كأنه لم يكن كافيًا الضرر الشديد الذي لحق بنا جراء الغزو الأمريكي للعراق والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، يشارك العالم العربي الآن في حرب التدمير الذاتية من الاستقطاب الطائفي والعنف.

كأنه لم يكن كافيًا الضرر الشديد الذي لحق بنا جراء الغزو الأمريكي للعراق والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، يشارك العالم العربي الآن في حرب التدمير الذاتية من الاستقطاب الطائفي والعنف.

بينما هى الحقيقة أن حرب 2003 كانت الزناد الذي أدى إلى صعود الجماعات الطائفية، فالعديد من القادة السياسيين العرب ورجال الدين وأيضًا بعض المثقفين قاموا بتأجيج الطائفية والكراهية والغضب لخدمة ما في جوهره صراع على السلطة و النفوذ.

ما نشهده من تطييف قبيح للمجتمعات العربية والذي يؤثر على توقعات الناس ونظرتهم للمصطلحات والموقف من هؤلاء المحاصرين في الخندق السطحي والتي غيمت على عقول وأغلقت قلوب.

ما تلى الدولة من ارتباك وخوف أجبر الكثير لقبول خرافات “الطائفية الملفوفة” والتي تقوم على تشويه صورة طائفة واحدة أو أخرى حتى تتغاضى عن حالة القاعدة أو عن الجرائم المروعة ضد الأقلية المسيحية واليزيدية في العراق.

اللغة الطائفية:

لم تعد اللغة الطائفية تخص الأحزاب الطائفية بكل صراحة، ولكن اخترق تعميم اللغة إما في مصطلحات محددة أو في الحياد المفترض “تحليلًا” للتطورات السياسية في المنطقة وخارجها.

على سبيل المثال، فالبعض يرى أن إيران وراء كل الكوارث، حيث كان ذلك واضحًا في الآونة الأخيرة عندما تم اتهام الحجاج الإيرانيين في تسببهم عمدًا في حادث التدافع بمكة المكرمة والذي حدث بسبتمبر الماضي وفي الإدعاءات الدائمة بأن الحرب بين العراق، وإيران كانت بسبب خطط الشيعة الشريرة كي يتحكموا ويقودوا السنة بالعالم العربي.

الحقيقة أن أكثر من 450 إيرانيًّا قتلوا في حادث التدافع أو الحقيقة أن حرب 1981 بدأت عندما ألغى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين اتفاقية الجزائر عام 1975 والتي كانت بشأن التغاضي عن النزعات الحدودية بشكل سهل.

ومن الغريب أن هذه الطائفية لم تسد خلال الحرب بين إيران والعراق

والتي استمرت ثماني سنوات برغم أن هذه الحكومات، أي الحكومات

العربية ذات الأغلبية السنية والت حرضت صدام لإثارة الحرب،

كانت موالية للغرب.

بالتأكيد كانت الدعاية الشوفينية حاضرة بقوة وبنفس القبح الذي

كانت عليه، ولكنها لم تكن طائفية وإنما محاولة للحشد الجماهيرى وراء الدفاع العراقي القومي العربي في العالم العربي ضد المؤامرة الفارسية التاريخية، والتي من المفترض أن تغزو العالم العربي.

ومن المؤكد فإن إيران عملت بدورها في تأجيج معاداة العروبة – ولقد واجهت ذلك مباشرة أثناء مهمتي كمراسلة من طهران عام 1995، وقد تشارك ذلك بشكل أكثر جدية في رعاية وتدريب الجماعات الشيعية العراقية الطائفية والتي عادت إلى العراق بعد الغزو الأمريكي للبلاد.

مكافحة الاستعمار وفلسطين:

قبل ذلك كانت اللغة المعادية للشيعة ليست المهيمنة في النفسيةالجماعية العربية والتي شكلت أكثر من إرث من نضال ضد الاستعمار والالتزام بالقضية الفلسطينية.

ولذلك فإن غالبية العرب، على عكس الحكومات العربية الموالية للغرب احتفلت صراحة بالثورة الإيرانية عام 1979م، والتي أطاحت بنظام رضا بهلوي والتي كان ينظر إليها “الدرك” للمنطقة حامية للمصالح الأمريكية و الإسرائيلية.

إن الأنظمة العربية الموالية للغرب هي التي كانت تخشى وحرضت ضد ما بعد الثورة الإيرانية، ليس على أساس طائفي ولكن بسبب التنافس الشرس على النفوذ والسيطرة.

لم يمض أكثر من عقد من الزمان لاحقًا حتى أصبح ذلك الخوف من النفوذ الإيراني على المسلمين الشيعة في دول الخليج مبالغًا فيه، وأصبح مصدر قلق عارم لهذه الأنظمة، والذي تم استخدامه كذريعة لقمع المعارضة الداخلية.

وكانت الدعوى ضد “التهديد الشيعي” والذي بدأ على قدم وساق في عام 2004م، والتي كانت جزءًا من التشكيل المدعوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية محور تناول ما سمي بالدول العربية “المعتدلة” في مقابل محور الشيعة بقيادة إيران الذي تهدف إلى تفويض الدعم لحزب الله وحماس والمقاومين ضد إسرائيل.

أظهر الملك عبد الله عاهل الأردن في عام 2004 و2007 المشاعر المعادية للشيعة من خلال دعوته الملحة إلى ضرورة مواجهة التوسع في الهلال الشيعي في المنطقة.

وقد تحدث العاهل الأردني عن التوسع للهلال السياسي الأيدولوجي الذي ترعاه إيران، وكانت كلماته تزيد وتدفع إلى الطائفية والاستقطاب بدلًا من المواجهة الدينية.

وقد تسربت العديد من الشعارات إلى اللغة العربية المكتوبة والمنطوقة

مثل التوسع الشيعي و التهديد الشيعي، بالإضافة إلى الوصف المتعمد للشيعة بالخوارج وهم من تركوا الإسلام “والصفويين” في إشارة إلى السلالة الصفوية التي حكمت إيران في القرن السادس عشر.

دعاوى مغرضة:

وإنه لمن المؤسف أن تجد العديد من المثقفين العرب يستخدمون هذه اللغة المهينة وكذلك تتضح في خدع الدعاة المتحيزين مثل الداعية السعودي محمد العريفي، والذي حرض وأشعل نيران العداء ضد الشيعة.

وإن قمع المقاومة ضد الجيش الأمريكي ذات الأغلبية السنية في العراق من قبل الحكومة الشيعية الطائفية في بغداد يقدم الدليل على الكراهية الأبدية من الشيعة للسنة، وليس مجرد تحالف وظيفي للسلطة.

وكذلك الحملة العنيفة ضد الانتفاضة الشعبية في سوريا من قبل النظام السوري العلوي أدى في النهاية إلى ظهور الجماعات السنية المتطرفة وهو حتى الآن فصل آخر مكتوب في السيناريو الكئيب.

لكن “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” كانت أول من صرحت “الحرب على الشيعة” من خلال بريد إليكتروني من قبل مؤسسها الأردني أبي مصعب الزرقاوي، والذي قتل في عام 2006 إلى نائب قائد تنظيم القاعدة أيمن الظواهري الذي رفض على الفور الفكرة والتي تؤدي إلى “قتل المسلمون لبعضهم”.

وقد انخفضت شريحة حزب الله في خطر الشيعة تمامًا داخل المستنقع السوري، ولم يعد ينظر إلى الحركة من قبل العديد من المعجبين بها كحركة مقاومة، ولكن عنصر طائفي فاعل تسيطر عليه إيران.

شعار انقسام:

إن التحول في المواقف تجاه حزب الله يمثل منعطفًا خطيرًا حيث استبدلت الشعارات الموحدة “مقاومة إسرائيل” “الخبر” “العدالة الاجتماعية والتحرر بالثورات العربية” بشعار انقسامي هو “مقاومة الشيعة”.

وإن تشتيت الانتباه للشعب العربي من النضال من الحقوق الفلسطينية والمظالم الاجتماعية والاقتصادية بما يناسب أغراض الأنظمة العربية لتبرير تحالفها مع الولايات المتحدة واضطهاد المعارضة العربية.

فتمزيق المجتمعات العربية بهذه الطريقة ليست ذات صلة بالنسبة لمعظم الأنظمة العربية، حيث أصبحت الطائفية أداة أخرى لتقسيم الشعب والهيمنة عليه وتبرير الحروب والقمع.

وفي نهاية المطاف فإن المحافظين الجدد للولايات المتحدة والذين دفعوا لمثل هذه الروايات منذ عام 1990 يمكن الآن أن يقعدوا ويريحوا الكثير من العرب لأغراض و أسباب مختلفة، وفي النهاية قد نتنبأ إلى تفكك العالم العربي إلى شظايا طائفية.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد