رصد الدكتور عبد الله العريان، أستاذ التاريخ في جامعة جورجتاون قطر، تغير طبيعة نشاط الإسلام السياسي التقليدي في السنوات الأخيرة، مرجحًا في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي» الإخباري أن تستمر «الفكرة الإسلامية» فيما يواجه حاملو رايتها السياسية صراعًا وجوديًّا للنجاة من هجمة الأنظمة القمعية التي اشتدت ضراوتها في العقد الماضي.

واستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى الانتقادات التي تعرَّض لها راشد الغنوشي، رئيس البرلمان التونسي ورئيس حزب النهضة، على خلفية تصريحاته عقب لقائه السفير الفرنسي الشهر الماضي، والتي أعرب فيها عن تضامنه مع فرنسا والشعب الفرنسي، وأن البلدين يحاربان العدو نفسه، وهو الإرهاب.

وبعد سلسلة من الهجمات العنيفة في الآونة الأخيرة، اتخذت الحكومة الفرنسية سلسلة من الإجراءات القمعية التي استهدفت الجالية المسلمة في فرنسا، وطالبت قادتهم بتبني تعهد بدعم القيم الفرنسية وإعلان نبذهم لـ«الإسلام السياسي». وقد أثارت تلك الإجراءات الحكومية القاسية إدانات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك دعوات لمقاطعة المنتجات الفرنسية في عدد من البلدان المسلمة.

تحوُّل الإسلام السياسي

وأوضح الكاتب أن ما فاجأ المراقبين ليس أن مسؤولًا رفيع المستوى في المنطقة العربية يعبِّر عن مثل هذه المشاعر، بل كون هذه التصريحات تأتي على لسان القائد المؤسس لحركة عميقة الجذور في التيار الإسلامي النَّشِط الذي أسسته جماعة الإخوان المسلمين.

Embed from Getty Images

وبوصفها حركة معارضة، كانت الحركة الإسلامية لمدة طويلة في طليعة مَنْ يُدِينون قَمْع الدولة للمسلمين، سواء من حكوماتهم في الداخل أو غيرها من البلدان في مختلف أنحاء العالم. ونظرًا لأن حركة النهضة تسعى لاجتياز مرحلة التحوُّل المضطربة من معارضة محظورة إلى حزب حاكم، تثير مثل هذه التصريحات التساؤل حول ما إذا كان تولِّي حزب النهضة سلطةً سياسية قد غيَّر أيديولوجياتها وممارساتها.

ونوَّه الكاتب إلى ضرورة دراسة التأثير البعيد الأمد الذي خلَّفته أحداث العقد الأخير، الذي شهِد انطلاق الانتفاضات العربية، في إعادة تشكيل طبيعة نشاط الإسلام السياسي الذي كنَّا نعرفه، إذ أصبح من الواضح أن المهمة التقليدية التي تميَّز بها نشاط الإسلام السياسي خلال معظم نصف القرن الماضي لم تعد كما كانت.

وحلَّت سلسلة من الخيارات العالية المخاطر محل الطبيعة القديمة لنشاط الإسلام السياسي، وذلك جزئيًّا بسبب الإغراء الذي تُمْلِيه الدولة القومية وأدوات سيطرتها، ونتيجةً لذلك أضحت التحولات في الالتزامات الأخلاقية التي تُميِّز هذه الحركات تُشكِّلها إلى حد كبير الحظوظ السياسية المختلفة للحركة في كل دولة.

حقائق متغيرة

وأضاف الكاتب أن ظهور النشاط الإسلامي الشعبوي كان ظاهرة فريدة من نوعها في القرن العشرين، فقد أدَّى تراجع المؤسسات الدينية التقليدية في معظم أنحاء العالم الإسلامي، بسبب عوامل عديدة تضمَّنت الحداثة والإمبريالية، إلى ظهور مفكرين وناشطين عاديين سعَوا إلى إعادة إحياء مجتمعاتهم من خلال المعايير الأخلاقية والقيم التقليدية لعقيدتهم الإسلامية. وقد أدرك هؤلاء المفكرون مدى الحاجة إلى تكييف هذه القيم مع المعايير الاجتماعية المتغيرة، والواقع الاقتصادي والسياسي الجديد.

وتأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنا، الذي خلُص إلى أنه في ظل غياب القيادة القوية التي تقود المجتمع إلى الأخلاق، أصبح لِزامًا على العامة نشر المبادئ الإسلامية في مجتمعهم، وضرورة أن تبدأ الدعوة بالأسر، والمجتمعات المحلية، ثم تمتد إلى المستوى الوطني، ووجَّهت الدعوة أتباعها إلى أن يعيشوا وفق نموذج السلوك الإسلامي في كل مناحي الحياة.

مجتمع

منذ 3 سنوات
الإخوان العدميون: من ورق البنا لورق «البفرة».. ماذا تبقى من مشروع أستاذية العالم؟

ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا تطورت الحركة الإسلامية في مسارين متشابكين ومترابطين: الأول هو مسار الدعوة، الذي تجلى في الوعظ عبر الوسائل المتاحة المختلفة، وإنشاء الجمعيات الخيرية، والمدارس، وغيرها من المؤسسات الاجتماعية، التي لم تكن توفرها الدولة.

وقد نتج المسار الآخر عن اعتراف الحركة الإسلامية بأن الدعوة العامة وبناء المؤسسات غير كافيين لتعزيز رؤيتها للمجتمع، ولذلك تبنَّت الحركة برامج سياسية سعَت إلى الاندماج في مؤسسات الدولة، خاصة في ظل أنظمة استبدادية مركزية وبيروقراطية للغاية، وتنافست على قيادة الاتحادات الطلابية، والنقابات المهنية، والانتخابات البرلمانية، ما أمكنها ذلك.

وبالرغم من التزامهم المعلن بالتدرج في الإصلاح الذي بدا وكأنه قبول بهياكل الدولة القومية ومؤسساتها، كان الإسلاميون يُستبعَدون في كثير من الأحيان من الجهات السياسية، ولم يَسْلَموا من بطش أجهزة الأمن القاسية إلا قليل. وأصبحت جماعة الإخوان المسلمين وفروعها المختلفة جزءًا لا يتجزأ من المشهد السياسي في بلدان مثل الأردن، والكويت والمغرب، وإن كانت تعمل تحت قيود شديدة.

ومن ناحية أخرى، فرضت الأنظمة الاستبدادية في دول مثل: سوريا، والعراق، وليبيا، وتونس، حظرًا شاملًا على الإسلاميين وسعَت لمَحْوِهم من المجتمع طيلة عقود. وفي كل الأحوال، وبالرغم من أن مسار الدعوة ظل ثابتًا نسبيًّا، كانت أولويات الحركة وقراراتها على الجبهة السياسية تحددها إلى حد كبير الفرص المتاحة في كل سياق وطني.

الإسلاميون والانتفاضات

وأشار الكاتب إلى أن الاحتجاجات الجماهيرية التاريخية منذ بدايتها أواخر عام 2010 في جميع أنحاء المنطقة قدَّمت للإسلاميين مخاطر وفرصًا.

فمن ناحية كانت الجماعات الإسلامية أكثر الحركات الاجتماعية تنظيمًا، وكان لديها منصة جاهزة لجذب المؤيِّدين ورؤية لمجتمع أكثر عدلًا والتزامًا بالقيم الأخلاقية، لذا كانت هذه الجماعات في الصدارة لتولي السلطة والانتقال إلى حكم أكثر تمثيلًا لفئات المجتمع. ومن ناحية أخرى، لم يكن لدى معظم الإسلاميين مؤهلات ثورية، وكانت أنشطتهم مناسبة لواقع الحكم الاستبدادي.

Embed from Getty Images

ويقول الكاتب: ظهر هذا التردد في القرارات التي اتخذها حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي الجديد للإخوان المسلمين، والذي فضَّل اتباع نهج تدريجي إصلاحي، وليس ثوريًا، في المرحلة الانتقالية بعد مبارك. ولم تكن رئاسة محمد مرسي قصيرة الأمد تتَّسم بالتعطش للسلطة كما اتَّهمه زورًا النقاد الليبراليون واليساريون، ولكنها كانت مُصمِّمة على تجنب الصدام المباشر مع مؤسسات الدولة القوية، وفي مقدمتها الجيش.

وكرَّس الدستور الذي صاغه حزب الحرية والعدالة في أواخر عام 2012 وضعًا متميزًا للجيش المصري، وأبقاه خارج نطاق الرقابة المدنية، ولكن لم يكن ذلك كافيًا لتجنيب الإخوان المسلمين غضب الجيش مع عودة الاستبداد في أعقاب الانقلاب الدموي عام 2013، بحسب الكاتب.

المهمة مقابل الطموح

ويُشير التقرير إلى أن جماعة الإخوان واجهت حتى قبل انهيارها الذريع أزمة في التوفيق بين مُهمِّتها الاجتماعية التاريخية، وطموحاتها السياسية الصاعدة. هل ينضم أعضاء الجماعة إلى حزبها أم يمكنهم التعبير عن آرائهم داخل المشهد السياسي المتعدد الأحزاب في مصر؟ هل يمكن الاختلاف بشأن السياسة أم سيُعد ذلك انتهاكًا للالتزام بمبدأ «السمع والطاعة»؟ هل أدَّى اندفاع الإخوان للفوز بكل الانتخابات خلال المرحلة الانتقالية إلى تقديم مصالح الجماعة على مصالح البلاد؟

يقول الكاتب: إن التصدُّعات داخل الجماعة أصبحت أكثر وضوحًا مع انشقاق عدد من الشخصيات البارزة عن الجماعة، ومع الجدل العام المثار حول الطبيعة المتغيرة للنشاط الإسلامي في حقبة الثورة.

ونوَّه التقرير إلى أن حركة النهضة التونسية تعرَّضت للتساؤلات نفسها، مع أنها تعاملت معها بطريقة مختلفة تمامًا. إذ دَمَجت الحركة بقيادة الغنوشي إيمانها بالديمقراطية داخل مبادئها بوصفه الأساس لنظام سياسي سليم. وضمن التزام الحركة بالتعددية الديمقراطية تجنيبها إغراءات السلطة خلال الحقبة الهشة بعد الاستبداد.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: إن حركة النهضة أصرَّت حتى مع فوزها بأول انتخابات حرة عام 2011 على تقاسم السلطة داخل حكومة ائتلافية واستقالت بالكامل من الحكومة بعد أزمة وطنية شهدتها تونس في نهاية عام 2013، ربما خوفًا من تعرضها لواقع مماثل لما حدث في مصر. بالإضافة إلى ذلك دعمت النهضة قانونًا يحمي مسؤولي النظام السابق من المساءلة، ورفضت إدراج الشريعة باعتبارها مصدرًا للتشريع في الدستور التونسي المُعدَّل. وفصل قادة النهضة النشاط الدعوي عن السياسي رسميًّا في عام 2016. وشبَّه الغنوشي حزبه بالديمقراطيين المسيحيين في بعض الدول الأوروبية، معلنًا: «نحن ديمقراطيون مسلمون، ولا نُمثل الإسلام السياسي بعد الآن».

اللعبة الصفرية

وأوضح التقرير أن حزب النهضة قدَّم بذلك للأحزاب الإسلامية خطة لتحقيق النجاح السياسي داخل بلادهم، من خلال تجربته المتواضعة بصفته حزبًا سياسيًّا انفصل عن قاعدته الاجتماعية وجذوره الأيديولوجية. واتَّبع حزب العدالة والتنمية المغربي مسارًا مشابهًا، إذ نأى بنفسه عن الحركة الدينية الأوسع التي دعمته عند تشكيل الحكومة في عامي 2011 و2016. والمفارقة أنه كلما زاد نجاح الإسلاميين سياسيًّا، زاد احتمال تخليهم عن أية بقايا من أيديولوجيتِهم الأساسية.

وتابع المقال بأن جماعة الإخوان المسلمين في مصر – على النقيض – تواصل الصبر على أدنى مستوىً وصلت إليه في تاريخها المشهود. وتُمثل مذبحة رابعة، التي قُتل فيها قرابة ألف مصري، رمزًا لتجدد السرد حول أن الجماعة ضحية وحول سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها النظام العسكري للقضاء على الأسلمة. ومع إغلاق مؤسسات الإخوان في مصر وسجن قيادتها أو نفيهم، وصلت الجماعة إلى نقطة استثنائية في تطورها أسفرت عن عدد من ردود الأفعال المتضاربة.

المصالحة مع النظام؟

ولفت المقال إلى أنه على الرغم من الإخفاقات الكارثية التي عانت منها الجماعة، تعتقد قيادتها أن المسار الذي يتَّبعه نظام السيسي لا يمكن دعمه؛ لأنه سيؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد وإضعاف اقتصادها. إن المسار المفضل لقيادة الجماعة هو المصالحة، بحسب الكاتب، أملًا في تحقيق التعايش بطريقة لا تختلف عن تلك التي حددت علاقة الجماعة بنظام مبارك. وكشفت تسريبات إعلامية أن هذا القرار يلوح في الأفق بانتظام، لكن حتى الآن ليس هناك ما يُشير إلى أن السيسي يكترث بإعادة دمج المعارضة الإسلامية من جديد في المجتمع.

وشدَّد الكاتب على ضرورة تعامل قادة الإخوان الباقين مع الانشقاقات الواسعة داخل صفوف الجماعة، خاصة فصيل الشباب الذي يرفض أية مصالحة مع النظام ويدعون بدلًا عن ذلك إلى تبني مسار ثوري يُصحح أخطاء المرحلة الانتقالية بعد مبارك.

سياسة

منذ 3 سنوات
«فورين أفيرز»: ما هو خطأ الإخوان الفادح في مصر الذي انقسمت الجماعة بسببه؟

ويرى أنصار هذه الرؤية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات عبر الإنترنت ضرورة تخلي الجماعة عن نظرتها التقليدية تجاه التغيير السياسي، وضرورة تبنى الروح الثورية التي احتشد حولها ملايين المصريين. إلا أن هذه الرؤية تحتاج إلى فصل التنظيم عن مهمة الجماعة الاجتماعية والسياسية الأوسع.

أما بالنسبة للفصيل الثالث الذي يتكون من أعضاء الجماعة المحبطين، فيعتقد هذا الفصيل أن المشروع الإسلامي التقليدي المرتبط بمصير الدولة القومية الحديثة محكومٌ عليه بالفشل. ويرى أن محاولة إنشاء نظام سياسي إسلامي داخل منظومة السلطة القائمة هو مسعى غير مُجْدٍ، بالنظر إلى الوضع المحفوف بالمخاطر لمعظم الدول في المنطقة. ويؤكد هذا الفصيل أن سقوط الإخوان الدراماتيكي يُمثل فرصة فريدة لاستكشاف أفكار جديدة جريئة تعالج المشكلات الجذرية كافة التي لا يعاني منها المصريون فحسب، بل كل المجتمعات بلا استثناء.

وفي ظل غياب انشغالها بالمنافسة على السلطة السياسية، يعتقد المؤيدون أن الإخوان يجب أن تنشئ مهمتها من جديد غير مثقلة بالأيديولوجية، أو مطالب السياسات الحزبية المتغيرة باستمرار.

المضي قدمًا

ويذكر المقال أن مصير الإسلاميين يقتضي تخليهم عن معتقداتهم وممارساتهم الراسخة على المدى القريب. وفي أفضل الحالات سُيعاد تشكيل مهمة الجماعات الإسلامية التقليدية على اعتبار أنها حزب سياسي كما حدث في بعض الدول.

Embed from Getty Images

ولا يُبشر هذا الأمر بخير – بحسب التقرير – إذ غالبًا ما تُتْرك هياكل السلطة التي تعمل من خلالها هذه الأحزاب منعزلة عن قاعدة دعمها في المجتمع، وعرضة للفساد، ومضطرة للتنازل عن الأسس الأخلاقية. وأثار دعم رئيس حزب النهضة لحملة القمع الفرنسية ضد المسلمين غضب العالم الإسلامي، لكنه لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة من الأحداث، التي أدَّت إلى انشقاقات واستقالات من شخصيات حزبية أعربت عن مخاوفها بشأن تصرفات قيادة النهضة وقراراتها السياسية، خاصة الانحراف عن قيمها الأساسية.

وخلُص المقال إلى أن قوى الثورة المضادة نجحت في وقف تيار التغيير الهيكلي، وتركت القوى الإسلامية مُهمَلة لا يَأْبه لها أحد. ونظرًا لأن الديكتاتورية الصاعدة في مصر والحروب الأهلية المدمرة في سوريا، وليبيا، واليمن، تهدف إلى ترسيخ نظام استبدادي جديد، فلن يُفسَح المجال كثيرًا أمام الحركات الاجتماعية الشعبية ذات التطلعات السياسية، سواء كانت إسلامية أو غير ذلك.

واختتم الكاتب مقاله بالقول إنه مهما اختلفت الظروف جذريًّا، فإن الفصل القسري لمهمة الحركة الإسلامية الأساسية عن نشاطها السياسي سيؤدي إلى النتيجة نفسها. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا يُمثل أحدث مرحلة في تطور الإسلام السياسي بوصفه بديلًا سياسيًّا قابلًا للتطبيق أم يُنذر بزواله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد