«جمهورية كأنَّ».. في ظل « الحقائق الكاذبة»؛ تؤجل أي نهاية سعيدة للربيع العربي.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مراجعة كتبها كيفن بلانكنشيب، أستاذ اللغة العربية في جامعة بريجهام يونج في الولايات المتحدة، لآخر ما خطَّه قلم الروائي المصري علاء الأسواني، وهي رواية «جمهورية كأنَّ» التي صدرت نسختها المترجمة إلى الإنجليزية في شهر أغسطس (آب) الحالي.

غليان يمهِّد لثورة 25 يناير

يبدأ الكاتب بالقول: «استبداد»، هذه الكلمة العربية التي ما زلتُ أذكرها منذ آخر لقاء جمعني بعلاء الأسواني، طبيب الأسنان ومؤلف الرواية الأكثر مبيعًا، «عمارة يعقوبيان». تعني هذه الكلمة العربية: الديكتاتورية، وهي مشتقة من أصل كلمة استبد بالأمر بمعنى انفرد به مِن غير مُشاركٍ له فيه، وهو مصطلح يليق بمؤلف كرَّس عمله لمحاربة الطغيان والحكم الشمولي.

دولي

منذ شهرين
«المونيتور»: كيف توازن السعودية بين دعم مصر في أزمة سد النهضة وعلاقاتها مع إثيوبيا؟

وكنتُ أدرس اللغة العربية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وكان الأسواني يحاضر في السياسة ويُدِين ويستنكر استمرار الاستبداد.

يذكر الكاتب أن تلك الحقبة كانت تشهد غليانًا؛ إذ كانت احتجاجات المصانع ومظاهرات الخبز تندلع كل أسبوع. شاهدتُ أحد أصدقائي المصريين، وهو مصور يعمل مع وكالة «رويترز»، وقد صادرت السلطات المصرية كاميرته الخاصة. قال: «كانوا سيحطِّمونها»، لولا أنه يتكلم الألمانية، وأقنعهم بأنه ليس مصريًّا. كان بإمكان أي شخص في القاهرة في ذلك الوقت أن يشم رائحة الحريق الذي كان على وشك أن تندلع شرارته. لكن لم يكن أحد يعلم أن هذا سيحدث بالفعل بعد 18 شهرًا فقط، في ثوب انتفاضة عام 2011 التي تُعرف في مصر باسم «ثورة 25 يناير».

الخلفية التاريخية التي تقوم عليها الرواية

سقت الأحداث التي أطاحت نظام حسني مبارك العسكري، الذي استمر في حكم البلاد لمدة 30 عامًا، شجرة الأمل في قلوب ملايين المصريين، بمن فيهم الأسواني الذي شارك في تأسيس حركة «كفاية» الشعبية، وكان يذهب إلى ميدان التحرير يوميًّا إبان مظاهرات عام 2011. إلا أن ما يُسمى بالربيع العربي لم يجلب معه الحرية السياسية، بل تمخض عنه مزيد من القمع والفقر. وسرعان ما عضَّ المتظاهرون أصابع الندم على ما قاموا به، لا سيما بعد العودة القوية للحكم العسكري في مصر.

تُطارد هذه المخاوف صفحات رواية الأسواني الأخيرة «جمهورية كأنَّ» التي نُشرت عام 2018 في لبنان، وصدرت ترجمتها إلى الإنجليزية هذا الشهر أغسطس باسم The» Republic of False Truths». توفر الرواية – التي حُظرت في معظم بلدان المنطقة- إطلالة عامة على الأحداث التي جرت في العشر سنوات التي سبقت الإطاحة بحسني مبارك، والتي تلَت ذلك مباشرةً. أما الأسواني ففرَّ من وطنه، ويواجه اليوم دعوى قضائية رفعتها ضده الحكومة المصرية تتهمه فيها بـ«إهانة الرئيس والقوات المسلحة والمؤسسات القضائية».

Embed from Getty Images

تستقرئ الرواية الحياة الموازية لسكَّان القاهرة الذين تتقاطع مساراتهم في قلب الثورة، فبعضهم يؤيدها والبعض الآخر يعارضها، إلا أن الجميع يشعر بأنياب الدولة المسنونة التي تنهش جسد الحركة (الشعبية). تعكس مخاوفهم بشأن ثمار الثورة المخاوف نفسها التي تساور الأسواني. وأي شعور بالتفاؤل – وإن كان موجودًا- كان يخمده الخجل.

بعد 18 يومًا من المسيرات والإضرابات والعصيان المدني، تنحَّى قائد القوات الجوية حسني مبارك عن قيادة مصر، وحوكم بتهم تتعلق بالفساد، وسوء استخدام السلطة، وعدم منع قتل المتظاهرين السلميين. وحُكم عليه بالسجن المؤبد، وفي العام الذي تلا ذلك، انتخب المصريون الإسلامي محمد مرسي رئيسًا. كما فاز أنصار مرسي من جماعة الإخوان المسلمين بأغلبية البرلمان، ما أعطى للإسلاميين في مصر قوة كبيرة لم يسبق أن حازوها من قبل. ومضى مرسي في منح نفسه سلطة التشريع دون مراجعة قضائية، وصُدِم الشعب بدستور جديد كُتِب على عجَل.

يتابع الكاتب: بسبب هذه التحركات الاستفزازية، اندلعت الاحتجاجات التي طالبت باستقالة مرسي في صيف عام 2013. ثم أدَّى الانقلاب العسكري – بحسب وصف الكاتب – الذي قاده وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، إلى إطاحة مرسي، والإطباق على مؤيديه إلى حد قتل حوالي ألف شخص منهم، في مجزرة رابعة العدوية التي وقعت في أغسطس عام 2013. وتمخضت انتخابات العام التالي عن تتويج السيسي رئيسًا، بعدما فاز بنسبة 97% من الأصوات.

منذ ذلك الحين، بدأ السيسي يمسك بتلابيب السلطة في قبضته برويَّة، وأطلق مشروعات اقتصادية عملاقة، غير آبهٍ بانخفاض مستوى معيشة الشعب، وحظَر المظاهر العلنية للمعارضة، وسجن الناشطين وشنَّ حربًا في سيناء. وبعد الفوز الثاني الساحق الذي حققه السيسي عام 2018، قال مبارك، الذي كان قد أطلق سراحه حينها، في إشارة إلى أحداث عام 2011: «خلي بالك، اللي حصل قبل 7 أو 8 سنين، مش هايتكرر تاني».

جمهورية كأن!

يعلِّق الكاتب: هذه هي الخلفية القاتمة لرواية «جمهورية كأن». والعنوان العربي للرواية هو: «جمهورية كأن»، والذي يمكن ترجمته إلى الإنجليزية حرفيًا كالتالي: «A So-Called Republic»، وهو مسمى يشبه الجملة العامية الأمريكية التي اشتهرت في التسعينيات «A Republic—As If». وهذا العنوان يُذكِّرنا بسخرية بن فرانكلين الشهيرة عندما سُئل، أثناء خروجه من المؤتمر الدستوري، عن نوع الحكومة التي يرأسها المستعمرون الأمريكيون حينذاك فأجاب: «جمهورية، إن كنت تستطيع الحفاظ عليها». يُخيِّم هذا الإحجام المضطرب على الشخصيات التي يقدمها الأسواني في روايته، وجميعهم، مؤيدين كانوا أو معارضين للثورة، يقاتلون للحفاظ على وطنهم مصر.

Embed from Getty Images

ومن ضمن شخصيات الرواية المعارضة للاحتجاجات، الجنرال أحمد علواني الذي يدير ما يسمى بـ«الجهاز» المُرعب، ويُشرف على تعذيب المعارضين. ونورهان، مقدِّمة البرامج التلفزيونية المتدينة والجذابة التي تستخدم سحرها لدعم النظام. والشيخ شامل، رجل الدين السعودي الذي تدرب في السعودية وينتقد الاحتجاجات بوصفها مخالفة لتعاليم الإسلام، وعصام شعلان مدير المصنع الذي يقمع الإضرابات العمالية.

في رواية الأسواني، يرتبط المعارضون للثورة ارتباطًا وثيقًا بمؤيديها. فابنة العلواني، دنيا، تعارض الاحتجاجات، لكنها عدَلت عن رأيها بعد لقاء خالد مدني، ابن السائق الذي يعمل لدى عصام شعلان. ومازن، العامل في مصنع شعلان، الذي يقود الإضرابات العمالية يقع في حب أسماء، المتظاهرة التي تسعى لكشف تورط النظام في تعذيب النساء. وأشرف ويصه، الفتى الثري الذي يدخن الحشيش ويدين بدين الأقلية القبطية المسيحية في مصر، ينجرُّ إلى المشاركة في الاحتجاجات التي اندلعت بالقرب من منزله.

تتكشف كل قصة من هذه القصص في فصل من فصول الرواية بالتناوب، وهذه هي السمة المميزة لأسلوب الأسواني متعدد الزوايا، الذي ينقل التشابك في حيوات الناس.

آرون سوركين وعلاء الأسواني.. أسلوب روائي متشابه

ينقل المقال عن كاتب السيناريو الأمريكي آرون سوركين، الذي وصف ذات مرة طريقته الإبداعية لإنتاج أعمال تُحقق نجاحات ساحقة، مثل: فيلم «الشبكة الاجتماعية» و«الجناح الغربي»، وكيف يؤلف مشهدًا يلعب فيه دور كل الشخصيات بنفسه، سعيًا منه للبحث عن «النوايا والعقبات»، ليجادل عن أحد الطرفين، ثم ينتقل إلى الجانب الآخر ليطرح حجته، ويقول: «تكمن المتعة من وجهة نظري في الجلوس ومشاهدة هذا الأخذ والرد، ليس بدافع الاهتمام بموضوع الجدال، أو بإعلان فائز في نهايته».

والنتيجة أن أعماله تثير الانتقادات وتحظى بالاستحسان، في الآن ذاته، وتظهر حلقة المسلسل أو الفيلم في النهاية كما يريد بالفعل؛ كما لو كان آرون سوركين يحاجج نفسه. يحب مخرج فيلم «الشبكة الاجتماعية» أعمال سوركين تحديدًا لأنها تجعل المشاهد يشعر وكأنه «يرى شخصًا يتحسس خطاه داخل غابة من شكوكه الذاتية، تلك الغابة التي تُمثل عملية تفكيره».

وقراءة أي عمل من أعمال علاء الأسواني، بما فيها «جمهورية كأنَّ»، يشبه إلى حد كبير مشاهدة أحد أعمال سوركين؛ إذ تتدفق طاقة السرد في الأساس من النقاشات التي تدور بين الشخصيات، أو بعبارة أخرى: من مناظرات الأسواني مع نفسه.

Embed from Getty Images

هل تستفيد البلاد من الثورة؟ هل ينتهك التعذيب الأخلاق الإنسانية؟ وما الممارسات الجنسية التي يسمح بها الإسلام؟ وما دور المرأة في المجتمع؟ وربما يكون السؤال الذي يثير القدر الأكبر من الإحباط ويتعلِّق بمصير المنطقة: هل شعوب منطقة الشرق الأوسط مستعدة حقًّا للديمقراطية؟

هل الاستبداد هو قدر مصر المحتوم؟

يعود الكاتب إلى مقطع من رواية الأسواني يقول فيه مدير المصنع شعلان، عاكسًا مثاليته المفقودة بعد تعرضه للتعذيب في السجن: «إن الثقافة المصرية التي ورثناها من الفراعنة تقوم في الأساس على الإذعان للفرعون». ويجيبه الناشط العمالي مازن قائلًا: «لكن الديكتاتوريات نشأت في إسبانيا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال والأرجنتين، ولم يكن أي من هذه البلدان إسلاميًّا أو فرعونيًّا؛ لذا فوجهة نظرك هذه تفتقر إلى العدل».

تعكس إجابة مازن الشجاعة وجهة نظر الأسواني التي نُشرت في مقال صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بعنوان: «هل الاستبداد قدر مصر المحتوم؟»، وهي واحدة من مقالات عدة كتبها الأسواني بصفته كاتبًا في الصحيفة بين عامي 2013- 2014. ولكن إذا عُدَّ رد مازن اعتذارًا غير واعٍ عن الديكتاتورية – على اعتبار أن الاستبداد وصفة عالمية، حسبما يُظهِر التاريخ الأوروبي- فإنه قد يُفسِّر ما يعده البعض إرث الأسواني الأكثر تخييبًا للآمال: تأييده المتحمس للانقلاب العسكري عام 2013 الذي أطاح مرسي وجاء بالسيسي.

مصر

منذ 8 شهور
في الواجهة وعلى أعتاب الكونجرس.. ماذا تفعل المخابرات المصرية في لوبيات واشنطن؟

قال الأسواني في مقابلة مع مجلة «نيويوركر» أجرتها الصحافية نيجار عظيمي، في أواخر عام 2013: «كان هناك تحذير، لكن مرسي رفض التنحي. تدخل الجيش لحماية الملايين الذين كانوا يملؤون الشوارع بالفعل. هذا ليس انقلابًا»، (توفي مرسي عام 2019 أثناء مثوله أمام محاكمة جنائية تحوم حولها الشكوك). وتتشارك معظم النخب الليبرالية في مصر هذه الحماسة للدولة العسكرية؛ بسبب الذعر الذي يسيطر عليهم من الإسلام السياسي وأتباعه من أمثال مرسي.

قناعات مماثلة يحملها الروائي الراحل جمال الغيطاني، حتى إن آراءه التي كان يبثها أثناء تدريسه في جامعة شيكاجو، وكنتُ أدرُس هناك آنذاك، أثارت حفيظة عضو هيئة التدريس في الجامعة أحمد الشمسي، فكتب في نقدها مقالًا لاذعًا. وهم بذلك يفضحون الأساس الدولاتيّ العسكري الذي تتكئ عليه الليبرالية المصرية، حين تُلبِس الدين ثوب البعبع؛ من أجل إخفاء خطايا العلمانية.

شيطان تعرفه خير من شيطان تجهله!

يختم الكاتب بالقول: لكن على مستوى أكثر عمقًا، فإن عداء الأسواني لاستبداد مبارك ودعمه للسيسي يكشف عن صراع داخلي حاد، تجسَّد حيًّا في رواية «جمهورية كأنَّ». فالأسواني ينتقد الجيش صراحةً دون مواربة، لكنه يُفضل الشيطان الذي يعرفه على الشيطان الذي لا يعرفه. ويؤمن كثيرون في الشرق الأوسط بما يؤمن به الأسواني بشأن غياب الخيارات الجيدة، وإنه لأمر منطقي، وإن كان مزعجًا، أن يستسلموا للسخرية.

Embed from Getty Images

أما فيما يخص الرواية، فيشاهد القُرَّاء الرعب الذي يبثه «الجهاز» في النفوس، وهو يلتهم كل الشخصيات ويجبرها على الاختيار بين التعذيب أو التواطؤ أو النفي. وتنتهي الرواية بالإشارة إلى القِصاص ولكنه، مثل تداعيات الربيع العربي نفسه، يُعيد الكرَّة المصبوغة بلون الدم، بدلًا من كسر تلك الدائرة المفرغة. وتبقى النهايات السعيدة مؤجلة، وإن كانت لا تزال ممكنة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد