سلَّط موقع «ذا كولليكتور» الأمريكي، الذي يهتم بالتاريخ القديم والفن والفنانين، الضوء على مدينة الإسكندرية القديمة، موضحًا أنها كانت تتمتع بقوة فكرية هائلة. وقد جُمِعت العلوم اليونانية والمصرية والرومانية معًا في هذه المدينة عبر مشروع فريد لتصنيف جميع معارف العالم وتنقيتها وصقلها.

يأتي ذلك في مقالٍ للكاتبة والمحررة أليس بينيت، الحاصلة على درجة البكالوريوس في التاريخ القديم ودرجة الماجستير في الدراسات القديمة من جامعة أكسفورد، والتي بدأت مقالها بالإشارة إلى أن تأسيس مدينة الإسكندرية القديمة كان بمثابة أحد أكثر الموروثات الباقية التي خلَّفها الإسكندر الأكبر. وكان تأسيس هذه المدينة بمثابة ضربة إستراتيجية سديدة، إذ اختار الإسكندر الأكبر للمدينة موقعًا رائعًا بين بحيرة مريوط وبحر إيجه، مما أدَّى إلى إنشاء ميناء طبيعي هائل للتجارة والدفاع.

وبعد وفاة الإسكندر الأكبر، أضحت مصر اليونانية لاعبًا دوليًّا ثريًّا وقويًّا، تحت حكم خليفته بطليموس الأول. وبينما كان نجم أثينا في طريقه إلى الأُفول، برزت مدينة الإسكندرية القديمة لتصبح العاصمة الفكرية للعالم القديم، وظلت كذلك لا يضاهيها شيء حتى القرون الوسطى.

وفيما يلي 10 أسباب توضح لماذا كانت الإسكندرية القديمة مركزًا ضخمًا للعلوم.

1- الإسكندرية القديمة.. مشروع أرسطو

توضح الكاتبة أنه منذ نشأة الإسكندرية، كانت المدينة مشبَّعة بروح الفضول. وقد تلقَّى بطليموس الأول، الذي حكم الإسكندرية القديمة في القرن الثالث قبل الميلاد، تعليمه على يد أرسطو الفيلسوف الكبير، وتمثَّلت مهمة أرسطو طوال حياته في جمع المعارف البشرية كافة وتعليمها للأجيال القادمة. ولهذا، أسس أرسطو مدرسة ليسيوم في أثينا، والتي كانت جامعة حقيقية بالمعنى الحديث.

وفي مدرسة ليسيوم، بنى أرسطو مكتبة خاصة كبيرة ومتحفًا، وقد أرسل إليه الإسكندر الأكبر كثيرًا من مكوِّناتها. ولكن لأن أثينا كانت قوة متداعية، جذب خلفاء الإسكندر العقول العظيمة إلى الإسكندرية. وبدأ بطليموس في مشروع أرسطووي؛ جمع المقتنيات والكتب.

وأصبح هذا النموذج الفكري عُرفًا سائدًا لدى سلالة البطالمة، وتعلم بطليموس الثاني على يد أحد خلفاء أرسطو، الفيلسوف ستراتو من مدينة لامبساكوس.

كانت فلسفة أرسطو مبنية على الملاحظة وجمع البيانات والتفكير المنطقي. وكانت ثقافة التعلم في الإسكندرية بعيدة جدًّا عن التأمل الفلسفي المجرد، ولذلك نشأت ثقافة الدراسة التجريبية الصارمة على نطاق واسع لأول مرة في الإسكندرية.

2- مكتبة الإسكندرية الكبرى

تلفت الكاتبة إلى أن مشروع بطليموس بدأ في صورة محاولة لإنشاء مكتبة عظيمة. وقد استدعى بطليموس تلميذ أرسطو الذي يُدعى ديميتريوس من منطقة فاليرون لبدء مشروع لا مثيل له. وعلى عكس أرسطو، كان بطليموس على رأس دولة غنية. ولهذا، أعطى ديمتريوس مبلغًا كبيرًا من المال وأمره بإيجاد كل الكتب في العالم.

Embed from Getty Images

ومشى جميع خلفاء بطليموس على خطاه، وأرسلوا العلماء إلى جميع أرجاء المعمورة لنسخ النصوص ونقلها على نفقة الدولة. وبالإضافة إلى الأعمال العظيمة في العصور اليونانية القديمة، نُقِلت الكتب أيضًا إلى الإسكندرية.

وبموجب القانون، كان لزامًا على أي سفينة تدخل إلى ميناء الإسكندرية الضخم أن تُسلِّم الكتب التي تحملها، ومن ثم تنُسَخ هذه الكتب وتُرَد نسخة منها إلى صاحبها وهناك جدل بشأن عدد الكتب التي جُمِعت، لكن التقدير النموذجي يشير إلى نصف مليون كتاب.

3- التجارة والتنوع في الإسكندرية

تنوه الكاتبة إلى أن جزءًا من نجاح مشروع المكتبة يرجع إلى أن الإسكندرية القديمة كانت بمثابة بوتقة انصهار لثقافات مختلفة، إذ كانت غالبية السكان منذ تأسيس المدينة تنتمي إلى ثلاث ثقافات متباينة، ولكنها على قدر كبير من التعليم. لقد كانت هناك شعوب ناطقة باليونانية التي جاءت مع بطليموس، والسكان المصريون الأصليون، وشتات يهودي ضخم انتقل إلى الإسكندرية بعد احتلال القدس.

وكانت هذه الثقافات الثلاث تتمتع بثروة تعليمية وتاريخ كبير في الكتابة والتدوين. وتشكَّلت المجموعة الرئيسة للمكتبة في الغالب من اليونانية، إلى جانب عدد كبير من النصوص المصرية، والترجمات اليونانية للكتابات العبرية وهناك نص مشابه جدًّا منقوش على حجر رشيد الشهير، والذي يشير إلى مترجمين يعملون بلغات متعددة.

وظلت الإسكندرية مركزًا متعدد الثقافات نابضًا بالحياة في العصر الروماني، وأصبح ميناؤها الضخم مركزًا تجاريًّا مهمًا، وكانت مصر سلة خبز للعالم من العصر البطلمي حتى سقوط روما، وبالإضافة إلى الحبوب، صدَّرت الإسكندرية الكتب، مما جذب إليها كثيرًا من الباحثين عن المعرفة المفقودة من جميع أنحاء الأرض.

4- متحف الإسكندرية القديم

أفادت الكاتبة أن المخطوطات لم تكن الهَمَّ الوحيد للبطالمة، لقد أرادوا إبقاء العلماء العظماء معهم أيضًا، وكانت المكتبة نفسها جزءًا من مجمع أكبر، يُعرف باسم متحف الإسكندرية القديم، والذي كان يضطلع بدور أكبر من أن يضم مجموعة مثيرة للاهتمام من القطع الأثرية فحسب.

كان المتحف يتألف من قاعة طعام مشتركة ومنطقة دراسة مع ممرات ذات أعمدة، ومكث العلماء والمفكرون الموهوبون في هذا المتحف لدراسة الرياضيات وعلم الفلك والجغرافيا والأدب، وإلى حدٍّ ما، شجَّعت الدولة البطلمية الفكر الحر والتحقيق الفكري.

Embed from Getty Images

ومقتنيات المتحف غير معروفة على وجه التحديد، على الرغم من أننا نعلم أن البطالمة كان لديهم حديقة حيوانات ممتازة. وربما كان يحتوي المتحف أيضًا على قطع أثرية غريبة من جميع أنحاء العالم، تمامًا مثل مقتنيات أرسطو. وكان هناك عدد ضخم من المفكرين القدامى العظماء الذين عملوا في الإسكندرية، ولا نبالغ إن قلنا إن ثروة بطليموس قد أوجدت أعظم مركز فكري على وجه الأرض.

5- إطلاق العنان للطب

أوضحت الكاتبة أن الطب القديم بلغ ذروته في عهد ملوك مصر البطالمة، وكان الأطباء اليونانيون في الفترة الكلاسيكية قد قطعوا شوطًا في دراسة علم التشريح، لكنهم أمضوا وقتًا أطول في ابتكار نماذج نظرية شاملة لعمل جسم الإنسان ولكن المصريين تمتعوا بفهم أفضل بكثير للتشريح العملي بسبب تاريخ طويل من التحنيط.

وكان الدين القديم عائقًا كبيرًا أمام التقدم الطبي في العالم القديم. وكان تشريح الجسم أحد المحظورات الدينية عبر العالم اليوناني والروماني، لكن البطالمة كانوا مهتمين بالعلوم الطبية أكثر من اهتمامهم بالنقاء الديني. ولذا، قدَّموا السجناء للعلماء الناشئين ليمارسوا عليهم علم تشريح الأحياء.

وعلى الرغم من قسوة ذلك، قطع العلماء الإسكندريون خطوات كبيرة في المعرفة الطبية بسبب هذه الممارسة. وكتب الطبيبان الشهيران هيروفيلوس وإيراسيستراتوس على وجه الخصوص نصوصًا مهمة توارثتها أجيال، وقد تمكنوا من وصف الجهاز العصبي الحركي والحسي، ومعظم الأعضاء، والدماغ، والعصب البصري لأول مرة. كما أسهموا في فهم عمل القلب والدورة الدموية.

6- الرياضيات والانتصارات الهندسية

ألمحت الكاتبة أن التركيز على الاستخدام العملي للرياضيات لم يكن واضحًا دائمًا لأناس ما قبل الحداثة حتى في العالم القديم المثقف، ولم يكن واضحًا أيضًا في الإسكندرية، ولكن الروح التنافسية للدول اليونانية الهلنستية أدَّت إلى سلسلة من الأعاجيب المعمارية، والتي غذَّتها قفزات كبيرة في الرياضيات والهندسة.

وكان أشهر علماء الرياضيات في الإسكندرية القديمة هو إقليدس اللامع، ولا يزال كتابه المدرسي الرائد في الرياضيات مستخدمًا حتى يومنا هذا. وكان أرخميدس أعظم مهندس على الإطلاق، وبالإضافة إلى كونه مطورًا مبكرًا لحساب التفاضل والتكامل، كان أرخميدس منخرطًا في الوضع السياسي المعقد في عصره. وسعى لإيجاد طريقة لتحريك المياه صعودًا، وإنشاء رافعات مبكرة تعمل بنظام البكرات، ويبدو أنه استخدم معرفته بالرياضيات لإنشاء شكل مبكر من آلية عمل الساعة.

Embed from Getty Images

وكان المشروع الأكثر إثارة للإعجاب الذي غذَّته المعرفة الرياضية هو منارة الإسكندرية؛ واحدة من عجائب الدنيا السبع. وقد بنى المنارة المهندس المعماري الشهير سوستراتوس من كنيدوس، بمساعدة جيش من علماء الرياضيات في الإسكندرية. وبُنيت المنارة على جزيرة فاروس لحماية القوارب من الشعاب المرجانية في الإسكندرية، ويُعتقد أن ارتفاع المنارة يبلغ 400 قدم، ويوجد على قمتها قرص نحاسي ضخم يعكس الضوء إلى البحر.

7- الموسيقى والآلات في الإسكندرية القديمة

تضيف الكاتبة أن الشرارة الكبيرة الأخرى التي عززت تطور الفيزياء، على وجه الخصوص، كانت استخدام الأجهزة الميكانيكية لتغذية المشروعات الإبداعية مثل الاحتفالات والمسرحيات. وكان البطالمة مغرمين للغاية بالآلات، ويبدو أن هذا الاتجاه استمر في العصر الروماني.

وكان هيرو السكندري أقل شهرة من سلفه أرخميدس، ولكنه صاحب إنجازات مذهلة، وكان اهتمامه الرئيس منصبًا على الهيدروليكا (علم حركة السوائل)، وصنع هيرو السكندري آلاتٍ تعمل بالماء، واستُخدِم كثير من أعماله لإنشاء عروض مسرحية للترفيه عن الأثرياء العظماء في الإسكندرية القديمة.

وصنع هيرو السكندري أبوابًا أوتوماتيكية للمعابد، ونافورات تغني باستخدام الهواء المضغوط والماء وغير ذلك. وكان مفتونًا بالفيزياء والحركة، وكان أعظم اختراعه ذلك الشكل المبكر للمحرك البخاري، ويبدو أن أهميته قد تجاوزت القدماء.

8- رسم خرائط للنجوم في المرصد

أضافت الكاتبة أن متحف الإسكندرية العظيم كان يحتوي على مرصد فلكي خاص به، وأشهر مَنْ عمل في هذا المرصد كان عالم الفلك اللامع بطليموس، الذي عمل في المتحف خلال الفترة الرومانية (القرن الثاني الميلادي). وكانت إنجازات بطليموس عظيمة، فقد وضع فهرسًا للنجوم وتوصَّل إلى اكتشافات رياضية رائعة.

وتحققت إنجازات علماء الفلك في الإسكندرية باستخدام التطورات في المعدات التي جرى تطويرها في المرصد على مدى مئات السنين، ولم تكن هناك تلسكوبات في العالم القديم، ولكن جرى تطوير سلسلة متعاقبة من الأسطرلاب، والديوبترا، والأشكال الكروية (نماذج على شكل الكرة الأرضية للسماء) لإنتاج نماذج رصد دقيقة للنجوم.

9- فترة الفلاسفة

أردفت الكاتبة أنه قبيل نهاية العصور القديمة، وصلت آخر موجة من التألق إلى شطآن الإسكندرية. وخلال منافستها مع أثينا، أخذت الإسكندرية بزمام المبادرة تحت حكم الرومان باعتبارها آخر مركز عظيم للتعليم الفلسفي.

Embed from Getty Images

وخلال القرن الرابع الميلادي، أصبح المزاج العالمي أكثر تدينًا، وبدأ التعليم في الإسكندرية يعكس ذلك. وفي أواخر العصر الروماني، اتَّبع أفلاطون وفيثاغورس هذا النهج، وجاء كثيرون إلى الإسكندرية للدراسة في هذه التقاليد الفلسفية. وكان لدى الأفلاطونية الحديثة ومدرسة الفلسفة الهلنستية (نيوبيثاجورينيزم) ميول صوفية وفهم رياضي شبه ديني للكون. وكان الاتجاه الجديد لمزيد من الفلسفة الدينية شائعًا شيوعًا كبيرًا في الإسكندرية، وذلك بسبب تأثره بقرون من الديانات المصرية.

ويُعتقد أن رؤساء المدرسة الأفلاطونية الحديثة في الإسكندرية كانوا جزءًا من «الخيط الذهبي» من الحكماء الخارقين، الذين نقلوا التعليم الفلسفي إلى تلاميذهم. واستمر نور الفلسفة اليونانية في الإسكندرية حتى القرن السابع.

10- صعود اللاهوتيين

تقول الكاتبة إن مزيج الثقافات وروح الجدل النشط الذي ميز المدينة القديمة أخذ منعطفًا أكثر قتامة في العصور القديمة اللاحقة، مع صعود الكنيسة الكاثوليكية، وكانت مصر أرضًا خصبة للدين الجديد.

والأديان في مصر ضاربة بجذور عميقة، وقدَّم بعضها نقطة انطلاق مثيرة لاهتمام المفكرين المسيحيين الأوائل، حيث وَرِثوا الممارسات التأملية والميول التقشفية للديانة المصرية، وأنجبت الصحراء المصرية بعضًا من أعظم الشخصيات الرهبانية في التاريخ، مثل القديس أنطونيوس وسانت باخوميوس.

وتصوِّر حياة القديسين المصريين الأوائل فلاسفة وثنيين يتجادلون في الشوارع مع الرهبان المسيحيين. وعادةً ما يوضح القديسون للجمهور أن الفلسفة ليست سوى كلام طنَّان وسفسطة. وكان هذا المناخ الخطير المعادي للفكر تطورًا مقلقًا أدَّى إلى صراع هائل في مدينة الإسكندرية القديمة على وجه الخصوص. وبلغ هذا الصراع ذروته بعد مقتل هيباتيا السكندرية، الفيلسوفة وعالمة الرياضيات العظيمة.

وبعيدًا عن المسلَّحين، استفاد الجانب اللطيف من المسيحية استفادة كبيرة من التعليم السكندري. ووُلد بعض أعظم مفكري المسيحية في وسط الإسكندرية. وأصبح كتاب عظماء مثل أوريجانوس وسانت كليمنت من آباء الكنيسة المحترمين. وتطور الحماس السكندري المتأخر لأفلاطون جنبًا إلى جنب مع الفلسفة المسيحية، مما أثَّر عليها تأثيرًا كبيرًا.

نهاية الإسكندرية القديمة

تختتم الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أنه في عام 641، سقطت الإسكندرية في أيدي الفاتحين العرب. وكان سكانها الأساسيون مخلصين جدًّا لديانتهم المسيحية، وظل المسيحيون الأقباط تحت الحكم الإسلامي، وما زالوا يشكلون مجموعة مهمة في مصر اليوم. وتحوَّل مركز التعليم العالمي تحولًا كبيرًا مع صعود الإمبراطوريات الإسلامية، وصارت مدينة دمشق الجميلة مدينة النور، ومن ثم مدينة بغداد فيما بعد.

Embed from Getty Images

وفي نهاية المطاف، ابتلع المحيط مدينة الإسكندرية القديمة العظيمة. واحترقت المكتبة العظيمة في تاريخ غير معروف ولا يزال محل نقاش حاد بين العلماء. ودُمِّرت المنارة وعجائب الإسكندرية الأخرى بسبب الحرب والانحلال أو دُفِنت تحت الرمال. ومع ذلك، سوف يستمر تأثير الإسكندرية. وكانت النصوص التي أنتجتها الإسكندرية القديمة بمثابة الدافع لعصر النهضة والعصر الذهبي الإسلامي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد