قبل 8 أعوام، لم تكن شركة «جوجل»، ولا منافستها العتيدة «آبل»، ضمن قائمة الشركات العشر الأعلى قيمة في العالم، وكانت قيمتهما السوقية مجتمعتين أقل من 300 مليار دولار أمريكي. اليوم، أصبحت آبل وألفابِت (الشركة الأم لجوجل) الشركتان الأعلى في العالم من حيث القيمة السوقية، إذ بلغت قيمتهما مجتمعتين أكثر من 1.3 تريليون دولار.

صاحبت تلك الزيادة في القيمة زيادة في حدة التنافس بين الشركتين العملاقتين في أسواقٍ تقنية مختلفة، من الهواتف الذكية إلى الأنظمة الصوتية المنزلية. إلا أن هذا التقرير بصحيفة «ذي أتلانتك» ينظر في صدامٍ أكبر بين الشركتين لا يلحظه كثيرون. مع ارتفاع قيمة أسهم الشركتين كان على إدارة كل شركة التعامل مع مطالب المستثمرين. ولكلٍ منهما نهجٌ مُغاير في ذلك يجسِّد نموذجًا من نموذجين متنافسين للرأسمالية. والنموذج الذي سينتصر ربما يغيِّر وجه الاقتصاد في المستقبل.

اقرأ أيضًا: مترجم: كيف تتفوَّق «أمازون» على «جوجل» و«أبل»؟

نموذج آبل: الانصياع لرغبات المستثمرين

بحلول نهاية 2011، اقترب الاحتياطي النقدي لشركة آبل من حاجز المائة مليار دولار أمريكي. وفي ربيع العام التالي، نشر الباحث ومحلل الأسهم المرموق «طوني ساكوناجي» تقريرًا في إطار جهودٍ بذلها ومحللين آخرين للضغط على المدير التنفيذي للشركة، تيم كوك، من أجل النظر في سحب بعض الأموال من احتياطي الشركة النقدي وإعادتها للمستثمرين حملة الأسهم.

حينها التزم كوك بموقف المدير التنفيذي السابق والأب المؤسس للشركة «ستيف جوبز»، ورفض مطالب المستثمرين. والسبب وفقًا لجوبز هو المُحافظة على السيولة النقدية للشركة وتمكينها من انتهاز «فرص استراتيجية أفضل في المستقبل».

لكن سببًا آخر دفع آبل إلى التمسك باحتياطيها النقدي في البداية: الجزء الأكبر منه ليس في الولايات المتحدة، لكن في أيرلندا، حيثُ شركة Apple Operations International التي تتلقى غالبية أرباح آبل خارج الولايات المتحدة. وحين تستخدم الشركة تلك النقود في تعاملاتٍ داخل الولايات المتحدة فإن ذلك سيعني دفع ضرائب هائلة بموجب القوانين الضريبية للولايات المتحدة.

هنا اقترح ساكوناجي فكرة جريئة: يُمكن لآبل اقتراض 100 مليون دولار داخل الولايات المتحدة، ودفعها إلى حملة الأسهم في صورة عوائد استثمار وصفقات إعادة شراء الأسهم.

اجتذب المقترح انتباه الكثير من الخبراء الماليين والمستثمرين، وحقق هدف ساكوناجي، إذ تزايدت الضغوط على كوك. وبعدها بأسبوع، رضخت آبل وأعلنت خطط بدء دفع النقود عبر عوائد الاستثمار.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: الجميع يكذبون.. كيف يكشف «جوجل سيرش» عن أعمق أسرارنا؟

نموذج جوجل: القوة في أيدي المؤسسين

حين طبقت آبل فكرة ساكوناجي، كان لقرارها هذا آثار واسعة على كل شركات سيليكون فالي، وبالأخص جوجل.

منذ طرح أسهم الشركة في أسواق التداول في عام 2004، كان هيكل الأسهم يضع قوة التصويت في مجلس الإدارة في أيدي المؤسسين، حتى مع تقلص حصصهم من أسهم الشركة مع طرح المزيد منها. يستند هذا الترتيب إلى فرضية أنه «سيحمي جوجل من الضغوطات الخارجية وإغراءات التضحية بالفرص المستقبلية من أجل تلبية الاحتياجات قصيرة المدى».

لكن هذا الترتيب الذي يحمي سيادة المؤسسين على حملة الأسهم قد أخذ في التآكل، مع استمرار المؤسسين في بيع حصصهم واستصدار الشركة حصصًا من أسهمها لموظفيها ضمن الحزم التعويضية. وكان على المؤسسين الخروج بهيكل جديد يحميهم من مصير آبل. ولم يكذبوا خبرًا.

بعد بضعة أسابيع من قرار آبل بالانصياع لرغبات حملة الأسهم، أعلن المؤسسون عن هيكلهم الجديد، الذي يُعطي أسهم المؤسسين 10 أضعاف القوة التصويتية للأسهم العادية، ما يضمن تحديدهم استراتيجية الشركة على المدى الطويل.

بعد 5 أعوام.. ما النتيجة؟

بعد 5 أعوام، يستعرض التقرير ما حدث في صحوة قرار آبل وقرار جوجل. بالنسبة لآبل، لم يُرضِ قرارها في 2012 حملة الأسهم، بل كان شرارة انتفاضة أوسع. وبدأت بعض صناديق الاحتياط الاستثمارية (وعاءات استثمارية يشترك فيها مجموعة منتقاة من كبار المستثمرين) في طلب عوائد أكثر بكثير من المستحق. بعضها حرَّك دعاوى قضائية ضد آبل وبعضها اقترح نوعًا جديدًا من الأسهم يسمح لآبل بتحريك أموالٍ أكثر بكثير بضرائب أقل.

نتيجة لذلك، اضطرت آبل في 2013 و2014 إلى رفع سقف التزاماتها بتوزيع الأرباح. وفي الفترة من 2013 إلى مارس (آذار) 2017، صرفت الشركة 200 مليار دولار أمريكي في صورة عوائد وعمليات إعادة شراء للأسهم؛ ما يقدَّر بـ72% من التدفق النقدي التشغيلي خلال هذه الفترة (التدفق النقدي التشغيلي OCF هو معيار لأداء الشركات يستند إلى كميات النقد الناتجة عن عمليات الشركة). واقترضت آبل 99 مليار دولارٍ في هذه الفترة من أجل تمويل عمليات الصرف.

أمَّا جوجل، فكان قرارها بوضع القرار في أيدي المؤسسين سببًا رئيسيًا في أنها لم توزع على حملة الأسهم سوى 6% من التدفق النقدي التشغيلي، الذي بلغ 114 مليار دولارٍ في الفترة نفسها.

اقرأ أيضًا: 8 أفلام ستعلمك الكثير عن التسويق

ماذا تفعل بكل هذا المال؟

المساران الموضحان بالأعلى لكلٍ من آبل وجوجل يمثِّلان إجابتين عن سؤالٍ من أهم الأسئلة التي تواجه الرأسمالية اليوم: ماذا ينبغي على الشركات العامة أن تفعل بكل هذا المال الذي تجنيه؟

على مر الأعوام تضخمت أرباح هذه الشركات إلى أبعاد هائلة، لكن هذا التضخم قابله نقصٌ في فرص الاستثمار والتنمية، ما خلق فوائض نقدية كبيرة تقدَّر بتريليونات الدولارات. ومع استمرار جني الشركات أرباحًا تفوق ما تحتاجه لتمويل النمو، يُطرَح السؤال: من الذي يقرر أوجه صرف هذه الأرباح – مجلس الإدارة أم المستثمرين؟

آبل قررت أن يتولى المستثمرون زمام الأمور في غياب مديرٌ واحد حامل لحصة كبيرة من الأسهم. أمام جوجل فيعزل هيكلها المؤسسين والمديرين عن ضغوط المستثمرين. هما استراتيجيتان متقابلتان تجاه قضية مركزية من قضايا الرأسمالية الحديثة: فصل الملكية عن الإدارة. فمع اتساع نطاق الأعمال التجارية، لم يعُد المالك مديرًا والمدير مالكًا بالضرورة كما كان الحال في السابق. وحين يلجأ الملاك إلى توكيل مديرين تنفيذيين بمهمة إدارة الشركة ، ينشأ ما يسميه علماء الاقتصاد بمعضلة الأصيل والوكيل، وهي مجموعة القضايا التي تنشأ عن قدرة طرفٍ وكيل (متمثل في شخص أو مجموعة من الأشخاص أو شركة) على اتخاذ قراراتٍ تؤثر تأثيرًا هائلًا على طرفٍ أصيل.

الآن، فلنقارن بين مزايا النموذجين باعتبارهما حلًا لمعضلة الأصيل والوكيل: أنصار نموذج آبل يرون فيه انتصارًا لحقوق الملاك على مجلس الإدارة. آبل مجبرة بالقوة التأديبية لكبار المستثمرين على الالتزام وعدم إنفاق الأموال على منتجاتٍ فاشلة، مثل جوجل بلاس وفقًا للتقرير، أو إنفاقها على المشاريع المفضلة للمديرين. يُمكن لكبار المستثمرين التحرك لمنع مجلس الإدارة من اتخاذ قراراتٍ يهدف بها أعضاؤه إلى التربح والثراء الشخصي. وجديرٌ بالذكر أن آبل بعد صرفها كل هذه المليارات ما زال لديها من المال ما يكفي للإنفاق ببذخٍ على قسم الأبحاث والتطوير الخاص بها. الكل رابح، وفقًا لهذه الرؤية.

وأنصار نموذج جوجل يرون جانبًا مختلفًا من المعضلة، وهو عدم اهتمام المستثمرين بالنجاح طويل المدى للشركة. رأينا في نموذج آبل كيف سعت صناديق الاحتياط الاستثمارية إلى التربح قصير المدى دون النظر إلى الجهات الأخرى حاملة الأسهم، مثل صناديق التقاعد على سبيل المثال. ويرى البعض أن صناديق الاحتياط تدمر الاقتصاد بتضييقها الدورات الزمنية الاستثمارية.

أي النموذجين خير؟ حين نقارن بين أداء الشركتين بعائدات سوق تداول الأسهم على مدار الأعوام الماضية منذ بداية التطورات، فإن جوجل تتفوق على آبل بكثير. لكن الآية تنعكس حين نقلص الإطار الزمني إلى العام الماضي، إذ يظهر تفوق آبل على جوجل.

تظل عائدات سوق تداول الأسهم مجرد واحدة طرق المقارنة، هذه المقارنة لها عيوبها. وحتى الآن نموذج آبل الراضخ لضغوط المستثمرين هو النموذج السائد في معظم الشركات العامة الكبرى. لكن أهمية هذه المقارنة بين النموذجين قد تشهد زيادة مفاجئة في حالة إجراء تعديلات على النظام الضريبي الفيدرالي في الولايات المتحدة، ما سيسمح للشركات باستغلال النقود المكدسة في البنوك والصناديق الخارجية. وهذا التدفق النقدي سيتوجب إعادة توزيعه داخل الاقتصاد. فلمن سيكون القرار؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد