الصراع بين الثورات والأنظمة الاستبدادية في العالم العربي ظل محصورًا حتى وقت قريب داخل الحدود الجغرافية لكل دولة، وهو الأمر الذي يبدو في طريقه للتغير مع لجوء تلك الأنظمة لحشد قدراتها في مواجهة أي تغيرات مما يجعل المواجهات القادمة بينها وبين قوى التغيير مواجهات إقليمية.

لم يستطع الربيع العربي أن يغير الأنظمة الحاكمة برغم تغيير بعض الوجوه. فعلى مدار أربع سنوات استطاع الحكام العرب بدهاء شديد أن يظلوا في الحكم في مواجهة الثورات التي اجتاحت العالم العربي من مصر إلى سوريا ومن العراق للبحرين. كانت الحيلة التي لجأوا إليها ظاهريًا هي استخدام القوة المفرطة في مواجهة المظاهرات إلى جانب السياسات الطائفية ومحاولة دفع الثورات لمنحنى أكثر راديكالية مما يسهل قمعها بالقوة تحت مسمى “محاربة الإرهاب”، كل هذا بالتوازي مع عمليات تلميع تلك الأنظمة المتهالكة.

لكن الحقيقة أن هناك قضايا تأسيسية أكثر عمقًا في العالم العربي هي التي منحت الطغاة العرب الفرصة ليس فقط لأن يظلوا في الحكم لعدة عقود ولكن لأن يتمكنوا من مواجهة الثورات العربية والتغلب عليها.

القوة الغائبة: رأس المال

من الأمور التي تثير الانتباه في العالم العربي هو ضعف التطور الرأسمالي في الدول العربية مما يجعلها بيئة خصبة لما يُسمى برأسمالية “المحسوبية”.

عالم الاجتماع السياسي الأمريكي (بارنجتون مور) يوضح في كتابه (الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية) كيف أن التطور الرأسمالي ونمو طبقة برجوازية قوية من الأمور الضرورية لتطور أي نظام ديمقراطي ليبرالي.

المؤرخ وعالم الاجتماع السياسي الأمريكي (تشارلز تيلي) في دراسته لتطور الدول الأوروبية يقول أن من أسس تطور النظام الديمقراطي هو الانفصال الذي حدث بين الذين يمتلكون أدوات الإكراه والذين يتحكمون في رأس المال.

لو مزجنا بين الرؤيتين السابقتين وألقينا نظره على مستويات التطور الرأسمالي في العالم العربي سنرى أنه لا يوجد فصل بين من يمتلكون أدوات الإكراه وبين أصحاب رأس المال مما يعوق أي تطور حقيقي لطبقة برجوازية مستقلة.

مصر مثال واضح على ذلك، فالجيش المصري يمتلك إمبراطورية اقتصادية عملاقة تمثل ٤٠٪ من الاقتصاد المصري. الخدمة العسكرية الإجبارية تمنح الجيش المصري إمدادا هائلا من العمالة الرخيصة يستطيع عن طريقها المشاركة في مشروعات البنية التحتية العملاقة. استطاع الجيش المصري كذلك أن يكوِّن شبكة من الموالين له في القطاع الخاص عن طريق علاقاته السياسية وموارده الاقتصادية. كل ذلك منع نشأة طبقة برجوازية قوية في مصر.

الأمر نفسه ينطبق على سوريا وهو يفسر التفاف النخب السورية السنية الحضرية حول النظام البعثي.

وبالتالي، يمكن القول أن ضعف التطور الرأسمالي واحد من ركائز الاستبداد في العالم العربي.

تحالف المستبدين

الركيزة الثانية لهذا النظام الاستبدادي الإقليمي هو الديناميكية الموجودة بين هذه الأنظمة المستبدة، ودعمهم لبعضهم البعض خلال هذه اللحظات من صعود الثورات العربية. وبالتالي، فإن أي حركات احتجاجية عليها مواجهة كل من حكوماتها المحلية وكذلك مؤيديهم الإقليميين، مما يجعل نجاح الثورة العربية متوقفًا على تزامن تلك الانتفاضات لتحدث في وقت واحد.

علامات هذا التحالف تظهر في التدخل الأخير في اليمن والقصف الجوي الإماراتي ضد القوى الإسلامية في ليبيا. ما يثير الاهتمام أن تلك الضربات الجوية نفذت من قواعد جوية مصرية، مما يدل على أن هناك نوعًا من الاتفاق على الحاجة للتدخل العسكري في ليبيا نيابة عن حكومة طبرق.

مثال واضح آخر هو التدخل السعودي في البحرين عن طريق القوة المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي لدعم النظام البحريني.

يبدو ذلك التحالف أقوى في الوقت الحالي خاصة بعد دعوة الرئيس المصري السيسي لتكوين قوة عربية مشتركة، من المتوقع أن تكون أداة للقمع في كل أنحاء العالم العربي.

دور رأس المال العالمي

الركيزة الثالثة من ركائز الاستبداد هو موقف النظام الرأسمالي العالمي من العالم العربي. فبالرغم من أن العالم العربي يُعتبر منطقة طرفية، إلا أنه يعج بالدول الريعية. دول مثل السعودية والإمارات لا تستخدم مواردها لقمع المعارضة الداخلية فقط، ولكن لتمويل الحركات المضادة للثورة حول المنطقة. هذا يشمل دولًا مثل مصر والبحرين اللتان تستخدمان موقعهما الاستراتيجي ليحصلا على الدعم من الحلفاء الإقليميين والداعمين الدوليين لقمع المعارضين.

هذا النموذج الذي يعتمد على الدعم الخارجي يسمح للحكام المستبدين بتجاهل رغبات شعوبهم. يمكن للدولة وقتها استخدام القمع بدون مخافة العقاب. كما يتضح فإنه لا يوجد في هذه الحالة أي فصل بين من يمتلك أدوات الإكراه ورأس المال.

المفهوم الضيق للمصلحة الطبقية

الركن الرابع من أركان الاستبداد العربي هو قصر نظر الطبقات الحاكمة العربية فيما يتعلق بمصالحهم الطبقية، الأمر الذي يدفعهم لاستخدام العنف الشديد للبقاء في السلطة حتى لو أثر ذلك على قدرتهم على الحكم على المدى الطويل.

بعبارة أخرى، فإن الطبقات الحاكمة العربية في سعيها لتكديس المزيد من الثروات، على استعداد لدفع بلادهم إلى حالة من الانهيار بدلا من تقديم أي تنازلات لحركات الاحتجاج الشعبي. يبدو أنهم يعتقدون أن أقل التنازلات من شأنه أن يهدم النظام بأكمله.

سوريا والعراق مثالان واضحان على ما سبق. فالنخب الحاكمة تتشبث ببقاء بشار الأسد في الحكم لدرجة التضحية باستقلال بلدهم لقوى خارجية وحتى تقويض قدرة طبقتهم الحاكمة نفسها على استخراج الثروات من البلاد. بقاء الدولة السورية ذاتها أصبح محل تساؤل، فمع مقدار الدمار الهائل الحاصل في سوريا فإن نظام الأسد حتى وإن انتصر في الحرب الأهلية فإنه لن يستطيع البقاء دون مساعدة روسيا وإيران. هذا المصير كان من الممكن تجنبه لو أجبر النظام السوري بشار على التنحي والتوصل لتسوية سياسية مع المعارضة السورية.

الأمر نفسه يتكرر في العراق. إيران استعرضت سيطرتها على العراق بتدخلها الكبير في معركة تكريت. النظام العراقي اختار الاعتماد على قوة أجنبية بدلًا من إصلاح الأوضاع في العراق.

يعتمد نظام بشار الأسد على دعم روسيا للبقاء في الحكم في مواجهة الثوار في سوريا

الأصول الأيدلوجية للقمع

الركيزة الخامسة واﻷخيرة لنظام الاستبداد العربي هي الأساس الأيديولوجي للقمع، خاصة خوف الطبقات الوسطى من ثورة اجتماعية محتملة.

الأساس الأيديولوجي للمستبدين العرب هو اﻷمن القومي ومحاربة التطرف اﻹسلامي، باﻹضافة  إلى نظرة طبقية دونية تجاه الجموع الشعبية والتشكيك في قدرتهم على ممارسة حقوقهم الديمقراطية.

هذه الفكرة منتشرة بشكل كبير بين الطبقات الوسطى الحضرية في المدن العربية التي تخاف من فكرة سيطرة الطبقات الدنيا الريفية على الحكم وهو ما بدا واضحا من اعتماد النظام العسكري في مصر على تأييد الطبقة الوسطى الحضرية في انقلابهم على اﻹخوان المسلمين الذين اعتمدوا بشكل كبير على قاعدتهم الشعبية في الجنوب الريفي للوصول للحكم في مصر.

وهكذا في الختام، يمكن القول أن جذور الاستبداد العربي تكمن في الهياكل الاجتماعية للمجتمعات العربية، الأمر الذي يجعل من نجاح النظام الديمقراطي الليبرالي أمرًا بالغ الصعوبة.

ما يجب أن يوضع في الاعتبار هو الحاجة لتطوير شكل أصيل من  الديمقراطية التي تقوم على لامركزية السلطة الاقتصادية والاجتماعية، بدلا من محاولة نسخ النماذج الغربية، والتي تطورت في أوروبا في سياق فريد من التجارب التاريخية.

فالسلطة لا يجب أن تنبع من مجلس برلماني منتخب وحده، ولكن من أجهزة أصغر تسمح للمواطنين العاديين بالتحكم في حياتهم.

الصراع بين الثوار والحكام المستبدين انحصر داخل الحدود الوطنية بشكل كبير حتى الآن، وهو الأمر الذي نراه آخذا في التحول بعد حشد الأنظمة الديكتاتورية لمواردها لمواجهة تلك الثورات مما يجعل المواجهة القادمة على مستوى إقليمي. وهو الأمر الذي يصنع معضلة كبيرة أمام الثورات العربية التي تعبر في الأساس عن تطلعات طبقات معينة داخل المجتمعات العربية مما يفقدها جاذبيتها خارج حدود بلادها وبالتالي يحد من قدرات تلك الثورات على توحيد جهودها في مواجهة الأنظمة المستبدة.

كل ذلك يعني أنه من المهم أن يفهم المصريون أن نضالهم من أجل الحرية لا ينفصل عن نضال شعب البحرين، والعكس بالعكس. من الخطأ أن يتم حصر الثورات العربية داخل أطر وطنية صرفة في هذه المرحلة. يجب ألا يحد النضال من أجل الحرية في العالم العربي أي حدود جغرافية، يجب أن ننظر إليه بكونه صراعا إقليميا بين الثورة والاستبداد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد