تستعرض المُعلِقة السياسية ومحللة الشئون العراقية لارا فتاح في مقالها بموقع «ميدل إيست آي» التفاصيل المؤلمة لواحدةٍ من أبشع عمليات الإبادة الجماعية على الإطلاق، والمعروفة باسم «الأنفال». تعرض شهادات الأكراد الناجين منها، وطرقهم في التأقلم مع حدثٍ مروعٍ لا يُنسى، وكفاحِهم من أجل الاعتراف الدولي بمآساتِهم. وإليكم نص المقال:

كانت تابان شوريش في الرابعة فقط من عمرِها عندما داهم ضباط استخبارات عراقيون منزل جدتها بمدينة أربيل بالعراق، واصطحبوا والدتها من أجل استجوابها. ثم أخذوها هي وجديها إلى السجن. بالكاد تتذكر تابان رائحة السجن الكريهة، الذي احتُجِزت فيه برفقة عائلاتٍ أخرى وأطفالهِم الصغار.

وتقول لموقع «ميدل إيست آي»: «عندما تحتفظ بذكرى السجن الذي احتُجِزت فيه طفلًا، ويومِض عقلك بما لا يجب أن يختبره أي طفل، بتجربة موتٍ وشيك، عندها تتوقف كل عام وتسأل نفسك: هل حدث ذلك لنا فعلًا؟».

الأكراد وخذلان الحلفاء.. أن تُلدغ من نفس الجحر 100 مرة

اعترافٌ دولي

مر 31 عامًا على ذلك اليوم المشؤوم، وما زالت هذه الفصول المظلمة في التاريخ الكُردي المعاصر تلاحق الناجين من جميع الأعمار. تلك الحملة التي شنتها الحكومة البعثية برئاسة صدام حسين لإبادة السكان الأكراد -والمعروفة بـ«الأنفال»- لم يُعترف بها حتى الآن على المستوى العالمي باعتبارها عملية إبادة جماعية.

وفي تصريحٍ لها لموقع «ميدل إيست آي»، قالت بيان سامي عبد الرحمن، ممثلة حكومة إقليم كُردستان لدى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي لعبت دورًا هامًا للحصول على اعترافٍ عالمي بعملية الإبادة هذه، إنَّ «الحديث عن هذه الإبادة الجماعية والدعوة إلى الاعتراف بها هو أمرٌ صعب، أولًا لأنَّ المجال العام في وقتنا مليء بأزماتٍ عدة وقصصٍ إخبارية مهمة، لذا من الصعب أن تُعقد جلسات استماع ملائمة لوقائع حدثت منذ 30 أو 40 عامًا».

يتوق الأكراد إلى الحصول على اعترافٍ عالمي وعملية مصالحة، مثلهم في ذلك كمثلِ المجتمعات المحلية الأخرى التي نجت من الإبادة الجماعية، لكن السياسة أضافت تعقيدًا لهذه القضية، فالحرب دائرة منذ عام 2003، حسبما ذكرت بيان.

Embed from Getty Images

واستكملت حديثها قائلةً: «يترتب على الاعتراف بالإبادة الجماعية نتائج فعلية فيما يخص تحقيق العدالة وتقديم تعويضات للضحايا والتبعات المالية. وبما أنَّ كثيرًا من الشركات التي تمد أنظمة مثل نظام صدام حسين بالأسلحة والكيماويات هي شركاتٍ غربية بالأساس، فقد تكون لهذا الاعتراف عواقب خارج نطاق العراق».

الرابع عشر من أبريل (نيسان) هو اليوم الرسمي لإحياء ذكرى الضحايا في شتى أنحاء المناطق الكُردية، لكن بالنسبة لكثيرين هذا ليس كافيًا، فوفقًا لهم، يجب أن تُدرج هذه الحملة في المناهج الدراسية في العراق. وهذا ما تنتقده تابان قائلةً: «نعم لدينا يومٌ لإحياء ذكرى الضحايا، أما بالنسبة لي، فأنا أتذكر كل من لم ينجُ من هذه الحملة، أتذكر الآلاف منهم، من عُذِبوا وقتلوا ودُفِنوا أحياءً، لكن لماذا لا يُدَرس هذا في المدارس؟».

كانت عملية الأنفال ثمرة سياسة طويلة الأمد في العراق لتعريب مناطق يُشار إليها الآن بالأقاليم «المُتنازع عليها». تتوزع هذه المناطق على شريطٍ من المناطق الغنية بالنفط، يقع على الحدود بين العراق العربية والعراق الكُردية.

بدأت عمليات التعريب بجدية في فترة الستينيات في عهد نظام البعث الحاكم، الذي نقل المزارعين الأكراد من أراضيهم بشكلٍ ممنهج، وأعاد توطين قبائل البدو السُنية في أماكنهم. دُمِرت آلاف القرى الكُردية، واستمرت سياسة التهجير القسري حتى سقوط نظام صدام حسين.

غنائم الحرب

في عام 1988 وبعد تخطيطٍ دقيق، وكَّل صدام إلى ابن عمه علي حسن المجيد، الذي شغل منصب الأمين العام لحزب البعث في منطقة الشمال، تنفيذ برنامج تدميرٍ منهجي للمناطق الكُردية في العراق. سُميت هذه الحملة بـ«الأنفال»، تيمنًا بالسورة الثامنة في القرآن الكريم التي تحمل الاسم نفسه.

Embed from Getty Images

كان الأكراد في نظر هذه الحملة كما كان اليزيديون في نظر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، غنائم حرب مشروعة.

وما زال العدد الفعلي لمن هلكوا خلال هذه الأشهر الثمانية المُدمِرة في الفترة بين فبراير (شباط) وسبتمبر (أيلول) 1988 غير معروف، لكنَّ الأرقام التي يكثُر الاستشهاد بها تتراوح بين 100 ألف إلى 180 ألف ضحية. ولا تستوي هذه الحملة في نظر البعض مع الإبادات الجماعية، إلا أنَّ العراق نفسها اعترفت بها باعتبارها حملة إبادة جماعية عام 2007، وأدانت مجيد وجماعته بتهمة ارتكاب إبادة جماعية ضد الأكراد، أما صدام فقد أُعدِم شنقًا لارتكابه جرائم أخرى، وكان ذلك قبل انتهاء محاكمته بتهمة الإبادة الجماعية.

وهذا الخلاف حول الاعتراف بالحملة بوصفها إبادةٍ جماعية، إلى جانب غياب الاعتراف العالمي بها، يُعقِّد وضع الناجين. وبالرغم من التحديات التي واجهتها الحكومة الإقليمية الكردية، إلا إنَّها حققت قدرًا من النجاح، فقد اعترفت أربعة مجالس نيابية بالحملة، وهي النرويج والسويد والمملكة المتحدة البريطانية وكوريا الجنوبية، لكن يظل العدد الكلي أربعة مجالس فقط بخلاف العراق.

تمكنت تابان من الفرار من السجن خلال حملة الأنفال، وتقول إنَّ هذه التجربة شكلت شخصيتها. وهي تبلغ من العمر الآن 36 عامًا، وأسست منظمة «زهرة اللوتس» غير الربحية.

وتستكمل حديثها قائلةً: «شكلت تجربتي الشخصية في النجاة من الإبادة الجماعية كل ما أقوم به من أعمال، فقد أسست منظمة «زهرة اللوتس» لأقدم الدعم للفتيات والنساء المتضررات من النزاعات والتشريد بعد هجوم داعش على منطقة كردستان في العراق. ما زلتُ عاجزة عن تصديق أنَّني في خلال حياتي نجوتُ من إبادةٍ جماعية وشهدتُ أخرى، كل ذلك وأنا ما زِلتُ في أوائل الثلاثينات».

وأضافت: «كثيرُ ممن أتحدث إليهم وأروي لهم قصتي لا يعرفون أنَّه في وقتٍ ما حدثت حملة الأنفال، وهذا يبعث على الحزن، وباعتباري إحدى الناجيات أشعر بالخذلان، خاصة من المنظمات الدولية والمجتمع الدولي».

بعثة تقصي الحقائق

من دواعي الأسف ألا تلقى هذه القضية مزيدًا من الوعي، لكن لا غرابة في ذلك، فقد وقعت هذه الأحداث على خلفية الحرب الإيرانية العراقية، التي مكنت الحكومة العراقية لسنواتٍ طويلة من إلصاق التهمة بإيران في جرائمها الأكثر وحشية، مثل هجومها الكيميائي على مدينة حلبجة.

Embed from Getty Images

وعليه، لم ترَ سوى حكوماتٍ غربية قليلة أي ميزةٍ في الاعتراف بأنَّ صدام، الذي كان حليفها آنذاك، كان يذبح الآلاف من المدنيين ويهدم قراهم بالكامل. وقد جسد مجيد بنفسه هذه الحقيقة عندما قال: «من الذي سيجرؤ على الحديث؟ المجتمع الدولي؟ فليذهب إلى الجحيم».

نجا شورش حاج، الذي كان ينتمى إلى قوات البيشمركة آنذاك، من هجومٍ كيميائي في أولى مراحل حملة الأنفال، ولاحقًا كان واحدًا من الموثقين الأوائل لمدى فداحة هذه الحملة.

وقال في تصريحٍ أدلى به لموقع «ميدل إيست آي»: «كنتُ على درايةٍ بالأبعاد الحقيقية للحملة، لكن بمجرد وصولنا إلى مخيمات اللاجئين الآمنة في إيران، كنتُ مندهشًا للغاية من أنَّ الاستجابة العالمية أو الغربية للحدث كانت ضئيلة إن لم تكن منعدِمة».

يتذكر حاج ذلك الوقت فيقول: «سألتُ صديقًا عن سبب ذلك، فقال لي لأنَّنا بحاجة إلى إمدادهم بالحقائق والأرقام والبراهين. لذا شرعتُ في جمع المعلومات من ناجين آخرين في تلك المخيمات. جمعتُ أسماء 3800 قرية دُمِّرت في الحملة، إلى جانب أسماء 32 ألف شخص ممن لقوا حتفهم في تلك المرحلة خنقًا بالغاز».

التصالح مع الأكراد.. مسألة شائكة

نُشِرت أعمال حاج باللغة العربية عن طريق واحدٍ من أهم حزبين سياسيين كرديين، وهو الاتحاد الوطني الكُردستاني، واسترعت هذه الأعمال انتباه منظمة «هيومن رايتس ووتش» بعد انتفاضة عام 1991، وطلبت منه التعاون معها للعثور على ما نُهِب من وثائق حزب البعث، الموثق فيها التخطيط الدقيق المُفصل لحملة الأنفال.

وفي فترة التسعينيات، كان ما زال صعبًا أن تستفيض في توثيق هذه الإبادة الجماعية أو أن تُعرّف بها على النطاق العالمي، لكن بعد سقوط حكومة صدام عام 2003، أصبحت حكومة كردستان الإقليمية في وضعٍ يسمح لها بإنشاء أرشيف وطني للتاريخ الكردي، ولعملية الإبادة على وجه الخصوص.

Embed from Getty Images

وقد كُلف الصحفي البريطاني جوين روبرتس بالمساعدة في إنشاء أرشيف أفلام يوثق التاريخ الكُردي، وسيُعرض في أحد الأيام في متحفٍ وطني صممه دانيال ليبسكيند.

وقال روبرتس، المدير الدولي القائم على برنامج «ذاكرة كُردستان»، في تصريحه لموقع «ميدل إيست آي»: «على مدى السنوات العشر الماضية، بذلنا جهدًا مضنيًا في البحث في التاريخ الكردي المعاصر، وزُرنا كل ركن في كردستان، وتحدثنا إلى أناسٍ من جميع فئات المجتمع الكُردي. وجمعنا كنوزًا من شهادات الأكراد ممن أثرت عليهم هذه الأحداث المفجعة بصورةٍ مباشرة، وممن أُصيبوا بصدمةٍ عنيفة أثناء هذه العملية».

إلا أنَّ مسألة المُصالحة تظل أكثر هذه المسائل تعقيدًا، ففي أثناء حملة الأنفال، تعاونت بعض القبائل الكُردية مع البعثيين وساعدتهم في القيام بتلك الأعمال الوحشية. وفي الوقت الذي حدثت فيه انتفاضة عام 1991، أصدرت جبهة كُردستانن وهي عبارة عن ائتلافٍ للأحزاب، عفوًا شاملًا عن كل المُتعاونين في هذه الحملة.

وفي هذا الصدد قال حاج: «كان إعلانهم عن العفو الشامل هو أفضل قراراتِهم، ليس فقط بسبب الأفضلية العددية لهم على قوات البيشمركة الكردية، لكن بهدف منع الناس وقوات البيشمركة من ارتكاب أعمال قتل انتقامية تجاه المتحالفين، ما يؤدي بدوره إلى عمليات قتل أخرى للثأر من العمليات الأخيرة».

نعم، هذا يعني أنَّ هؤلاء المتحالفين رفيعي المستوى ما زالوا يمشون بحرية في المناطق الكردية إلى يومنا هذا. ويُضيف حاج: «تمثلت مشكلة هذا القرار الوحيدة في صياغته، فهو لم يُقدم أي مجال في المستقبل لمحاكمة هؤلاء الذين لعبوا دورًا إجراميًا فعالًا وقتلوا المئات».

تذكارٌ حقيقي

تعترف تابان بأنَّ غياب المصالحة الرسمية كان أمرًا عسيرًا، وتستفيض في شرح ذلك قائلةً: «عندما أفكر في الماضي، أشعر وكأنَّني لم أتلقَ أي دعمٍ بعد نجاتي. بدا الأمر كما لو أنَّنا مررنا بذلك ثم تُرِكنا وحدنا. المصالحة بالنسبة إلى هي رحلة خاصة، اضطُررت شخصيًا أن أتصالح مع ما حدث لي، وأن أجد في نفسي المغفرة لكي أنعم بالسلام وأحافظ على سلامتي العقلية».

ستُعقد خلال الأسابيع القادمة فاعلياتٌ تذكارية عدة في جميع أنحاء إقليم كردستان في العراق، وفي العديد من المدن الأوروبية التي تقطن بها أعدادٌ هائلة من الأكراد. وستبث القنوات الكردية لقاءاتٍ تلفزيونية مع الناجين، وتعرِض لقطات مروّعة للقرى التي دُمرت أثناء الحملة.

ويشك حاج، الذي يبلغ من العمر الآن 31 عامًا، في أنَّ هذه هي الطريقة المُثلى لتذكر الإبادة الجماعية، ويقول: «هذا الفصل من التاريخ لا يُدرَّس في المدارس، في حين أنَّ دراسته واجبة. يجب أن يعرف الشباب سبب حدوث ذلك وكيفيته. فالتذكار الحقيقي فعلًا هو دراستهم لتاريخهم».

وتُشاطره تابان نفس المشاعر، وتؤكد أنَّ التعليم هو الأساس، وتُضيف قائلةً: «جعلتني نجاتي من الحادث أكثر تصميمًا على مساعدة ضحايا إبادة آخرين، كي لا يختبروا ما اختبرته، ويجدوا أنفسهم بعد مرور 31 عامًا على الحادث ما زالوا بدون أي شيء، محرومون من العدالة وغير مُعترف بهم، ومنسيون، لا من الأكراد بل من الآخرين».

تجربة الأكراد في الحكم.. لم تختلف كثيرًا عن «داعش» والنظام السوري

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s