قبل مدة طويلة من التطبيع كانت النخب في الشرق الأوسط تستغل نفوذ تل أبيب في واشنطن؛ الأمر الذي يعود بالنفع على الطرفين، وذلك بحسب ما جاء في مقال للكاتب جوناثان هوفمان، والذي نشره موقع «مجلة ريسبونسبل ستيتكرافت» التابعة لمعهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة.

يشير الكاتب في مطلع مقاله إلى لقاء وزير الخارجية أنتوني بلنكين بنظيريه الإسرائيلي والإماراتي الأسبوع الماضي، لمناقشة قضايا إقليمية مثل البرنامج النووي الإيراني، ورغبتهم المشتركة في توسيع اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ«اتفاقيات إبراهام» التي بدأت في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وكذلك النظر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بوجه عام.

واقع جديد

وأوضح الكاتب أن وجود وزيري الخارجية الإسرائيلي والإماراتي في خطاب مشترك مع بلينكن ومؤتمر صحافي لاحق في وزارة الخارجية يعكس واقعًا جديدًا في واشنطن: دفعة موحدة أكثر رسمية من جانب تل أبيب وعدة دول عربية في المنطقة لتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وفقًا لمصالحهم المتبادلة.

Embed from Getty Images

ولفت الكاتب إلى أن الضغط الإسرائيلي، وغيرها من دول الشرق الأوسط للتأثير على سياسات واشنطن الإقليمية ليس بالأمر الجديد. لقد سعَت إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وغيرها من الدول منذ أمد بعيد إلى التأثير على سياسات واشنطن في المنطقة لخدمة مصالحهم الخاصة. وفيما يخص الدول العربية، فلطالما كانت مصالحها تتمحور حول الحفاظ على السلطة المطلقة على الصعيد المحلي في حين تعمل على قمع الشارع ودعم الوضع الجيوسياسي الإقليمي الراهن، وإبقاء الولايات المتحدة منخرطة بقوة في الشرق الأوسط باعتبارها الضامن الأمني للنظام السائد الذي يستفيدون منه.

وأما فيما يخص إسرائيل، ففضلًا عن الحفاظ على الوضع الإقليمي الراهن، فإنها تسعى حاليًا إلى «تطبيع» رفيع المستوى من أعلى إلى أسفل مع الدول العربية التي تهمِّش جزئيًّا الرأي العام العربي ومحنة الفلسطينيين. وفي اتفاقيات التطبيع هذه، التي بدأت في ظل إدارة ترامب والتي يُشار إليها باتفاقيات إبراهام، قد تستفيد إسرائيل أيضًا من التحوط الأمني المتطور ضد خصم مشترك: إيران.

تلاقي المصالح.. والجهود

ويرى الكاتب أنه لم تنجح أية دولة في بناء شبكة للتأثير على السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط أكثر مما فعلت إسرائيل. ومع ذلك تلاقت المصالح السياسية للنخب في إسرائيل ودول عربية عدة، ومعها كذلك كثير من جهود الضغط (اللوبيات). وعلى الرغم من أن مصالحهم ليست متطابقة في كل القضايا، يلفت التقرير إلى سعي عديد ممن وصفهم بالمستبدين العرب في الشرق الأوسط سعيًا حثيثًا إلى الاستفادة من مختلف عناصر الشبكة الإسرائيلية المؤثرة في واشنطن.

دولي

منذ 6 شهور
«جاكوبين»: الخروج من لوبيات واشنطن.. كيف تعيد السعودية تسويق نظامها الاستبدادي؟

ويبدو أن هذه المساعي بدأت تؤتي ثمارها: فعلى مدى السنوات العديدة الماضية، استخدم مختلف الأفراد والمنظمات التي تدعم مصالح إسرائيل نفوذها لحماية هذه الحكومات من انتقادات حقوق الإنسان والحفاظ على تدفق مبيعات الأسلحة من واشنطن، وشيطَنة الخصوم المحليين والإِقليميين.

وعلى الرغم من أن اتفاقيات إبراهام التي ترعاها الولايات المتحدة تمثل ذروة هذه الجهود، فإن هذه الجهود المنسَّقة للتأثير على السياسة الخارجية الأمريكية تسبق موجة «التطبيع» بين إسرائيل، والبحرين، والمغرب، والإمارات، والسودان. حتى أن إسرائيل تحاول استمالة الدول التي لم تزل لا تعترف رسميًّا بإسرائيل، وخاصة السعودية.

حملات مشتركة

وأضاف الكاتب أنه ليس صعبًا أن نجد أمثلة على حملات التأثير الجديدة تلك، فقد انخرطت الإمارات في تقديم خدماتها وأقامت علاقات مع منظمات ومراكز أبحاث معروفة مرتبطة بشبكة إسرائيل مثل اللجنة اليهودية الأمريكية، ورابطة مكافحة التشهير، ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والمعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، وغيرها. وقد أشاد مؤتمر «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)»، ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى، بقيادة الإمارات؛ لأنها «تلتزم بمحاربة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله»، وبأنها «متسامحة» و«تعددية».

Embed from Getty Images

وفي أغسطس (آب) الماضي، عقب توقيع اتفاقيات إبراهام، أعرب كل من منظمة الإيباك والسفير الإسرائيلي آنذاك رون ديرمر علانيةً عن دعمهما القوي لحصول الإمارات على الطائرات المقاتلة من طراز إف-35، في وقتٍ كانت صفقة الأسلحة الإماراتية تخضع للتدقيق في الكونجرس. وكشفت تقارير في وقت سابق من هذا العام أن إسرائيل كانت تخطط لممارسة ضغوط على الرئيس جو بايدن لدفعه لعدم الضغط على الإمارات، والسعودية، ومصر بشأن المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، وهو ما فعلته إسرائيل بالضبط، حسب ما أفادت تقارير في سبتمبر (أيلول)، محذرة الولايات المتحدة من الضغط الشديد على مصر والسعودية والمجازفة بدفعهما إلى الارتماء في أحضان روسيا وإيران.

وبالإضافة إلى ذلك افتتحت اللجنة اليهودية الأمريكية رسميًّا في شهر يونيو (حزيران) الماضي مكتبًا لها في أبوظبي، وألقى وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد كلمة أمام المنتدى العالمي، الذي بثت فعالياته عبر الإنترنت، للجنة اليهودية الأمريكية لعام 2021، وأعرب فيها عن حماسه للمكتب الجديد.

تطوير العلاقات

ونوَّه الكاتب إلى أن الإمارات، إلى جانب السعودية والبحرين، بدأت في تطوير العلاقات مع القادة اليهود البارزين والمسيحيين الإنجيليين داخل الولايات المتحدة. وتُمثل جهودٌ من هذا القبيل جزءًا من مشروع أشمل تتبعه هذه الحكومات للترويج لما يسمى بـ«الإسلام المعتدل» (أي الإسلام الذي تسيطر عليه الدولة) لجذب الغرب وشيطنة المعارضة الداخلية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 استضافت السعودية وفدًا من القادة الإنجيليين بقيادة جويل روزنبرج (استُقبِلوا في الإمارات في وقت سابق). وزار وفد مماثل ضم القس جوني مور (الرئيس المشارك آنذاك للمجلس الاستشاري الإنجيلي للرئيس دونالد ترامب) المملكة مرةً أخرى في سبتمبر 2019. وفي يناير (كانون الثاني) 2020 كان الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الممولة سعوديًّا، محمد العيسى، على رأس وفد من كبار العلماء المسلمين برفقة ممثلين عن اللجنة اليهودية الأمريكية في زيارة غير مسبوقة إلى موقع معسكر اعتقال أوشفيتز في بولندا.

Embed from Getty Images

وفي وقت سابق من هذا الشهر سافر مسؤولون من البحرين إلى مدينة نيويورك، واستضافَهم قادة الجالية اليهودية المحلية واجتمعوا مع مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى. وأثناء وجودهم في الولايات المتحدة، شجَّع هؤلاء المسؤولون الاستثمار والسياحة اليهودية في البحرين وأكَّدوا على قلقهم المشترك بشأن التهديد الإقليمي الذي يُزعم أن إيران تُشكِّله.

دعم ومناصرة

وتطرَّق الكاتب إلى الجهود المضنية التي بذلتها عناصر من الشبكة الإسرائيلية للدفاع عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أعقاب مقتل الصحافي جمال خاشقجي، فقد هرع جوش بلوك، الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة الضغط «مشروع إسرائيل» – على سبيل المثال – إلى موقع «تويتر»، ووصف خاشقجي بأنه «حليف إرهابي إسلامي متطرف كان مقربًا من أسامة بن لادن، و«داعش»، وحماس، وأراد الإطاحة بأفراد العائلة المالكة في السعودية، التي تواجه الإرهابيين السنَّة الذين ترعاهم تركيا وقطر، وكذلك الجيوش الإرهابية الشيعية وحلفاء إيران».

وفي غضون ذلك سعَت منظمة «إيباك» إلى حماية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على الرغم من قيادته الانقلاب العسكري عام 2013 الذي أطاح أول رئيس منتخب ديمقراطيًّا في البلاد، وعلى الرغم من القمع الدموي الذي أعقب ذلك، بحسب وصف التقرير. وبالإضافة إلى التحذير من النقد المفرط لسجل السيسي في مجال حقوق الإنسان، أطلقت المنظمة حملة ضغط لمنع واشنطن من قطع المساعدات العسكرية للقاهرة بسبب الانقلاب.

دولي

منذ شهرين
«واشنطن بوست»: ما الشروط التي وضعتها إدارة بايدن للإفراج عن المعونة المصرية المُجمّدة؟

وأشار الكاتب إلى أن أحدث عضوين في جهود الضغط تلك هما الدولتان اللتان دخلتا مؤخرًا في مسار التطبيع مع تل أبيب، وهما المغرب والسودان. فقد حضر وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة مؤخرًا مؤتمر «إيباك»، حيث أعرب عن حماس الرباط للتواصل مع إسرائيل وضرورة مواجهة أنشطة إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار. وأفادت تقارير أن إسرائيل مارست ضغطًا شديدًا على إدارة ترامب للاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وهو الاعتراف الذي رفضته واشنطن منذ احتلال المغرب للمستعمرة الإسبانية السابقة في عام 1975، وذلك في مقابل تطبيع العلاقات مع تل أبيب.

وعلى نحو مماثل اضطلعت إسرائيل بدور أساسي في إقناع إدارة ترامب برفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل التطبيع، وسعَت جاهدةً إلى أن يوافق الكونجرس على مشروع قانون من شأنه أن يعطي السودان حصانة مستقبلية من الدعاوى القضائية لضحايا الإرهاب في الولايات المتحدة.

ويُجمل الكاتب في ختام مقاله بالقول إن هذه الأمثلة توضح جليًّا أن المستبدين العرب في جميع أنحاء الشرق الأوسط بذلوا قصارى جهدهم لتسخير قوة شبكة إسرائيل ونفوذها في العاصمة الأمريكية للمساعدة في ضمان سلطتهم المحلية ومواقعهم الإقليمية، لافتًا إلى أن وصولهم إلى هذه الشبكة القوية أمر يتوقون إليه بشدة، في وقتٍ تواصل فيه واشنطن مناقشة تقليص وجودها العسكري القيادي في المنطقة من عدمه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد