نشر موقع «ميدل إيست آي» الإخباري مقالًا للكاتب جوزيف مسعد، أستاذ السياسة العربية الحديثة والتاريخ الفكري بجامعة كولومبيا، ألقى فيه الضوء على تاريخ سري طويل من التعاون بين الحُكَّام العرب وقادة إسرائيل، مُشيرًا إلى أنه لطالما قدَّمت أنظمة العالم العربي مصالحها الخاصة على مصالح الشعب الفلسطيني.

استهل الكاتب مقاله بالقول إنه خلال الشهر الماضي، سعى القادة الإسرائيليون إلى إقامة علاقات وتحالفات أوثق مع البلدان العربية، لا سيما دول الخليج العربي والمغرب والسودان. وقِيل لنا إن هذه الدول قد هبط عليها الوحي وأدركت مؤخرًا أن إسرائيل، على عكس إيران، دولة صديقة وليست عدوًّا. وقد ظهر ذلك جليًّا من خلال التغيُّر الكبير في مواقف الأنظمة العربية، والتي كانت دائمًا على ما يبدو ترفض إقامة أيِّ علاقاتٍ مع إسرائيل من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية. لكن يبدو أن هذه المواقف كانت صرحًا من خيالٍ فهوى؛ إذ حَافظَ معظم القادة العرب والعائلات الحاكمة  في القرن العشرين على علاقات ودِّية مع إسرائيل والحركة الصهيونية من قبلها.

روايات مُزيَّفة

قدَّمت بعض الأنظمة العربية والإسرائيليون تلك الروايات المزيَّفة المناهضة للتعاون العربي الإسرائيلي، وطرح ذلك المثقفون العرب المؤيدون لإسرائيل الذين ادَّعوا أن الأنظمة العربية رفضت إسرائيل بصورة غير عادلة، بل إن هذه الأنظمة خاضت الحرب ضد إسرائيل بناءً على طلبٍ من الفلسطينين بدلًا من تقديم مصالحها الوطنية أو مصالح أنظمتها الحاكمة.

وألمح التقرير إلى أن هذا النمط من التفكير يوضح أن الوقت قد حان أخيرًا لأن تُقدم الحكومات العربية مصالحها الخاصة على مصالح الفلسطينيين، وكأن هذه الدول كانت تعطي الأولوية للمصالح الفلسطينية من قبل.

وقد أعرب القائد العسكري السوداني، عبد الفتاح البرهان، عن هذا مؤخرًا بعد لقاء عقده مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في أوغندا قبل أسبوعين. وجدير بالذكر أن هذا الاجتماع لم يكن الأول من نوعه بين المسؤولين السودانيين وإسرائيل.

وأضاف الكاتب أنه قد حدثت مبادرات سرية في مطلع خمسينيات القرن الماضي حينما كانت السودان ما تزال تحت الحكم البريطاني والمصري؛ إذ سعى حزب الأمة إلى الحصول على تأييد إسرائيل له لتحقيق استقلال السودان. وعقب حصول السودان على استقلاله، عقد رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل وجولدا مائير، رابع رئيس وزراء لإسرائيل، اجتماعًا سريًّا في العاصمة الفرنسية باريس عام 1957.

Embed from Getty Images

وفي بداية الثمانينيات التقى الرئيس السوداني حينها، جعفر نميري، بمسؤولين إسرائيليين وسهَّل نقل اليهود الإثيوبيين إلى الأراضي المحتلة ليصبحوا مستوطنين للأراضي الفلسطينية.

وفي مطلع عام 2016، بينما كان الرئيس عمر البشير ما يزال في منصبه، سعى وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، إلى رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على بلاده بأن عرَض إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل. وعندما سئل البرهان مؤخرًا عن لقائه الأخير مع نتنياهو وعلاقات التطبيع، جاء ردَّه أن العلاقات مع إسرائيل قائمة على «المصالح القومية والأمنية للسودان» في المقام الأول.

ويُعد تاريخ اتصالات قادة السودان بإسرائيل فريدًا من نوعه، وفي الواقع يعود التعاون بين العرب والحركة الصهيونية إلى بداية وصول المسؤولين الصهاينة إلى فلسطين.

علاقات وديَّة

وتُقلِّب الكاتبة صفحات التاريخ وصولًا إلى يوم 3 يناير (كانون الثاني) 1919، أي قبل أسبوعين من بدء مؤتمر باريس للسلام، لتشير إلى أن الأمير فيصل الحسين، الذي أصبح ملك مملكة الحجاز لوقت قصير ثم ملك العراق، وقَّع اتفاقًا مع رئيس منظمة الصهيونية العالمية، حاييم وايزمان، وافق فيها فيصل على إقامة مستعمرة ذات أغلبية يهودية في فلسطين مقابل أن يصبح ملكًا لمملكة عربية كبيرة ومستقلة في جميع أنحاء سوريا.

وبينما أمر الاستعمار الفرنسي الملك فيصل بن الحسين بمغادرة سوريا (وبذلك انتهت الملكية في سوريا عام 1920)، أخفق الاتفاق، الذي استخدمه الصهاينة في مؤتمر باريس للسلام للمطالبة بخططهم لإقامة مستوطنات استعمارية في فلسطين، والتي حازت موافقة القادة العرب، إخفاقًا ذريعًا. وقد سعى الأمير عبد الله، شقيق الأمير فيصل، إلى إقامة علاقات تعاون مدى الحياة مع الصهاينة، أملًا في أن يسمحوا له بأن يكون ملكًا على فلسطين وشرق الأردن، على أن يُمكِّنهم من تحقيق أهدافهم، إلا أن هذا التعاون أدَّى إلى مقتله في عام 1951.

وأكد التقرير أن الحفيد، الملك حسين، ملك الأردن، سمح بأول لقاءات سرية بين أحد جنرالات جيشه والإسرائيليين عام 1960 في القدس. وفي عام 1963، التقى الملك حسين ذاته مع الإسرائيليين سرًّا في مكتب الطبيب الخاص به في لندن، ثم بحلول منتصف السبعينيات كانت لقاءاته السرية مع القادة الإسرائيليين تُعقد بانتظام داخل إسرائيل.

Embed from Getty Images

وكانت صداقة الملك حسين مع رئيس الوزراء، إسحاق رابين، واضحة على نحو كبير خلال جنازة الأخير في عام 1994، علمًا بأن رابين ذاته هو الذي طرد السكان الفلسطينيين من مدينة اللد عام 1948، وانتهج سياسة تكسير العظام ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة عام 1987. وكان المبرر الذي اتخذه الملك حسين لاتصالاته  السريَّة مع المسؤولين الإسرائيليين هو الحفاظ على عرشه، والذي خلط بينه وبين المصلحة الوطنية للأردن، ضد ضغوط الرئيس المصري جمال عبد الناصر وسلطة التحرير الفلسطينية لاحقًا.

التحالفات الصهيونية

وإلى جانب أمراء المملكة الهاشمية وملوكها، تحالفت الكنيسة المارونية في لبنان، فضلًا عن زعماء الجناح اليميني الماروني الفاشي مثل حزب الكتائب، مع الصهاينة منذ منتصف الأربعينيات. وتستمر هذه التحالفات حتى يومنا هذا من أجل إقامة جمهورية مسيحية طائفية في لبنان على غرار المستعمرة الاستيطانية اليهودية.

وبحلول أوائل الخمسينيات، التقي القوميون التونسيون من الحزب الحر الدستوري الجديد بممثلين إسرائيليين في الأمم المتحدة لمساعدتهم في الحصول على الاستقلال من الاحتلال الفرنسي، مع استبعاد طبيعة إسرائيل الاستعمارية، وعقب ذلك حَافظَ الزعيم التونسي المستبد، الحبيب بورقيبة، على هذه العلاقات الوديَّة مع إسرائيل حتى نهاية حكمه عام 1987.

أمَّا في الستينيات، كانت إسرائيل تدعم جهود المملكة العربية السعودية في الحفاظ على حكم الإمامة في اليمن ضد الجمهوريين، ونقلت إسرائيل الأسلحة والأموال جوًّا إلى مناصري الملكية في اليمن.

وألمح التقرير إلى أن أعمق العلاقات في شمال أفريقيا كانت بين إسرائيل والراحل الملك حسن الثاني، ملك المغرب. إذ التقى، في أواخر الخمسينيات، القادة الإسرائيليون بالمسؤولين المغاربة، وكان يتعين الحفاظ على العلاقات الوديَّة العميقة حتى يعتلي الملك حسن العرش. ومنذ عام 1960 فصاعدًا، نُقِل الإسرائيليون اليهود المغاربة بموجب اتفاقات سريَّة مع المغرب حتى يصبحوا مستوطنين للأراضي الفلسطينية.

العلاقات المغربية

نوَّه التقرير إلى أنه بحلول عام 1963 أبرم الوزير المغربي، محمد أوفقير، اتفاقًا مع المسؤولين الإسرائيليين لتدريب عملاء الاستخبارات المغاربة، كما ساعدت إسرائيل المغرب أيضًا في تعقب قادتها المعارضين، لا سيما مهدي بن بركة، الذي اعتقلته المخابرات المغربية وقتلته عام 1965. وبالإضافة إلى ذلك، دعا الملك الحسن الثاني إسحاق رابين لزيارة المغرب سرًّا عام 1976.

Embed from Getty Images

وفي عام 1986 لم تعد هناك أسباب لعقد اللقاءات سرًّا، إذ زار شيمون بيريز المغرب وسط ضجة كبيرة، وفي عام 1994 تبادل المسؤولون في كلٍّ من المغرب وإسرائيل الزيارات الرسمية.

وفي عام 2018 التقى نتنياهو بوزير الخارجية المغربي سرًّا في الأمم المتحدة لعقد المحادثات. وخلال الأسابيع القليلة الماضية عرضت إسرائيل على المغرب مساعدتها لضمان اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل إقامة علاقات تطبيع رسمية مع إسرائيل وتأييد «صفقة القرن» التي أعدَّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأشار التقرير إلى وجود علاقات كبيرة بين الطبقات السياسية والتجارية في مصر وإسرائيل، موضحًا أن هذه العلاقات أصبحت عامة ومُعلنَّة منذ أواخر السبعينيات. ومنذ عام 1991 أصبحنا نرى المسؤولين الإسرائيليين والرياضيين يزورون معظم دول الخليج العربي علانيًة، لا سيما قطر، والبحرين، والإمارات العربية المتحدة، وعمان، ويزورون المملكة العربية السعودية سرًّا، ولا يمانعون فتح مكاتب للاتصال أو للتجارة مع هذه البلدان.

إسرائيل العدو الأول للشعوب العربية

 وشدد التقرير على أن العلاقات العربية مع إسرائيل، سواء كانت علاقة عدائية أو وديَّة، لم تكن محكومة بمصالح الشعب الفلسطيني مطلقًا، بل بالأحرى كانت تحكمها مصالح الأنظمة الحاكمة في تلك الدول، والتي دائمًا ما يُساء تعريفها على أنها مصالح «قوميَّة».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 10 شهور
«إنما للسِّلم حدود».. قصة المجند المصري الذي قتل 21 ضابطًا إسرائيليًّا

وقد تزامن الفصل الأخير من قصة حب هذه الأنظمة العربية لإسرائيل مع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام واتفاقات أوسلو في عام 1991، التي حوَّلت القيادة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى وكالة للاحتلال العسكري الإسرائيلي، وهذا دليل على جهود إسرائيل المتواصلة لاستقطاب النخب السياسية والتجارية والفكرية العربية، بل هو دليل أيضًا على مدى قابلية هذه النخب للاستقطاب واستمرار تلك المحاولات.

واختتم الكاتب تقريره بقوله إنه على الرغم من نجاح إسرائيل في مهمتها فيما يتعلق بالنخب السياسية والتجارية، فإنها فشلت فشلًا ذريعًا في استقطاب الطبقة الفكرية العربية، باستثناء أولئك الذين يتقاضون رواتبهم من الأنظمة الخليجية والمنظمات غير الحكومية المُموَّلة من الغرب. كما لم تتمكن إسرائيل من اكتساب أي شعبية في أوساط الجماهير العربية التي ترى، على عكس الأنظمة العربية، أن المصالح القومية واحتلال الأراضي الفلسطينية لا ينفصلان على الإطلاق، وترى أيضًا أن إسرائيل العدو الأكبر لكل العرب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد