن عن ذلك في بيان أمريكي إسرائيلي إماراتي مشترك. وأوضح البيان أنه في مقابل «التطبيع الكامل للعلاقات» بين البلدين ستتخلى إسرائيل، في الوقت الحالي، عن «إعلان السيادة» على الأراضي المُتنازَع عليها في الضفة الغربية. وفيما يلي ردود فعل الخبراء بمعهد بروكنجز في الشرق الأوسط بشأن هذا الإعلان وتداعياته.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
مترجم: إسرائيل هي الرابح الأكبر من الصفقة التاريخية مع الإمارات 

السياق هو أهم ما في اتفاق التطبيع

يقول ناتان ساكس، مدير مركز سياسات الشرق الأوسط: إن «التطبيع بين إسرائيل والإمارات شيء ممتاز في حد ذاته. ولقد حان الوقت لأن تكون العلاقات بين هاتين الدولتين منفتحة وطبيعية، لكن السياق الذي يجري فيه ذلك سيكون بالطبع أمرًا في غاية الأهمية: الخطة الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية، إلى جانب الخطوط التي ستحددها الولايات المتحدة وإسرائيل بعد إطلاق خطة إدارة ترامب»

إن الصفقة الإماراتية الإسرائيلية الأمريكية تتيح للجميع التسليم بالخطأ والرجوع خطوة إلى الوراء: 

يمكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجنب الوقوع في الخطأ الفادح المتمثل في ضم أجزاء من الضفة الغربية بينما يدَّعي أنه حقَّق هدفًا كبيرًا مقابل ذلك (وقد حقَّقه بالفعل!) ويمكن لدولة الإمارات أيضًا أن تدَّعي أنها نجحت في منع حدوث الضم، إذ حذَّر السفير الإماراتي يوسف العتيبة من الإقدام على خطوة مثل تلك في مقاله الذي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في افتتاحيتها (قال العتيبة: إن الضم الإسرائيلي قد يُشكِّل انتكاسة خطيرة لتوطيد العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية)، بسبب الجائزة الكبرى للتطبيع الدبلوماسي. كما يمكن لترامب أن يتجنب الضم الذي باركه بنفسه وكل التعقيدات التي كان من الممكن أن تنجم عنه، بينما يُظهر أنه حقَّق فوزًا كبيرًا لاثنين من حلفائه المقربين.

Embed from Getty Images

وبينما كان من الممكن تجنب الضم بسهولة من خلال اتخاذ قرار بشأن ذلك من جانب واشنطن أو تل أبيب، يمكن الآن لهذه الدول المضي قدمًا فيما أرادته منذ فترة طويلة: التعاون بين دولتين ذواتي تفكير متشابه واهتمامات إقليمية مشتركة.

والفلسطينيون هم الخاسرون كالعادة. إذ بدأ الخليجيون يتأففون الآن من الفلسطينيين بكل وضوح. ولن ينتظر الخليجيون أكثر من ذلك، ويطلبون من إسرائيل أن تتجنب الإدلاء بتصريحات عن تغيير كبير في الوضع الراهن. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كانت أية دولة أخرى، وخاصة السعودية، ستحذو حذو الإمارات وتُقْدِم على خطوة التطبيع مع إسرائيل. 

وعلى الرغم من ذلك، ينمو في الوقت الراهن معسكر الدول العربية التي تربطها بإسرائيل اتفاقيات سلام أو علاقة تطبيع حتى أن المعسكر بات يضم أربع دول: مصر (1977)، والأردن (1994)، ولبنان، التي وقَّع قادته الصُوريُّون معاهدة سلام لا معنى لها مع إسرائيل أثناء الغزو الإسرائيلي عام 1983. واتفاق التطبيع الأخير هذا ليس على نفس القدر من الأهمية مقارنةً بالاتفاقيتين الأوليين. ونأمل أن يكون له مغزىً أكبر من الاتفاقية الأخيرة، على حد قول الباحث.

هذا ما ربحه العاهل الأردني من الصفقة

ويضيف بروس ريدل، زميل أول في مركز سياسات الشرق الأوسط: يُعد العاهل الأردني الملك عبد الله رابحًا كبيرًا من هذه الصفقة؛ إذ كان ضم إسرائيل لغور الأردن يتطلب ردًا أردنيًّا قاسيًا. وكان الملك واضحًا في أنه لا يستبعد تعليق معاهدة السلام التي وقَّعها والده مع إسرائيل قبل 25 عامًا إذا ضمَّت إسرائيل غور الأردن. وطالبه كثير من الأردنيين بإلغاء صفقة الغاز مع إسرائيل التي تُكلِّف عمان أموالًا طائلة (عشرة مليارات دولار على مدى 15 عامًا) ليست متوفرة لديها. 

وبذلك يؤدي تعليق الضم إلى تفكيك قنبلة موقوتة كانت تهدد ملك الأردن. وضم دولة عربية أخرى (غنية جدَّا) إلى معسكر السلام، مع إقامة سفارة في تل أبيب، مفيد أيضًا للأردن؛ لأنه يخفف من العزلة بين عمان والقاهرة. وكان الملك يمتدح محمد بن زايد منذ شهور مضت.

مخرج إماراتي لإنقاذ نتنياهو

وتوقَّع جيفري فيلتمان، زميل زائر في منصب جون سي وايتهيد في الدبلوماسية الدولية في معهد بروكنجز، أن يفوز جو بايدن في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني القادمة، وربما يكون لدى نتنياهو أفكار بديلة حول ضم واسع النطاق لأراضي الضفة الغربية. ولكن حتى الضم صغير النطاق، على الرغم من رفضه دوليًّا، كان سيُرسِّخ المزيد من الحقائق الإسرائيلية على الأرض والتي يصعب إن لم يكن يستحيل عكس دفَّتِها. 

Embed from Getty Images

وعرض التطبيع الإماراتي يقدِّم لنتنياهو سلَّمًا يستطيع أن ينزل عليه من فوق شجرة تعهد بالضم. ويحتج النقاد بأن هذا التطبيع يقضي على التضامن العربي الذي ترمي إليه مبادرة السلام العربية لعام 2002. لكن الفاعلية المفترضة لمبادرة السلام العربية لم تُترجَم مطلقًا إلى مكاسب ملموسة للفلسطينيين. وتعليق الضم يمنع على الأقل تدهور الأوضاع على الأرض.

هدية من السماء لدونالد ترامب

وتلفت تمارا كوفمان ويتس، زميلة أولى في مركز سياسات الشرق الأوسط، إلى أنه: كان لكل من أبوظبي وتل أبيب أسبابهما الوجيهة لإيجاد سبيل لفتح المجال أمام العلاقات الرسمية، ولكن لا شك في أن هذا الإعلان عن التطبيع يُعد أيضًا هدية سماوية إلى دونالد ترامب في وقتٍ يترشح فيه للانتخابات الرئاسية مرة أخرى وفي يده قليل من الإنجازات الملموسة وعديد من الإخفاقات السياسية. 

ومع ذلك فلا ينبغي للبيت الأبيض أن يشعر بقدر كبير من الراحة لهذه النتيجة التي تحققت (التطبيع): من بين أمور أخرى، نجح نتنياهو ومحمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، في الاستعداد جيدًا لاحتمالية عدم نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة (واشنطن ما بعد ترامب). وأجَّلَ نتنياهو بعض خطوات (ضم أراضي في الضفة الغربية) قال المرشح الديمقراطي للرئاسة إنه يعارضها بشدة ويهدد ديمقراطيون آخرون في الكونجرس بأن تكون هناك عواقب إذا ما اتُّخِذت هذه الخطوات. 

واتخذ محمد بن زايد خطوة (التطبيع) لا يمكن إلا أن تحوز على المديح والاستحسان من أية إدارة أمريكية قادمة، وفي الوقت نفسه يُصوِّر للديمقراطيين الذين لا يتعاطفون مع الرياض أنه ينأى بأمته بعيدًا عن السعودية. ويبدو أن بيبي (نتنياهو) ومحمد بن زايد قد وضعا الرهانات على شهر نوفمبر (تشرين الثاني).

الخاسر الأكبر: الفلسطينيون

ولا شك أن الخاسر الأكبر في هذ الإعلان هم الفلسطينيون؛ الذين من المفترض أن يكونوا ممتنين لتجنُّب ضم أراضي الضفة الغربية بحكم القانون، والتي قد يقول كثيرون إنها كانت موجودة بالفعل منذ سنوات. وتضع أبوظبي، على غرار ما فعله أنور السادات عام 1978، مصالحها الوطنية فوق التضامن العربي مع القضية الفلسطينية. ويراهن الإماراتيون على أنه يمكنهم بسهولة تجاوز عاصفة ردود الفعل غير المرحِّبَة بخطوة التطبيع في العالم العربي، ولديهم أسباب أكثر بكثير مما كان لدى السادات لتحقيق ذلك، بحسب التقرير.

Embed from Getty Images

لقد تغيرت الديناميكية التي ظلت قائمة بين منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية لمدة طويلة. ومنذ نهاية الحرب الباردة وأزمة الخليج قبل 30 عامًا، أصبحت الحكومات العربية أقل اهتمامًا بتأثير إسرائيل على الاستقرار الإقليمي وأكثر تركيزًا على مشاكلها الداخلية وإيران. كما أصبحت السياسة الفلسطينية منقسمة، وزلَّت قدمها أيضًا في خضم العداء للقوة الإقليمية (إسرائيل) التي تستحوذ الآن على أبوظبي وعواصم عربية أخرى.

وعندما انطلقت مبادرة السلام العربية في عام 2002، وسط عنف الانتفاضة الفلسطينية الثانية وإعادة احتلال إسرائيل لمدن فلسطينية في الضفة الغربية، وضعت الحكومات العربية المجتمعة في العاصمة اللبنانية بيروت قوة عرض التطبيع مع الدول العربية في خدمة الفلسطينيين المحاصرين، بقيادة ياسر عرفات.

وإعلان اليوم يعزز من انعكاس الديناميكية؛ إذ يمكن الآن للإماراتيين الادَّعاء بأنهم أنقذوا فلسطين من الضم، في حين أن ما فعلوه حقًّا هو تعليق الضم (الذي كان معلقًا بالفعل على أية حال) كغطاء لسعيهم من أجل تحقيق مصالحهم الوطنية في العلاقات مع إسرائيل. وقد لا يتسنى للزعيم الفلسطيني محمود عباس فعل الكثير حيال هذه الخيانة للمصالح الفلسطينية، لكن الفلسطينيين سيتذكرون ذلك جيدًا.

دور إيران في تطبيع العلاقات بين الإمارات إسرائيل

وشددت سوزان مالوني، نائبة مدير برنامج السياسة الخارجية وزميلة أولى في مركز سياسات الشرق الأوسط، على أن «التقدم التاريخي في العلاقات بين الإمارات وإسرائيل لم يكن ليتحقق دون مساعدة (غير مباشرة أو مقصودة) من الجمهورية الإسلامية الإيرانية». والعلاقات الهادئة التي تطورت على مدى سنوات من التعاون البراجماتي بين المسؤولين الإسرائيليين والإماراتيين حول التهديدات التي تُشكِّلها طهران ساعدت في التغلب على واحدة من أكثر الانقسامات الدبلوماسية تعنُّتًا. 

وكان تعليق الحكومة الإسرائيلية للتهديد الفوري بالضم ثمنًا زهيدًا نسبيًّا يجب دفعه مقابل إضفاء الطابع الرسمي على شراكتها الأمنية مع دول الخليج، كما أن هذه الخطوة تضع كلا البلدين – وكذلك أولئك الذين قد يلْحَقون برَكْب الإمارات – معًا في موضع التزلف والمداهنة لإدارة ترامب، التي كانت في أمس الحاجة إلى بعض الإنجازات الدبلوماسية الملموسة، فضلًا عن إدارة بايدن المحتملة التي ستكون أكثر عداءً لاحتمالية الضم.

Embed from Getty Images

لقد استجابت طهران للإعلان بخطاب صارم بالفعل كما هو متوقع، وتأمل بلا شك في استغلال الدعم المتبقي للقضية الفلسطينية بين الرأي العام العربي من أجل تعزيز نفوذها الإقليمي. ولهذا السبب، سيرى البعض في الجمهورية الإسلامية هذا انتصارًا لمعارضة النظام الأيديولوجية الثابتة لإسرائيل، لا سيما أن خطوة اليوم سبقها ذوبان الجليد في نهج الإمارات تجاه طهران وتزامن ذلك مع زيارة وزير الخارجية الإيراني المظفرة إلى لبنان الممزق.

لكن على الرغم من كل التهديدات واللعنات التي ستُصب أثناء صلوات الجمعة في إيران (على رأس المشاركين في الاتفاق)، يكشف تطبيع إسرائيل الزاحف داخل العالم العربي عن الانفصال المتأصل بين طهران والمنطقة التي تسعى للسيطرة عليها. وحتى في الوقت الذي ينتظر فيه الإيرانيون بترقب احتمال انفراجة دبلوماسية في ظل إدارة بايدن الأكثر تعاطفًا، نجد أن العلاقات الجديدة البارزة بين الإمارات والإسرائيليين تعني أن البيئة الإستراتيجية والمالية ستظل صعبة بالنسبة لإيران بغض النظر عما سيحدث في نوفمبر.

«ليست دبلوماسية وليس سلامًا.. بل اتفاق مثير للسخرية»

ويتساءل شادي حميد، زميل أول في مركز سياسات الشرق الأوسط، قائلًا: مَنْ الذي يستطيع أن يجادل نظريًّا ضد السلام؟ لكن من حيث الممارسة والمبدأ، تُكافَأ إسرائيل على عدم القيام بشيء ما كان يجب أن تفكر في القيام به في المقام الأول؛ ضم أجزاء من الضفة الغربية. وهذه ليست دبلوماسية وليست سلامًا.

إنه أمر مثير للسخرية، ويوضِّح مرةً أخرى أن الأنظمة العربية الاستبدادية لا يزعجها التظاهر بأنها تهتم بحقوق الفلسطينيين. وبالنسبة للإمارات، إنها وسيلة لتحقيق غاية، ولهذا تضفي الطابع الرسمي على المشاعر الدافئة على نحو متزايد تجاه إسرائيل، وذلك بسبب عدواتهما المشتركة ضد إيران وتفضيلهما المشترك (والعجيب) للرئيس ترامب على الرئيس أوباما.

Embed from Getty Images

وتستحق كلمة «الاستبدادية» أن نلقي عليها مزيدًا من الضوء هنا؛ إذ يصعب تخيُّل أن دولة عربية يمكن أن تعقد صفقة سلام مع إسرائيل اليوم إذا كانت هذه الدولة ديمقراطية. وسواء كان ذلك ضربة ضد الديمقراطية أو لصالحها، فهذا سؤال آخر. وبالطبع ليس من قبيل المصادفة أن إسرائيل، إحدى الديمقراطيات القليلة في المنطقة، تُفضِّل ألا يكون جيرانها العرب ديمقراطيين، والاتفاق مع الإمارات العربية المتحدة عبارة عن تذكير بالسبب وراء ذلك.

مكافأة إسرائيل على تأجيل انتهاكها للقانون الدولي

وفي ختام التقرير، ينوِّه سلام فياض، الزميل المتميز في برنامج فورين بوليسي، إلى أن هذا الإعلان: دليل آخر على الأوقات العصيبة التي نمر بها. لم يكن القادة العرب يعرفون، عندما تبنوا مبادرة السلام العربية قبل 18 عامًا تقريبًا، أن التطبيع من أجل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة سيتحول إلى تطبيع لمجرد تعليق – بمعنى: التأجيل إلى وقت أكثر ملاءمة – لمزيد من الضم الرسمي لأراضي الضفة الغربية. وحصدت إسرائيل جائزة ضخمة لمجرد امتناعها مؤقتًا عن ارتكاب انتهاك فاضح آخر في حق القانون الدولي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد