أصدر عبد الله أنس وتام حسين مؤخرًا كتاب «إلى الجبال: رحلتي في الجهاد، من الجزائر إلى أفغانستان To the Mountains: My Life in Jihad, from Algeria to Afghanistan»، وهو عبارة عن مذكرات مُكرَّسةٍ في أساسها لسرد دور المُتطوِّعين العرب الذين حاربوا إلى جوار المجاهدين الأفغان ضد المُحتلِّين السوفييت في الثمانينيات. ويعتقد جاسون بورك، مُراسل صحيفة «الجارديان» البريطانية، أن مكان وزمان رواية الأحداث يخلقان مناخًا مثاليًا لبدء دراسة الكيفية التي وصلنا بها إلى ما نحن عليه اليوم من تشدُّدٍ إسلامويٍ عنيفٍ، وهو السؤال الذي يراه بورك مُهمًا بدرجةٍ تتخطى أهمية التسلسل الزمني للأحداث.

مترجم: لماذا تخسر أمريكا حربها ضد الجهاديين منذ 2001؟

أفاد بورك أنَّ بعض المُعلِّقين، الذين ينتمون عادةً إلى يمين الطيف السياسي، يرون أن بداية هذا التشدُّد الإسلاموي تعود إلى القرن السابع الميلادي في حياة وتعاليم النبي مُحمَّد والنصوص الأولى للإسلام. ولذلك التوجُّه معنى ضمني واضح: وهو افتراض أن الديانة الإسلامية تُولِّد أو تُشجِّع على العنف.

في حين نسب مُعلِّقون آخرون، ينتمون إلى اليسار على الأغلب، أصول موجة العنف السائدة اليوم إلى ما حدث بعدها بنحو 1100 عام. إذ يرون أنها حدثت نتيجة قهر وإهانة واستغلال قطاعٍ كبيرٍ من العالم الإسلامي على يد القوى الأوروبية. لكن هذا الخيار لا يُعَدُّ مُحايدًا بشكلٍ واضحٍ من وجهة نظر صحافي «الجارديان».

ويرى بورك أن عبد الله أنس مُؤهَّلٌ تمامًا لوصف هذا السنوات. إذ أنَّه كان من بين «الأفغان العرب» الأوائل، فضلًا عن موقعه في قلب عمليات دعم المُجاهدين في معاركهم. وهو المساعد المُقرَّب لعبد الله عزام، الناشط والداعية والواعظ الفلسطيني الراحل الذي كان من بين المُفكِّرين التأسيسيين للفكر الجهادي المُعاصر، وهو أيضًا صهره.

«ذي أتلانتيك»: لماذا لا يجب إغلاق «جهادولجي» أكبر موقع لأرشيف الجهاديين؟

وأضاف بورك أنَّ أنس، المُقيم في لندن منذ منتصف التسعينيات، يعتقد أن مُعتنقي مذهب الإرهاب الإسلاموي الدولي المعاصر حرَّفوا وشوَّهوا تعاليم والد زوجته الراحل الذي اغتيل عام 1989. ويقول أنس في كتابه، الذي كتب الصحفي تام حسين جزءًا كبيرًا منه، إنَّ أسامة بن لادن وعددًا من الشخصيات البارزة في تنظيم القاعدة رفضوا ما وصفه بتعريف عزام الأكثر اعتدالًا للجهاد.

ويُرجّح بورك واقعية هذا الطرح، إذ لم يُشجّع عزام صراحة على نوعية الإرهاب التي شهدناها في السنوات الأخيرة، لكن رأيه القائل بأن كل المسلمين مُلزمون بالدفاع عن المؤمنين حول العالم بغض النظر عن مكان وقوع الهجوم كان عاملًا رئيسيًا في تشكيل تلك الرؤية التي تشكلت في الثمانينيات، وتمخَّضت عن قوةٍ عالميةٍ من المُسلَّحين الذين يُحاربون الغرب وغيره من أعداء المؤمنين.

ثم يأتي دور المصري عمر عبد الرحمن، الذي يرسمه أنس في صورة الرجل العجوز الطيب الذي سُجِنَ ظُلمًا داخل الولايات المتحدة بسبب دوره في تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 على يد المُتشدِّدين الإسلاميين. وهو دفاعٌ مُتمادٍ يُقوِّض مصداقية أنس من وجهة نظر بورك، لأنَّ عبدالرحمن كان الزعيم الأيديولوجي للجماعة المصرية المُتشدِّدة التي أدارت حملة عُنفٍ عشوائيةٍ راح ضحيتها آلاف القتلى، وتُوجت أعمالها في مذبحةٍ أودت بحياة 58 سائحًا وأربعة مواطنين محليِّين بالأقصر عام 1997. ووصف عبد الرحمن الأمريكيين في خُطبه بـ«أحفاد الخنازير الذين يقتاتون على موائد الصهاينة والشيوعيين والاستعماريين» وحث المسلمين على «قتلهم في البحر والجو والبر».

دراسة جديدة: قادة الجهاديين درسوا العلوم أكثر من الشريعة

لكن بورك يرى أيضًا فائدة مُذكِّرات أنس في هدم المغالطة المنتشرة بأن الأفغان العرب كان لهم دورٌ بارزٌ في هزيمة السوفييت في الثمانينيات. إذ قال أنس أن أعدادهم وصلت إلى 15 شخصٍ فقط عام 1983، ولم تتخطَّ 300 أو 400 شخص في أحسن الأحوال. فضلًا عن أن عددًا قليلًا منهم شارك في العمليات القتالية، وعددًا أقل كان يُجيد القتال.

وأوضح أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لم يكُن لها دورٌ مباشرٌ في تدريب أو تمويل أو تسليح هذه القوة الضئيلة، بحسب تقرير «الجارديان». واتضَّح الآن كذب فكرة كون تنظيم القاعدة وحشًا خلقه العملاء الأمريكيون، بمُختلف تأويلاتها، بعد 20 عامًا من تأسيسه.

وذكر بورك أن المُختصُّين والباحثين سيستمتعون بالشهادات الواردة في الكتاب عن الجدالات بين الفصائل الأفغانية المُختلفة، والتفاصيل الشخصية المُتعلِّقةٍ بالشخصيات البارزة خلال تلك الفترة، وسينظرون إلى الكتاب حسب طبيعته كعملٍ غير موضوعيٍ وجزئي. لكن الكتاب ليس صالحًا لعموم القُرَّاء، بحسب بورك، رغم محاولات حسين الشُجاعة لكتابة عملٍ يسهل فهمه وقراءته.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد