على هامش توقيع كتاب «العالم العربي: جذور الشر» يوم الجمعة الماضي، في معرض الكتاب في بيروت، أجرى موقع «هافينغتون بوست المغرب» مقابلة مع بشير الخوري، وهو صحافي ومدير سابق للقسم الاقتصادي في صحيفة «L’Orient le jour» وجرى الحديث حول هذه «الآفات» التي تجتاح العالم العربي، بما فيه تونس.

أجرى المقابلة الصحافي ياسين بالأمين، ويقول في مقدمة المقابلة «بعيدًا عن اللغة الجافة يقدم الكاتب تشخيصًا للحالة التي تمتد من المغرب العربي إلى الخليج، مقدمًا أيضًا الحلول». وفيما يلي الترجمة العربية للمقابلة التي نشرت باللغة الفرنسية:

نشرت مؤخرًا كتابك بعنوان «العالم العربي: جذور الشر»، باعتقادك أين تتأصل هذه الآفات؟

يقول الخوري إن الآفات الحقيقية في العالم العربي تكمن في غياب تنمية حقيقية – بالمعنى الواسع للكلمة – منذ مدة تزيد على نصف قرن. مضيفًا «نحن ندفع الثمن منذ عام 2010، وبصيغ مختلفة، لقد كان العالم العربي يتّجه بشكل حتمي نحو هذه النقطة من التمزّق، ونحو هذا الانفجار الداخلي الذي نجم عنه شظايا متعددة، وهذا ما أحاول أن أشرحه في الكتاب من خلال لغة الأرقام».

وأوضح «أن التنمية عملية طويلة كان ينبغي أن تبدأ منذ وقت طويل، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث قط في هذه المنطقة، وبالطبع فإن ذلك يرتبط بشكل أساسي بالبعد السياسي والاقتصادي وبالمجتمع والبيئة».

غلاف كتاب «العالم العربي: جذور الشر» للكاتب بشير الخوري – هاف بوست المغرب

بادر الصحافي بسؤاله عن كيفية ظهور هذه الجذور التي يشير إليها في كتابه، وأجاب الخوري «على الصعيد السياسي، فإن غياب نظام حكم قائم على المشاركة، فضلًا عن ممارسات القمع والاضطهاد – التي تستخدمها الأنظمة القائمة على حكم رجل واحد أو حزب واحد – تخنق الرغبة في الحرية المتأصلة في الطبيعة البشرية، وتزيد من حدة الشعور بالظلم والإهمال».

ويضيف «أما على الصعيد الاقتصادي، فقد عانى العالم العربي منذ سنوات من البطالة العالية جدًا في مواجهة اقتصاديات غير منتجة، والتي لا تستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب، وهكذا وبشكل مطرد نمت هذه الفجوة بين وظيفتين – الأولى أُسّية والأخرى ثابتة – لتصبح غير محتملة».

وأوضح الخوري أن ما يزيد على ذلك هو «تضاعف عدد السكان العرب 4 مرات في العقود الـ5 الماضية من 90 مليون في عام 1960 إلى أكثر من 400 مليون في العام الماضي، في حين لم تتغير البنية التحتية الاقتصادية مقدار ذرة؛ ما يجعله يرى أن هذه الحقائق الديموغرافية، بالإضافة إلى وصول المرأة إلى سوق العمل في عدد من الدول تسببًا بزيادة كبيرة في العرض، اصطدم هذا الواقع بهيكل اقتصادي ريعي أو نصف ريعي غير قادر على تلبية الحاجة المتزايدة للسوق».

على سبيل المثال – يقول الخوري – ازداد عدد القوى العاملة العربية 3 أضعاف عما كانت عليه في المناطق الناشئة الأخرى خلال عامي 1996-2006، ومن نتائج ذلك – التي بقي عدد من الزعماء العرب صامتين تمامًا تجاهها أو غير مبالين – البطالة بين الشباب التي وصلت إلى معدلات عالية على الصعيد الدولي خلال السنوات العشر التي سبقت الانتفاضات الشعبية، حيث بلغ متوسط البطالة 30% في العالم العربي، بينما وصل في بعض البلدان، مثل ليبيا إلى 49%.

وأضاف «مع ازدياد عدد طلاب الدراسات العليا تفاقمت هذه الآفة – أكثر من 400 ألف خريج كل عام يدخلون سوق العمل في مصر، و150 ألف في الجزائر، وبحدود 60 ألف في تونس والمغرب – وهذا ما تحدثت عنه في مقالتي (الثالوث القاتل: اللامساواة والفقر وانعدام الأمن الغذائي)».

واستطرد الخوري قائلًا إنه «منذ سنة 1990 اتسعت أوجه التفاوت في العالم العربي نتيجة لأمور منها: عدم وجود نظام يضمن توزيعًا عادلًا للموارد، حيث تفتقد بعض البلدان العربية إلى نظام ضريبي نتيجة اعتمادها على نظام اقتصادي ريعي. بالإضافة إلى عدم تطبيق الإصلاحات النيوليبرالية التي حددها صندوق النقد الدولي».

امرأة تسأل المارة وبجانبها طفل. مراكش-المغرب

لقد استفاد السياسيون من دائرة السلطة، وكذلك أصحاب رأس المال على حساب العمال، وهذا ما يفسر ارتفاع معامل جيني في المناطق الحضرية في مصر من 34٪ في عام 1991 إلى 37.5٪ في عام 2005.

وفي الوقت نفسه قد انتشرت التبعية الغذائية خلال هذه الفترة – بحسب الخوري – فبسبب سياسة الانفتاح والإصلاح التي أملتها مؤسسات بروتون وودز – والتي تتعارض مع أفكار الإصلاح الزراعي – تخلّت العديد من البلدان العربية عن القطاعات الصناعية والزراعية، في حين يُعاني الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية من طاقة زراعية ضعيفة في الأصل.

لنأخذ مصر على سبيل المثال حيث تراجعت حصة الزراعة في الناتج المحلي من 31% عام 1972 إلى 13% عام 2008؛ مما أدى إلى زيادة الاعتماد على الواردات، فضلًا عن التقلبات في الأسعار الدولية، ومع التضخم الذي حصل بعد عام 2000 أصبح هذا الاعتماد المَرَضي مُكلفًا للغاية بالنسبة للمجتمع وللنظم القائمة، والنتيجة هي تزايد العجز العام، في حين أن ملايين الأسر قد تراجع دخلها خلال بضع سنوات، أو حتى أشهر، إلى ما دون خط الفقر، ففي مصر يعيش ما يقرب من 72٪ من السكان على أقل من 4 دولارات في اليوم حسب إحصاءات عام 2008. ومما زاد الأمر سوءًا انعدام الأمن الغذائي بسبب ظاهرة التصحر والإجهاد المائي في غياب أية سياسة وقائية.

أما آخر جذر للشر المنتشر في العالم العربي فهو الفساد المستشري – يقول الخوري – هناك 84٪ من الدول العربية تعتبر «فاسدة للغاية» حسب منظمة الشفافية الدولية. ووفقًا للمنظمة العربية لمكافحة الفساد، فإن ما يقرب من تريليون دولار – ثُلث إجمالي الإيرادات العربية – تم إنفاقها بصورة فاسدة خلال أشكال فساد متعددة في النصف الثاني من القرن الـ20.

اقرأ أيضًا: مترجم: مصر ستفقد 50% من الزراعة.. تعرف على آثار سد النهضة خلال 3 سنوات

حسب رأيكم هل هذا ينطبق على كل الدول العربية؟ أم أن هناك اختلافًا؟

أجاب بشير الخوري عن هذا السؤال بأن هناك خصائص مشتركة بين جميع الدول العربية من المغرب إلى الخليج مرورًا بالشرق المتوسط، وهو هيكل اقتصادي ريعي أو شبه ريعي غير ملائم مطلقًا للواقع الديموغرافي، ولا للقوى العاملة.

بالمناسبة علينا أن نعرف أن الاقتصاد الريعي ليس خاصًا فقط بالنفط والغاز، هناك أيضًا أشكال غير تقليدية، مثل السياحة، أو تحويلات المهاجرين، أو استغلال المواقع الاستراتيجية، مثل قناة السويس.

ويضرب الخوري مثالًا بالأردن التي تصل تحويلات المغتربين إليها إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 15 إلى 20% في لبنان؛ مما ينعكس سلبًا على النمو الداخلي المرتكز على التخصص الصناعي، والابتكار والإنتاجية، وهو الضمان الوحيد لفرص العمل بشكل دائم. في الوقت نفسه – يضيف الخوري – لا تسلم أية بلد من البطالة وانخفاض معدلات المشاركة في القوة العاملة، وحتى الدول النفطية الغنية مهددة الآن بهذه الظاهرة.

طفلان يمنيان يبحثان في القمامة-اليمن

أما فيما يتعلق باللامساواة والفقر – يستطرد الخوري – فهي ظواهر منتشرة جدًا في معظم البلدان، بما في ذلك الخليج، ففي إحدى دول الخليج يعيش حوالي 3 ملايين شخص تحت خط الفقر عشية الربيع العربي، أي ما يقرب من 22% من السكان.

كما ينوه إلى أن هناك اختلافات بين البلدان أو مجموعة من البلدان في منطقة مختلفة، فهناك الدول المصدرة والمستوردة للنفط، وهناك البلاد الغنية أو الفقيرة بالنسبة للماء، وكذلك البلاد الصحراوية تمامًا، ولكن النظم الاقتصادية تبقى نفسها، فهي إما سوق ليبرالية أو اجتماعية أو ذاتية، بينما لو تناولنا الثورة التكنولوجية، فسوف نجد أن الفرق شاسعًا بين دول الخليج ودول المشرق والمغرب.

كما تحدث الكاتب والمؤلف عن أن تفتيت الوطن العربي إلى عدة دول مختلفة يشكل جذرًا آخر للوضع السيئ للعالم العربي ولاستمراريته؛ لذلك فإن إنشاء تكتل اقتصادي على المدى البعيد يتيح في الواقع معالجة العديد من التحديات التنموية للمنطقة، خاصة إذا بُني هذا التكتل بروح من الاحترام المتبادل، وعلى أساس من التعاون الحقيقي القائم على مبدأ الميزة النسبية.

مثلًا السودان ولبنان غنيان بالمياه وبالأراضي الصالحة للزراعة، أما بالنسبة للدول الـ11 المنتجة للنفط – من بين 22 دولة عربية – فإنها تستحوذ على 55% من احتياطي النفط العالمي، هناك أيضًا بلدان عربية أخرى غنية برأس المال البشري أو التاريخي، أو المواقع السياحية والطبيعية، وهلم جرًا، ويقول خوري مؤكدًا إنه لو جرى تجميع كل هذه الموارد، فإن الفائدة ستعم المنطقة بأكملها. ولكن كي يتحقق هذا المشروع – يضيف الخوري – يجب أن يكون هناك وعي عربي جماعي بضرورة إنهاء الحلقات المتكررة من العنف والحروب الداخلية، وكذلك وعي بمزايا مشروع عربي بنّاء.

أيضًا يجب تخفيف التدخلات الخارجية التي تستهدف البلاد العربية منذ اتفاقيات «سايكس بيكو» و«وعد بلفور»، أو حتى منذ فترة الإمبراطورية العثمانية، والتي تهدف لتفتيت المنطقة وكسر وحدتها. إن ذلك يتطلب أيضًا شخصيات أو قادة أصحاب بصيرة – هم غائبون أو مغيّبون تمامًا – مثل روبير شومان، وجان مونيه، وكونراد أديناور.

اقرأ أيضًا: «الجارديان» عن مئوية وعد بلفور: أيدناه لكن إسرائيل انتهت في مكان لم نكن نرغبه

تعود في كتابك إلى أمور أخرى غير الأسباب الاقتصادية، وخاصة الجذور الاجتماعية والاقتصادية المشتركة للاستبداد، والانتفاضات الشعبية، وكذلك الإسلاموية. كيف تفسر ذلك؟

يعطي الكاتب بشير خوري مثالي توضيحيين للإجابة على هذا السؤال، فيقول: أولًا إن الثروات الطبيعية وعدم وجود تنوّع اقتصادي؛ عززا وجود الأقلية في السلطة، في حين أن الأغلبية وجدت نفسها مستبعدة، وبالتالي اضطرت إلى الاختيار بين المنفى أو التمرد أو الانتماء إلى الجماعات المتطرفة.

جندي تابع للجيش المصري يقف في منطقة قناة السويس

ثانيًا – يضيف الخوري – وبسبب غياب الإصلاحات النيوليبرالية في مصر، فقد رافق سياسة الانفتاح الاقتصادي صعود قوة الجيش الاقتصادية، الذي سيطر في الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) على ثلث الاقتصاد المصري، فضلًا عن الزيادة الكبيرة في عدد رجال الأعمال في الحزب الوطني الحاكم، 83 عضوًا في عام 2005، مقابل 37 في عام 1995، معظمهم من أعضاء حزب حسني مبارك.

وهكذا عندما تم خصخصة أكثر من 300 مصنع، وكذلك بعض المؤسسات العامة في أوائل التسعينات، ظلت أصول الجيش سليمة، وقد تكرر هذا السيناريو بين عامي 2004 و2011. لقد تم تعيين كبار الضباط العسكريين في مناصب رئيسة في هذه الشركات أو المصانع المخصخصة، أما بالنسبة لعشرات الآلاف من الموظفين المسرّحين في أعقاب موجات الخصخصة، أو الضحايا الآخرين للإصلاحات التي فرضها صندوق النقد الدولي، فقد وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل أو في السوق السوداء، فانضموا إلى الحركات الاحتجاجية المدنية أو المنظمات والجمعيات، مثل تلك التي ينتمي إليها السلفيون والإخوان المسلمون.

اقرأ أيضًا: ماذا خسر الاقتصاد المصري بانخراط الجيش فيه؟

لقد قلت بأن الربيع العربي تحول إلى شتاء، كل بلد لها شياطينها الخاصين، كيف يمكن اليوم لهذه البلاد وللعالم العربي بصورة عامة أن يخرج من ذلك؟

لن يخرج العالم العربي قريبًا. قال الخوري ذلك في بداية الإجابة عن السؤال، وأضاف «إن فصل الشتاء أمر لا بد منه في دورة المواسم، والربيع الحقيقي سيأتي في فترته، ولكن حتى لا يطول الشتاء ويكون قاسيًا، هناك حاجة لنشر الوعي وللعمل الفعّال على المستوى المحلي، وكذلك على مستوى القوى الأجنبية المعنية بالشأن العربي».

إذ يرى الكاتب أنه في البداية لا بد من وضع حدّ للنزاعات التي تدمّر المنطقة، من سوريا إلى اليمن، مرورًا بليبيا والعراق. وفي الوقت ذاته لا بد من تطبيق حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية تركز على الانتقال نحو اقتصاديات ما بعد الريعية، وإنشاء فرص عمل هائلة لوقف ظاهرة البطالة بين صفوف الشباب.

جزء مدمر من مدينة الرقة جراء الحرب بين الأطراف المتصارعة في سوريا

اقتبس الصحافي بالأمين مما جاء في كتاب الخوري «الربيع العربي ربما مات اليوم. ولكن من الممكن إحياؤه». وتساءل:

حسب رؤيتكم، فإن هذا الربيع لا بد أن يعبر من خلال «ربيع عربي اجتماعي اقتصادي»، فهل تعتقدون اليوم أن السياسيين، وكذلك المواطنين العرب، وفي تونس، لديهم ما يكفي من النضج والوعي لتحريكه؟

أجاب الخوري قائلًا «إن هناك من لا يدركون هذه المشاكل أو يشعرون بالعجز بكل بساطة، لا سيما بين المواطنين وضحايا الاستبعاد الثلاثي: السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن بينهم أيضًا أولئك الذين جُنّدوا في جماعات متطرفة».

أيضًا هناك من يدركون ذلك – يضيف الخوري – ولا سيما الأشخاص الذين في السلطة، والذين يستفيدون بالرغم من ذلك من منظومة امتيازات، وبالتالي هم ليسوا على استعداد للتخلي بسهولة، حتى بعد أن أحدث زلزال الثورات الشعبية وصعود الحركات الراديكالية تصدّعات على هذا المستوى. هذا هو السبب في أن العمل على التوعية بالمشاكل الحقيقية وتسليط الضوء عليها أمر حتمي من أجل نشر الوعي حول التحديات الصحيحة، في حين ينبغي أن تستمر الضغوط الشعبية المدنية.

اقرأ أيضًا: 10 كتب لتبسيط وفهم الاقتصاد لغير المتخصصين

يختتم بالأمين مقابلته موجهًا سؤاله لبشير الخوري: هل أخطأ العالم الغربي في استراتيجيته تجاه العالم العربي؟

يرى خوري أن استراتيجية «استئصال جذور الإرهاب» التي اعتمدها الغرب، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة – منذ ما يقرب من 20 عامًا – قد كلّفت مئات الآلاف من الجنود والمدنيين أرواحهم، واستنزفت عدة تريليونات من الدولارات، فالحروب في أفغانستان والعراق ستكلف ما يصل إلى 6 تريليون دولار بحلول عام 2050. والأفظع – من وجهة نظر الكاتب – هو أن هذه الحروب لم تفشل فقط في القضاء على الإرهاب الذي تمثله القاعدة حتى عام 2014، ولكن خلقت وحشًا أكثر خطورة من السابق.

يقول خوري إنه «لو استثمرت هذه المبالغ نفسها المخصصة لسياسات مكافحة الإرهاب في التعليم، وخلق فرص عمل والقضاء على الفقر – التكلفة الإجمالية للحروب في أفغانستان والعراق تزيد بنسبة 70 إلى 100 مرة على تكلفة الإنفاق والتعليم في العالم العربي، والمبلغ اللازم للقضاء على الجوع على مستوى العالم – فليس هناك أدنى شك أن الصورة كانت ستصبح أفضل بكثير في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مما هو عليه في أوروبا، وأماكن أخرى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد