في مطلع ثورة ميدان التحرير، جلس مجموعة من الجنرالات المصريين المتقاعدين بجوار حمَّام السباحة في نادي الجزيرة قلقين بشأن قدرة النخبة الحاكمة في مصر على الصمود في وجه انتفاضة شعبية. كان ذلك في فبراير من عام 2011، قبل أسبوع من الإطاحة بالرئيس حسني مبارك. خرج الملايين من الشباب حديثي العهد بالسياسة إلى الشوارع؛ لكن أولئك الرجال الذين قضوا مسيرتهم المهنية في أجهزة الأمن كانوا لا يزالون محافظين على رباطة جأشهم.

قال أحدهم، وهو ضابط متقاعد في القوات الجوية: «الشيء الوحيد الذي يجب أن نقلق بشأنه حقًّا هو ثورة الجياع. ستكون هذه نهايتنا».

لم تستغرق الديكتاتورية المصرية سوى أقل من أربعة أعوام لإعادة تأسيس نفسها مرةً أخرى كما اتضح أخيرًا؛ ممَّا سحق آمال الشعب في أي تغيير حقيقي. يرجع صمود النظام بدرجة ليست بالهيِّنة إلى امتلاكه لزمام قوت الشعب. إنَّ الحاكم الذي يملك مقومات الحياة الأساسية، الخبز والوقود، يملك كل شيء آخر.

ومع ذلك، فإن شبح «ثورة الجياع» لا يزال يُقلق الحكام المستبدين اليوم، في مصر وفي كافة أنحاء العالم العربي. تعني فكرة «ثورة الجياع»، باختصار، انتفاضةً ضد الدولة تمتد إلى قطاعٍ أوسع من الفقراء، وغير المتعلِّمين، وغير المُسيَّسين، ولا تقتصر على قوى المعارضة السياسيَّة والدينيَّة التقليدية.

تجوَّل بنظرك في جميع أنحاء المنطقة؛ وستجد أنَّ لدى الأنظمة سببًا وجيهًا للخوف. يعاني الناس من سوء الرعاية الطبية وسوء التغذية بسبب نقص الغذاء الصحي حتى في البلدان التي تنتشر فيها السمنة على نطاق واسع.

إنَّ المعادلة الأساسية صارخة: لا يستطيع العالم العربي إطعام نفسه. لقد خلق الحُكَّام المهووسون بالأمن شبكة مُلتوية من المستوردين والمخابز هدفها ليس إطعام المواطنين بطريقةٍ تتسم بالكفاءة على مستوى التوزيع أو التغذية، بل الحفاظ على النظام ودرء ثورة الجياع التي يخشاها النظام للغاية، بالإضافة إلى فاتورة الدعم الهائلة التي تلتهم نصيب الأسد من الميزانيات الوطنية.

لم تفرغ المخابز، حتى الآن، من الأرغفة في اثنين من أكبر ساحات معارك الخبز في المنطقة: مصر وسوريا. ولكن الشعور بالوفرة مجرد وهم؛ فالأغذية مكلفة، والناس فقراء، والأنظمة القمعية تعتمد على القمح المستورد الذي تدفع فاتورته عن طريق المساعدات الخارجية. إنَّها معادلة خطيرة وغير قادرة على الاستمرار.

«إنَّه نظام يُمثِّل فيه الحصول على الغذاء الآلية الأساسية للسيطرة الاجتماعية. يُمكن أن يخرج كل شيء عن السيطرة في اللحظة التي يحدث فيها خطبٌ ما لتلك المواد الغذائية المدعومة من الحكومات»، هكذا تقول الصحفية آنيا تشيزادلو، مؤلِّفة كتاب «يوم العسل»، والتي كتبت كثيرًا عن دعم المواد الغذائية، والاضطرابات، واستخدام الغذاء باعتباره سلاحًا في الشرق الأوسط.

لقد أعطتنا الانتفاضات العربية في عامي 2010 و2011 لمحةً خاطفة عمَّا يمكن أن يحدث إذا طُعِنت الشعوب في موضعٍ قاتلٍ كطاولة طعامهم.

في عام 1977، تمكَّن الرئيس المصري أنور السادات من تنفيذ خطوة جريئة كانت تُعَد من المستحيلات حين كسر إجماع العالم العربي وبدأ منفردًا عملية السلام مع إسرائيل، بل وسافر إلى القدس ليُلقي خطابًا أمام الكنيست. لكن لُغز الخبز أثبت أنَّه مُستعصٍ أكثر بكثير من السلام مع إسرائيل.

حاول السادات في يناير من عام 1977 إلغاء دعم القمح في مصر بناءً على طلب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. اجتاحت أعمال الشغب كل المدن الكبرى تقريبًا؛ واستسلم السادات في يومين اثنين. أعاد دعم الخبز الذي استمرَّ إلى اليوم؛ وتولَّى الجيش المصري السيطرة على العديد من المخابز المهمة لضمان تحكُّم الحكومة في إمدادات الخبز في أوقات الأزمات. خلقت هذه الأزمة وضعًا قائمًا يتسِم بالغرابة حتَّى يومنا هذا. طريقة الحكومة في إدارة الخبز غير فعَّالة وغير مستقرة، وتعتمد اعتمادًا كُليًّا تقريبًا على الواردات الأجنبية. لكن أيَّة محاولة للتلاعب بأسعار الخبز أو الدعم لا تزال تُرعب حُكَّام البلاد وتُشعل غضب مواطنيها.

أخذت الأنظمة حذرها بعد ذلك؛ فأشاد حافظ الأسد، ديكتاتور سوريا، بالفلَّاحين في خطابه، وجعل الاستقلال الغذائي ركنًا أساسيًّا من أركان نظامه. وعلى مدى عقود، تفاخر المسؤولون السوريون بأنَّهم ليسوا بحاجة إلى استيراد القمح.

لقد تعلَّم الطغاة في العالم العربي أنَّ واحدة من أفضل الطرق للهيمنة يمُر عبر المخابز. يمارس حُكَّام العالم العربي نوعًا من «سياسة الجيوب»، بمكافأة الموالين لهم بامتيازات مثل المراكز المجتمعية، وفرص العمل، والرشاوى، ومعاقبة مناطق المعارضة بتقليص الخدمات الأساسية المُقدَّمة إليهم مثل الطرق والمدارس. وفي العديد من دول الشرق الأوسط، كان مستوى التحكُّم أبسط بكثير: لا حكومة؛ لا طعام، لا حكومة؛ سيتضوَّر المواطنون جوعًا.

لكن الأنظمة غير الديمقراطية الهشَّة لم تكُن تملك آليات الرقابة ولا المرونة الكافية لتحمُّل الصدمات الخارجية. فحتَّى الأحداث البعيدة مثل محصولٍ رديء على البحر الأسود أو قلة سقوط الأمطار في كندا يُمكن أن تتحوَّل بسرعةٍ إلى أزمة سياسية في بلاد الشام أو شمال أفريقيا. ارتفعت أسعار الغذاء العالمية في عام 2008 بشكلٍ جنوني؛ فاندلعت مرةً أخرى تظاهرات الخبز في أنحاء الشرق الأوسط. سارعت الأنظمة لتغطية العجز بالإعانات والدعم، على افتراض أنَّ مواطنيها قد يتسامحون مع القمع لا مع الجوع.

في الواقع، كان ارتفاع أسعار السلع الأساسية أحد الأمور التي أشعلت انتفاضات 2010 و2011. لوَّح المتظاهرون في تونس بالخبز؛ وكان الطعام محور العديد من الهتافات الثورية، كما كان أحد المطالب الأساسيَّة: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».

ضمَّت أوَّل موجة من الانتفاضات ضدَّ بشَّار الأسد في سوريا العديد من الفلَّاحين الفقراء الذين نزحوا بسبب الجفاف وسحب استثمارات الحكومة النيوليبرالية من الزراعة. يقول فرانشيسكو فيميا وكيتلين ويريل من مركز المناخ والأمن في واشنطن العاصمة إنَّ سلسلة من موجات الجفاف في سوريا بين عامي 2006 و2010 قد خلقت بيئةً مُلائمة لاندلاع الانتفاضات؛ فقد دفع تَلَف المحاصيل المزارعين إلى ترك أراضيهم، ورفع مستوى اليأس حتَّى صبَّه السوريون في صورة تحدٍ مباشرٍ لحاكمهم.

ولم تكُن المملكة العربية السعودية ذات الثروات الهائلة بعيدةً عن ذلك؛ فقد توصَّلت إلى أنَّ نظامها قادرٌ على تجاوز أي تحدٍ من المعارضة السياسية الناقمة على أوضاع الحقوق والحريات في البلاد طالما ضمن راحة مواطنيه الماديَّة. رفع ملك السعودية رواتب المواطنين بسرعة، وبعد فترة توتر وجيزة، تجنَّب السعوديون المشاركة في الاحتجاجات التي اجتاحت كل الدول العربية الأخرى تقريبًا.

ومع ذلك، فإن هاجس السيادة والأمن الغذائي والأمن لا يزال قريبًا من طغاة المنطقة. اشترت المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، أراضيَ في البلدان الخصبة الغنية بالمياه مثل إثيوبيا من أجل تأمين إمداداتها الغذائية.

ثم أصبح الطعام ساحة صراع بين عديمي الضمير من كافة الأطراف المُتقاتلة؛ فيمنع النظام تسليم المساعدات الغذائية إلى المناطق المتمردة؛ ومنع حصاره لمخيم اليرموك في دمشق حمولات من شاحنات المساعدات الغذائية من الوصول إلى المخيم؛ مما تسبب في سنوات المجاعة فيه. والأكثر من ذلك أن النظام يقصف المخابز بشكل روتيني في المناطق التي تقع تحت سيطرة المتمردين، في طريقة يُشار إليها بالعامية باسم «التجويع أو الاستسلام».

كما فرضت «الدولة الإسلامية» سيطرتها على الإمدادات الغذائية باعتبارها جزءًا أساسيًّا من مُخططها لحيازة السُلطة، بدءًا من المخابز ومستودعات القمح، وحتَّى تسهيل توصيل المساعدات الدولية التي عصمت بعض أجزاء شمال سوريا من التعرُّض إلى مصير مُخيَّم اليرموك.

إن الدول العربية هي المستورد الأكبر لصافي الحبوب الغذائية معتمدةً على دول أمريكا الشمالية، وأوروبا، ووسط آسيا الغنية بالمياه.

إذًا فيبدو أن تظاهرات الخُبز ستندلع في كل مرةٍ يضطرب فيها إمداد الغذاء العالمي. سيتصاعد الغضب حين يحل الجفاف، أو حين تنخفض عائدات النفط فيصبح تأمين واردات الحبوب أصعب من ذي قبل. تستهلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 44 في المئة تقريبًا من صافي واردات الحبوب في العالم. ويقول «إيكارت وورتز»، مؤلف كتاب «النفط مقابل الغذاء: أزمة الغذاء العالمي والشرق الأوسط»: «الاكتفاء الذاتي ليس خيارًا في هذه المنطقة».

يقبل معظم العلماء الآن الفكرة التي طرحها الخبير الاقتصادي أمارتيا سين، من أنَّ نقص المواد الغذائية والمجاعات عادةً ما يكون سببها سوء الإدارة السياسية وليس قلة الغذاء الفعلي.

ووفقًا لهذه الفكرة، فلا تزال الظروف في الشرق الأوسط تُنذر بعاصفة. يقول وورتز، الذي يدرس الغذاء والأمن في مركز برشلونة للشؤون الدولية: «في نهاية الأمر، يمكننا تفسير الأزمة من وجهة نظر الاقتصاد السياسي: الفساد وشبكات المحسوبية تحصل على مزايا أكثر بكثير من سكان الريف. لا يتسبَّب الجفاف في اندلاع حرب أهلية في لوس أنجيليس».

لا يُمكن تجاهل أنَّ الجفاف يُمثل حقيقة من حقائق الحياة في العالم العربي القاحل طالما وُجدت الزراعة، وتظاهرات الخبز لن تحوِّل الديكتاتورية إلى ديمقراطية من تلقاء نفسها. ذلك لأن المشكلة أكبر من ذلك بكثير؛ فقد أبقت الحكومات القمعية الفاسدة شعوبها في فقرٍ أكثر ممَّا يجب أن يكونوا باحتكار الثروات الوطنية لصالح نخبة محدودة من المُنتفعين. وحتَّى يتغيَّر ذلك، سيبقى الجوع وانعدام الأمن الغذائي تجليًا آخر من تجليات إدارة الحكم البائسة في المنطقة.

تُنشَر ترجمة هذا المقال بإذن الكاتب الصحفي ثاناسيس كامبانيس لموقع «بوستن غلوب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد