ابنة رئيس أنجولا السابق قد تواجه اتهامات بالفساد الذي سهلت من خلاله تربح شركات غربية كبرى.

لا تكتفي بعض الأنظمة في التسبب بزيادة ثراء الأغنياء وإفقار الفقراء وفقط، بل تعمل بعضها على أن يتربح الأغنياء من أموال الفقراء عبر فساد يجري تحت أعين الحكومات، هذا ملخص افتتاحية نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» حول استفادة الشركات الغربية من الفساد في الدول النامية والفقيرة.

وضرب المقال مثلًا على ذلك بـ«إيزابيل دوس سانتوس» ابنة رئيس أنجولا السابق التي جمعت ثروة تصل إلى ملياري دولار بطرق ملتوية، بينما يعيش 30٪ من سكان بلادها على أقل من 1.90 دولارًا في اليوم، ويعد معدل وفيات الأطفال الرضع فيها من أعلى المعدلات في العالم.

كان السر في أن تصبح إيزابيل مليارديرة في أنجولا، إحدى أفقر دول العالم، بسيطًا. وهو أنها كانت ابنة والدها «خوسيه إدواردو دوس سانتوس»، رئيس أنجولا، والذي يمكن أن يمنحها أموالًا من خزانة الدولة.

حسنا، لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة. بل تطلب متاهة من الشركات الوهمية والملاذات الضريبية في الخارج، ومخططات معقدة من الإدارة والاستثمار، من أجل تحويل الملايين من الدولارات وانتقالها عبر أنحاء العالم، قبل أن ينتهي الأمر بالمال في يديها بنهاية المطاف، وذلك وفقًا لفحص أكثر من 715 ألف من رسائل البريد الإلكتروني والعقود وغيرها من الوثائق التي جرى الحصول عليها وتسريبها وفحصها من قبل الاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين الذي أرسلها إلى العديد من وسائل الإعلام، ومن بينها صحيفة «نيويورك تايمز».

Embed from Getty Images

تضيف الصحيفة أن «هذه قصة مأساوية أخرى عن بلد غني بالموارد، لكنه متخلف ينهبه الزعماء السياسيين المفترسين وعائلاتهم. ولكن بفضل هذا التحقيق، علمنا أيضًا أن إيزابيل حصلت على مساعدة من الشركات الغربية، بما في ذلك مجموعة بوسطن الاستشارية، وماكينزي وشركاه، والمحاسبون في شركة «برايس ووتر هاوس كوبرز (PwC)»، الذين ساعدوا في إدارة نحو 400 شركة وفرع تابعة لها في 41 دولة، خاضعة لسيطرة إيزابيل وزوجها.

وفي بعض الحالات أشرف مستشارو الزوجين على تحويلات مالية تصفها الحكومة الأنجولية الحالية بأنها أعمال غسل أموال. وطوال الوقت، كان هؤلاء المستشارون الغربيون يحصلون على حصة من العائدات». قامت مجموعة بوسطن الاستشارية «بإدارة» شركة مجوهرات سويسرية اشترتها الحكومة الأنجولية بأموال اقترضتها بمعدل فائدة مرتفع من بنك تسيطر عليه إيزابيل. وبعد أن قوضت هي وزوجها شركة المجوهرات بالإنفاق الباذخ، أصبحت الحكومة مدينة بمبلغ 225 مليون دولار.

عندما أبرم التعاقد مع بوسطن الاستشارية وماكينزي لإعادة هيكلة أعمال النفط الحكومية في أنجولا، والتي تديرها إيزابيل في نهاية المطاف، لم تدفع الحكومة لهم مباشرةً، ولكن من خلال شركة مالطية مملوكة للسيدة إيزابيل، وشركة أخرى مملوكة لأصدقائها؛ مما مهّد للزوجين سرقة ملايين الدولارات من مدفوعات الحكومة.

يقول خبراء غسل الأموال والمحاسبون الجنائيون: إن «شركة برايس ووتر هاوس كوبرز، التي وفرت للسيدة دوس سانتوس خدمات المحاسبة وإدارة الضرائب، عملت مع ما لا يقل عن 20 شركة تديرها هي أو زوجها، ابتلعت الأموال الأنجولية، فيما جرى تجاهل دلائل على وجود عمليات غسل الأموال».

العالم والاقتصاد

منذ 3 سنوات
أغنى 10 أشخاص في قارة إفريقيا.. كيف كونوا ثرواتهم؟

فساد دولة

ترى الصحيفة أن «أنجولا وفرت الظروف المثالية لمثل هذا النهب؛ فالبلاد الغنية بالنفط والماس، شهدت تاريخًا من الاستعمار والصراع وعدم الاستقرار الذي جعل هذه الثروات جاهزة للاستيلاء عليها. ويعد معدل وفيات الرضع من بين أعلى المعدلات في العالم، ويعيش حوالي 30٪ من السكان على أقل من 1.90 دولار في اليوم، والفساد هناك مستوطن – وتحتل أنجولا مرتبة قريبة من القاع من بين 180 دولة في تصنيف منظمة الشفافية الدولية التي ترصد مكافحة الفساد، للدول الأكثر فسادًا في العالم».

كان والد إيزابيل، جوزيه إدواردو دوس سانتوس، ثوريًا سابقًا تلقى تدريبه في أذربيجان السوفيتية، لكنه عندما أصبح أطول الرؤساء حكمًا تخلى عن الماركسية وجمع ثروة طائلة.

وجدير بالذكر أن إيزابيل وزوجها، سينديكا دوكولو، أصرا على أنهما جمعا ثروتهما التي تقدر بأكثر من ملياري دولار بعرق جبينهما وبطرق نزيهة، وأنهما الآن ضحية «لمطاردة ساحرات» سياسية.

ويوم الجمعة الماضية وصفت إيزابيل على «تويتر» الاتهامات الموجهة ضدها بأنها «مضللة للغاية وغير صحيحة»، وجزء من «هجوم سياسي شديد التركيز ومدبر ومنسق جيدًا».

Embed from Getty Images

وتظهر الوثائق المسربة كيف حصلت إيزابيل على حصص في شركات مربحة – في مجالات صادرات الألماس والهواتف المحمولة والبنوك وشركات صناعة الأسمنت – وفي كثير من الأحيان حدث ذلك من خلال مراسيم وقعها والدها.

تضيف الصحيفة أن حكومة الرئيس جواو لورنسو، التي خلفت والد إيزابيل عندما استقال من منصبه في عام 2017، جمدت ممتلكات إيزابيل وأعلنت يوم الخميس أنها ستوجه إليها اتهامات جنائية في وقت قريب.

والسؤال الآن هو هل سيحقق لورنسو تقدمًا في مكافحة الفساد في البلاد، أم سيعمل ببساطة على توطيد السلطة لضمان حصوله على حصته من تلك الأموال؟ تقول الصحيفة: «إن هذا الأمر لا يزال غير معروف».

أصدقاء إيزابيل يتخلون عنها

يوم الثلاثاء الماضي صرح بوب موريتز، الرئيس العالمي لشركة برايس ووتر هاوس كوبرز، لصحيفة الجارديان بأنه «يشعر بالصدمة وخيبة الأمل» بسبب الكشف عما فعلته شركته للسيدة إيزابيل، وأن الشركة ستحقق وتتخذ إجراء. وأصرت بوسطن الاستشارية على أنها اتخذت خطوات عند التعاقد معها «لضمان الامتثال للسياسات المعمول بها وتجنب الفساد والمخاطر الأخرى». فيما قالت ماكينزي إنها لا تقوم بأي عمل الآن مع إيزابيل أو شركاتها.

وتقول الصحيفة: إنه ينبغي الإشادة بالاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين بعد فضحه إساءة الاستخدام الجسيمة للأموال العامة، كما حدث في وقت سابق مع قضية «أوراق بنما»، التي كشفت عن فضائح صناعة التمويل في الخارج، لكن تحديد الأسماء وفضح الفساد ليسا كافيين وحدهما لوقف هذا النزيف المالي.

تطلب الولايات المتحدة من البنوك الأمريكية والشركات المالية الأخرى الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه، مثل غسيل الأموال المحتمل. لكن الولايات المتحدة لا تفرض هذا المطلب على الشركات القانونية أو شركات المحاسبة أو الشركات الاستشارية، على الرغم من أن هذه الشركات يمكن أن تلعب دورًا مماثلًا للغاية في مساعدة العملاء على نقل الأموال لتجنب الضرائب أو القيود القانونية الأخرى.

Embed from Getty Images

على العكس من ذلك، تخضع شركات المحاسبة الأوروبية للنوع ذاته من متطلبات الإبلاغ التي تخضع لها البنوك. ويشترط الاتحاد الأوروبي على كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات المحاسبة أن يوافقوا بأنفسهم على التعامل مع الأفراد ذوي الصلات السياسية، مثل إيزابيل، واتخاذ «تدابير مناسبة» لضمان أن أموال العميل تأتي من مصادر مشروعة.

مثل هذه القواعد ليست حلًا سحريًا. إذ كافح الاتحاد الأوروبي لإجبار شركات المحاسبة على التمسك بهذه المعايير. وبينما قامت شركة «برايس ووتر هاوس كوبرز» بالعمل مع إيزابيل، أظهرت رسائل البريد الإلكتروني التي استعرضها الاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين أن بعض البنوك الكبرى رفضت هذه الفرصة.

لكن فرض التزامات قانونية، أشبه بتلك المفروضة على البنوك، على مجموعة واسعة من الشركات التي تقدم المشورة المالية والضريبية والقانونية سيكون خطوة مهمة إلى الأمام، بحسب الافتتاحية.

وختمت صحيفة «نيويورك تايمز» افتتاحيتها بقولها: إن «الشركات الأمريكية لطالما جادلت منذ فترة طويلة بأن تعاونها مع بلدان أخرى يحمل فوائد كبرى لتلك البلدان. هذا بالتأكيد يمكن أن يكون صحيحًا. لكن من الواضح أن القواعد الحالية – أو بالأحرى عدم وجود قواعد – تسمح لتلك الشركات (الأمريكية) بمساحة كبيرة لكسب المال على حساب البلدان التي تعمل فيها. ودأبت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على انتقاد الفساد في البلدان الأخرى. لكننا بحاجة إلى التعامل مع الفساد في الداخل (الأمريكي) أيضًا».

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«واشنطن بوست»: لفهم التغلغل الصيني في أفريقيا.. انظر إلى جيبوتي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد