سلمى نبيل 20
سلمى نبيل 20

583

صنعت شركة «آبل» التاريخ عندما بلغت قيمة أسهمها أكثر من تريليون دولار يوم الخميس، 2 أغسطس (آب) الجاري، حيث ارتفعت الأسهم بنسبة 3% لتتوقف عند 207.39 دولار للسهم الواحد، وجاءت المكاسب بعد يومين من إعلان الشركة عن أرباحها الربع سنوية، والتي بالمناسبة كانت من أعلى الأرقام في تاريخها.

نحن هنا بصدد أحد التقارير المبسطة التي أعدها وحرَّرها الصحافي «جاك نيكاس» لصحيفة «نيويورك تايمز»، والذي يتناول فيه قصة صعود شركة آبل من شركة على حافة الإفلاس إلى الشركة الأكثر قيمة عالميًا في مجال قطاع الأعمال، حيث تفرَّدت بابتكار منتجات هي الأكثر نجاحًا، وإنشاء سلسلة توريد متطورة تغطي التكاليف اللازمة لإنتاج كميات هائلة من الأجهزة المتطورة حول العالم.

المكان هو مدينة سان فرانسيسكو في عام 1997، حيث شركة آبل في ورطة حقيقية، الشركة التي تأسست في «وادي السيليكون»، والرائدة في مجال التكنولوجيا والاستثمار، قد سُحِقت توًا وبشدة من قِبَل شركة «مايكروسوفت» وشركائها الكثر في سوق أجهزة الكمبيوتر الشخصية، وفي وقت لاحق يُعلن «ستيف جوبز» المؤسس المشارك لشركة آبل أنه كان قد استغنى حينها عن ثلث قواه العاملة.

كان جليًا للعيان أن هذا الصعود اقترن بالعديد من المآسي والتحديات، على سبيل المثال: أدى استخدام آبل المكثف للعمالة الخارجية من الصين إلى انتقادات مفادها أنها تعمد إلى استغلالهم في مقابل حصولهم على أجور متدنيَّة، بينما تحرم الأمريكيين من فرص عمل جيدة، وتواجه الشركة حشدًا من الأسئلة تتعلق بنموها المطَّرد.

كان السيد جوبز موضع إعجاب وتقدير نظرًا لمنتجاته المبهرة، وإن كانت المخاوف المثارة تتمحور حول أسلوب إدارته الحاد، وقد عُدَّ أشهر شخصية رائدة في مجال صناعة التكنولوجيا عند وفاته عام 2011 بعد معركته مع سرطان البنكرياس عن عمر يناهز 56 عامًا.

يقول «آفي تيفانيان» رئيس البرمجيات السابق لشركة آبل، والذي انضم إلى الشركة في عام 1997: «هل كان بإمكان أي شخص أن يتنبأ بمصير الشركة في ذلك الوقت؟ كنا نأمل أن نجعل الشركة ناجحة للغاية وعالية القيمة، لكن هل جال بخاطري أنها ستصل إلى ما هي عليه اليوم؟ بالطبع لا، ولم يكن ستيف ليفكر في هذا أبدًا».

صورة تجمع بين ستيف جوبز (على اليسار) وبيل جيتس – عام 1985

يرجع تاريخ تأسيس الشركة إلى عام 1976 حيث ركزت على صناعة أجهزة الكمبيوتر، ثم لاحقًا الآلات الصناعية الضخمة والمعقدة وصولًا إلى الصغير منها والبسيط وقليل التكلفة، بحيث يمكن أن تصبح منتجًا في سوق الجملة، وبحلول عام 1980، كانت الشركة واحدة من العلامات التجارية الأكثر شهرة في العالم.

لكن بحلول عام 1985 انقلب مجلس الإدارة على ستيف جوبز، نتيجة لذلك تم إقصاؤه عن الشركة تمامًا، وفي السنوات التالية كانت الشركة تخسر على نحو متزايد في مناورات سوق الكمبيوتر الشخصي الذي ساعدت على ابتكاره؛ لتتعثر بعدها بسبب نقص الأفكار الجديدة والمنتجات الفاشلة واضطراب القيادة وفقدان البوصلة.

بعد فترة وجيزة من انضمام «فريد أندرسون» المدير المالي السابق لشركة آبل عام 1996، بادر بعرض سندات مالية بقيمة 661 مليون دولار لإبقاء الشركة على قدم وساق قائلًا: «لم أكن أعرف مدى سوء الوضع حتى أوغلت في الحفر». بحلول نهاية ذلك العام خسرت آبل 867 مليون دولار، وكانت القيمة الإجمالية لأسهمها أقل من 3 مليار دولار!

في عام 1998، طرحت شركة آبل جهاز iMac G3، وهو جهاز كمبيوتر مكتبي متعدد الألوان

كانت الشركة تنازع من أجل البقاء، لتقرر أخيرًا أن تدخل مقامرة، فاشترت شركة «نيكست»، وهي شركة تكنولوجيا كان يديرها ستيف جوبز، مقابل 400 مليون دولار؛ ليعود بعدها جوبز – الذي لا يزال اسمه مرادفًا للعلامة التجارية آبل – إلى الشركة التي أسسها.

في وقت لاحق – حينما عاد ستيف جوبز بذاكرته إلى تلك الفترة – يرى أن الشركة «كانت منهارة»، بل على حد تعبيره: «لقد كان وضعها أسوأ بكثير مما كنت أعتقد». سرعان ما أزال جوبز 70% من مخططات شركة آبل في ذلك الوقت؛ ليطلق الحملة الإعلانية الخاصة بالشركة تحت شعار: «فكِّر بشكل مختلف!» ويعيد تصور كيفية دمج المنتجات معًا.

«نحن نحاول العودة إلى ما كنا عليه في الأساس»، هكذا قال جوبز بإنهاك في اجتماع داخلي عام 1997 مع الموظفين، وقد أظهر شريط فيديو للاجتماع نشر على الإنترنت في وقت لاحق جوبز مرتديًا سروالًا رياضيًا وصندلًا وهو يقول: «السؤال الآن ليس هل بإمكاننا أن نحسِّن شركة آبل؟ لأن إجابته خادعة، أعتقد أن السؤال الصحيح هو هل يمكننا نعيد شركة آبل إلى أمجادها الأولى مرة أخرى؟».

أصبح التركيز على البساطة سمة مميزة لشركة آبل، من الملابس التي كان يعتمدها جوبز؛ الجينز والقمصان السوداء التي باتت زيًا معتادًا له، إلى الطريقة التي تعمل بها منتجاته، إلى المظهر النهائي لمحلات البيع بالتجزئة الخاصة بشركته.

مكانة الشركة في وادي السيليكون ترسخت عندما تم إطلاق جهاز «آي بود» (مشغل الموسيقى المحمول) الذي غيَّر على الفور تقريبًا علاقة المستهلك بالموسيقى، ومنذ ظهوره لأول مرة عام 2001 بيعَ منه أكثر من 400 مليون وحدة؛ لتثبت آبل أنها لم تكن مجرد شركة كمبيوتر، فقد تم ربط الجهاز بـ«آي تيونز»، وهو تطبيق مجاني يشتمل على متجر إلكتروني للموسيقى، والذي عُدَّ انقلابًا في صناعة التسجيل.

يقول كين كوسيندا، وهو مهندس برمجيات آبل منذ فترة طويلة، والذي سيُصدر قريبًا كتابًا عن آبل بعنوان «الإبداع عند الاختيار»: «كان جهاز آي بود خطوة، بل خطوة مهمة حقًا، لكن آي فون كان في الحقيقة الجواب النهائي للسؤال التالي: ماذا بعد أجهزة الكمبيوتر الشخصية؟».

لقد غيَّر جهاز آيفون طريقة تفاعل المجتمع مع التكنولوجيا، وسرعان ما أصبح واحدًا من أفضل المنتجات مبيعًا على الإطلاق؛ حيث بيعت أكثر من 1.4 مليار قطعة منذ طرحه في عام 2007. لم يكن لأي منتج تبنته الشركة منذ إنشائها صدىً كوَقْع «آيفون» الذي كان أحد أسباب رفع قيمة الشركة إلى تريليون دولار؛ فعندما أعلن جوبز عن جهاز آيفون، بلغت قيمة شركته 73.4 مليار دولار.

وبينما يُرجع الموظفون والمحللون السابقون الفضل إلى جوبز لإشرافه على إعادة النظر في رؤية الشركة وابتكاراتها، فقد لعب خليفته «تيموثي كوك» دورًا حاسمًا في هذا التحول عن طريق إصلاح طريقة بناء آبل لمنتجاتها. وبصفته المسؤول التنفيذي الأول فشركة جوبز، فقد أعاد كوك تشكيل خط توزيع آبل؛ ليعتمد بشكل كبير على المصنعين المتعاقد معهم في الصين؛ الأمر الذي منحه المرونة وتوفير في التكاليف لبناء هذا الصرح الكبير.

باعتباره رئيسًا تنفيذيًا، أشرف كوك أيضًا على نهضة قيمة آبل (كانت القيمة الإجمالية لأسهم الشركة 346 مليار دولار عندما تولى رئاسة الشركة في أغسطس 2011). كان كوك ثابتًا، لم يضطرب لحجم المسؤولية على عاتقه؛ مما أدى إلى جعل آيفون شركة عملاقة تبيع أيضًا ملحقات الهاتف والإكسسوارات وخدمات أخرى.

والآن بعد وصول آبل إلى قيمة تريليون دولار ومرور 11 عامًا منذ إطلاق آيفون، من المرجح أن تزداد الضغوط على الشركة لتطوير منتج جديد ناجح، وقد كانت هناك أجهزة شائعة أخرى، مثل جهاز آي بود، وساعة آبل، والإصدارات المحدَّثة بشكل روتيني لأجهزة كمبيوتر آبل الشخصية، ولكن لم يقترب أي منها من تأثير جهاز آيفون.

تحاول الشركة الدخول في مجال السيارات ذاتية القيادة ونظارات الواقع المعزز، ولكن آبل ستواجه حتمًا عقبات تقنية وحتى اجتماعية مع أي منتج جديد. هناك تحديات أخرى؛ فشركة آبل تعتمد على الصين كسوق تجاري لنسبة كبيرة من مبيعاتها، بالإضافة إلى أنها البلد الذي يتم فيه التصنيع؛ مما قد يضعها في مأزق وسط حرب تجارية يتم التحضير لها بين الصين والولايات المتحدة.

يقول «تيم باجارين»، وهو محلل واستشاري في مجال التكنولوجيا تابَع الشركة منذ ما يقرب من 40 عامًا: «لقد كانت واحدة من أعظم التحولات التي شهدتها الشركات في مجال الأعمال، السؤال المطروح هو: هل يمكن لشركة آبل الاستمرار في الابتكار؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك