تعكس الاتجاهات الأكاديمية في الشرق الأوسط ـ في كثير من الأحيان ـ انحسار، وتدفق السياسة الإقليمية. خلال التسعينات، استلهم الكثير من الباحثين الإلهام من المنحة الغربية المزدهرة على المجتمع المدني، والتي نظرت إلى الجمعيات التطوعية، ورأس المال الاجتماعي، باعتبارهما من أهم دعامات الديمقراطية السليمة.

بالاعتماد على مثل هذا العمل أنتج المتخصصون العرب الدراسات المثيرة التي تناولت المجتمع المدني ـ الذي يُعرف بأنه القطاع التنظيمي للحياة العامة المميزة للأسرة، والسوق، والدولة ـ في مختلف الدول العربية، مثل: الجمعيات الخيرية الإسلامية، ومقدمي الخدمات، والنقابات العمالية، ولجان الطلاب، ومنظمات حقوق الإنسان.

لم يكن مثيرًا للجدل الإشارة إلى أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تكون مقدمة لثورة ديمقراطية جديدة في الشرق الأوسط، في الوقت الذي كانت فيه الشيوعية لا تعاني فقط من هزيمة ألفية، ولكن ـ أيضاً ـ كان المفكرون في كل مكان يدعون للعودة إلى العمل التطوعي الاجتماعي، والقيم المدنية.

قدم دعم منظمات المجتمع المدني أيضًا طريقه إلى السياسة الخارجية الغربية، وسرعان ما أصبح منح مساعدات خارجية كبيرة إلى الفئات الاجتماعية (العلمانية) جزء طبيعيًا من الاستراتيجية الشاملة لتعزيز التغيير الديمقراطي التدريجي.

وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومع ذلك، فقد تبددت عقيدة الألفية. وكما فشلت التحولات الديمقراطية في أن تتحقق في العالم العربي، فقد المراقبون الإقليميون الإيمان في المجتمع المدني. لقد رأوا كيف وظف العديد من الحكومات الاستبدادية آلية جديدة قوية من التعاون والإكراه؛ لإعاقة العديد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التطوعية التي احتشدت؛ لإجراء إصلاحات ديمقراطية.

وهكذا وحتى اندلاع الربيع العربي، كانت مواضيع مثل القمع السياسي والتلاعب الانتخابي أكثر شيوعًا بكثير من دراسة المجتمع المدني بين علماء الاجتماع في منطقة الشرق الأوسط.

أعاد الربيع العربي تدوير العملية، وبينما أطاحت الثورات الشعبية بالمستبدين الذين قضوا فترات طويلة في الحكم ـ في تونس ومصر وليبيا واليمن ـ في ظل التعبئة الجماهيرية غير المسبوقة، والتي هزت شوارع العديد من البلدان الأخرى، توجه المراقبون في الشرق الأوسط ـ مرة أخرى ـ من الدولة إلى المجتمع باعتباره الحكم في التغيير.

وقد ظهرت دراسات جديدة تقرع الطبول للقدرة الديمقراطية للمجتمع المدني، وذلك باستخدام لغة أكثر حذرًا من سابقاتها، ولكن مع حس تفاؤلي أقل فيما يتعلق بقدرة المنظمات المدنية على منح بصمة التغيير الليبرالي.

هذه التذبذبات النظرية بين الدولة والمجتمع تقول المزيد عن ميول الاتجاهات الأكاديمية أكثر من الحقائق التجريبية على أرض الواقع. في الواقع، لعب المجتمع المدني مجرد دور ثانوي في هذه الثورات التاريخية.

في الواقع شاركت النقابات العمالية في الثورتين التونسية والمصرية، وسارعت المنظمات غير الحكومية لتحقيق الاستقرار في الحكومات الجديدة في ليبيا واليمن، وشهدت شوارع المغرب والأردن احتجاجات ميزة من الإسلاميين والأحزاب والنقابات. ومع ذلك، وكما توثق المئات من الكتب الآن، فإن القوة الدافعة وراء الربيع العربي لم تأت من الوجهات الثورية المعتادة.

لا اليساريون ولا الإسلاميون، ولا المنظمات الممولة من الغرب ولا منظمات حقوق الإنسان، ولا النخب الفكرية ولا أحزاب المعارضة أثارت هذه الثورات الوطنية. بدلًا من ذلك، تولد الانفجار من العالم غير الرسمي، من المواطنين العاديين المرتبطين بالتكنولوجيا والذين تربطهم قواعد مشتركة. تمكن هؤلاء المواطنون من تحدي وضعهم الدكتاتوري الراهن إلى درجة لم تستطع منظمات المجتمع المدني أن تحققها وحدها.

المجتمع المدني العربي بعد الربيع العربي

في الماضي، تمت الإشارة إلى المجتمع المدني؛ باعتباره منظمات وجماعات تتمتع بقيادة مؤسسية، وبنية تحتية هرمية، ودعم مالي، وتقارب أيديولوجي رسمي.

إذا كان هذا التعريف عصيا، فإنه سيكون من السهل إعادة إنتاج الممارسات السابقة، وتقييم حجم وكثافة ونشاط كل مجتمع مدني وطني من خلال أمر واقعي من الملاحظات والتدابير.

على سبيل المثال: في ظل الاستبداد الجديد من الرئيس السيسي في مصر، فإننا قد نقوم بإحصاء عدد من المنظمات المسجلة مع الحكومة، وتتبع مصادر تمويلها، وتحديد ميلها لحقوق الإنسان والليبرالية، ومن ثم تقييم ما إذا كانت هذه الجهات والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات الخيرية الاجتماعية والأحزاب السياسية، قد صمدت أمام الهجمة الشرسة للقمع بعد تجديده.

ومن شأن هذا المسح أن يجد المجتمع المدني العربي عمومًا أضعف. يستمر القطاع الرسمي للجمعيات التطوعية في إظهار وإعادة إنتاج الهياكل القانونية الأوسع والظروف السياسية التي تحيط به.

للتأكد، في البلدان التي شهدت ازدهار الحرية السياسية بعد نهاية الديكتاتوريات، مثل تونس وليبيا، ظهر العديد من المنظمات غير الحكومية الجديدة. في مكان آخر، الوضع يثير أملًا ضئيلًا. في اليمن المنكوبة بالحرب وسوريا، توقف العديد من الجماعات والمنظمات عن العمل؛ نظرًا لظهور العنف وندرة المواد.

وقد أغلق عدد ليس بالقليل من المنظمات في مصر والبحرين؛ بسبب المعارضة المناهضة للنظام، ويشمل ذلك عدد أكثر من منظمات حقوق الإنسان. (تفكيك جماعة الإخوان المسلمين في مصر ينافس الحملات المعادية للإسلاميين في عهد عبد الناصر قبل نصف قرن من الزمان.) في دول مغلقة، حيث لم تسمح القوانين القائمة لكثير من تعددية الحكم الذاتي في المقام الأول، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، لا يزال المجتمع المدني وليدًا.

وحيث تفننت الأنظمة طويلًا في كيفية الجمع بين القوانين الترابطية المتسامحة مع حكم غير منتخب، مثل: المغرب، والأردن، والكويت، لا يزال هناك الآلاف من الجمعيات المستقلة والذاتية التي تعمل من أجل التغيير الإيجابي ، ولكن مع فرصة ضئيلة من النجاح كما كان من قبل.

الأردن هو حالة نموذجية: في حين لا يزال المواطنون هناك لديهم الحق النظري لتنظيم كل شيء: من جماعات حقوق المرأة إلى النوادي السياسية، تجعل مجموعة معقدة من قوانين مكافحة الإرهاب، أي: نوع من التعبير العلني الجريء، عرضة للمحاكمة.

ومع ذلك، ماذا لو تم تحرير مفهوم المجتمع المدني من مضمونه الشكلي وحدوده الموجهة من الغرب؟ إذا كانت الساحة المدنية لتشمل، ليس فقط المنظمات المادية، ولكن القطاع غير الرسمي ـ النشاط العام الذي أفرزه الربيع العربي ـ إذن سيجد الاستكشاف الإقليمي إطارًا عامًا واعدًا وأكثر تعقيدًا.

يمكن رؤية المجتمع المدني برؤية أكثر عمقًا في ثلاث طرق رئيسة:

أولا: سيقبل طائفة أوسع بكثير من القوى الاجتماعية مع البرهنة على القدرة على تعبئة المقاومة في الأماكن العامة. هذه الكيانات سيتم افتقادها من قبل العلماء المسلحين بالمعايير القديمة مثل التوجه الأيديولوجي، والموارد التنظيمية.

خلال الربيع العربي، جاءت المعارضة والنضال من شبكات الإنترنت، ودوائر الحي، والشباب غير المنتمين الذين أثبتوا قدراتهم ببساطة، عن طريق رفض الانصياع لإملاءات الحكومة للتفريق، عندما نادوا بالاحتجاج. وعلاوة على ذلك، كانت هذه الجهات الاجتماعية الجديدة لا تتعارض مع الجهات الفاعلة التقليدية مثل النقابات، كما يتضح من التحالف الناجح مع العمال والإسلاميين خلال الثورتين التونسية والمصرية.

ثانيًا: هذه الرؤية الأعمق للمجتمع المدني تغفل التصنيفات السهلة؛ لكونه “قويا” أو “ضعيفا”. في السابق، كان يمكن للعلماء أن يروا على الفور تواجد غياب النشاط التنظيمي، ومن هناك، يحكموا إذا كان المجتمع المدني صحيا أم لا.

ألقى الربيع العربي بقواعد اللعبة خارج النافذة. على سبيل المثال: أظهرت ثورة الياسمين التي أطاحت بحكم بن على أنها لم تحدث في فراغ تاريخي. كان العديد من المتظاهرين الذين شاركوا في المظاهرات في أواخر ديسمبر 2010 ممن تم تشكيلهم بعمق عن طريق الاحتجاجات والإضرابات الماضية: إما عن طريق المشاركة المباشرة، أو من التعلم، وهكذا جاءوا في هذه الفترة الجديدة من الانتفاضة برؤية قوية للظلم الذي ساعد في إقناع كثيرين آخرين للانضمام إليهم في إسقاط جهاز الدولة الدكتاتوري.

أخيرًا، هذه الرؤية العميقة للمجتمع المدني لها طابع وطني بشكل قوي. التيارات التكنولوجية تشكل الطرق التي يتحرك بها النشطاء لدرجة لا يمكن لمنظري المجتمع المدني من الأجيال السابقة أن يتصوروها أبدًا.

خلال الربيع العربي وصل المحتجون عبر الحدود ـ على حد سواء في العالم العربي، وبالخارج إلى المناطق الأخرى ـ إلى تعلم أساليب جديدة من المقاومة السياسية؛ لتعميم المعلومات والأخبار الحيوية، لتوليد قواعد مشتركة للتضامن، وإلى نقل ممارسات حكوماتهم المسيئة للجماهير الخارجية. هذه الروابط الخارجية تجعل الأفكار القديمة من المجتمع المدني، مع نكهتها المحلية، عتيقة.

اليوم، في حين أن الفاعلين الاجتماعيين يستجيبون دائمًا ـ أولا وقبل كل شيء ـ للمخاوف المحلية، فإن ذخيرتهم من النضال تتضمن الابتكارات في المقاومة ونشر التمرد في كل مكان آخر.

لم تفلح التدابير التي اتخذتها الحكومات الاستبدادية: مثل الإغلاق المفاجئ لشبكة الإنترنت (كما فعلت مصر في يناير 2011) أو فرض رقابة صارمة على الانترنت (كما تفعل العديد من الدول). سيجد النشطاء وسيلة للوصول إلى الأفكار، والعثور على الإلهام، وجمع الموارد خارج حدودهم القانونية.

من ناحية أخرى، نفوذ القوى الإقليمية والدولية يمكن أن يقطع الطريق بطريقة عكسية. في الأردن، على سبيل المثال، التعليق الحالي من قبل العديد من حركات المعارضة الجديدة التي حركت احتجاجات 2011-2012 ، مثل شبكات الشباب القبلية المعروفة باسم حراك، يرتبط مباشرة بالمذابح التي تحدث في سوريا والعراق.

أصبح بعض الناشطين الشباب يخشون من عواقب إثارة الكثير من الاضطرابات، في الوقت الذي يستنزف فيه أكثر من مليون لاجئ سوري الموارد العامة، وقد كبدت التدخلات العسكرية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الأردن الكثير على الصعيد البشري والاقتصادي.

وقد أعطى هذا التأثير السلبي النظام الأردني مهلة مؤقتة من القاعدة الشعبية المعارضة غير المسبوقة التي أخذت مركز الصدارة خلال 2011-2012.

تغافل الكثير من الأردنيين عن الاحتجاجات، ليس لأنهم قبلوا الوعود الملكية الفاترة بتحقيق إصلاحات ديمقراطية، أو لأنهم لم يعودوا يعتقدون أن المثل العليا، مثل العدالة الاقتصادية والحقوق السياسية، تستحق القتال من أجلها.

بدلا من ذلك، فإن النظام الاستبدادي فاق الاضطرابات الشعبية؛ لأن دول الجوار تنهار في حرب أهلية.

تشير هذه التقييمات إلى أنه يجب علينا التوقف عن قطف الثمرة المعلقة عند التعامل مع المجتمع المدني في العالم العربي. منظمات رسمية يمكن دراستها بسهولة، لكنها وحدها لن تحدث التحول الديمقراطي: تاريخ الصياغة النظرية للمجتمع المدني في الشرق الأوسط هي دليل على ذلك.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد