يبدو أن الأحزاب الإسرائيلية تُدرك أنها بحاجة إلى استقطاب الناخبين من عرب إسرائيل للفوز بالانتخابات القادمة، بل إن بعضها مستعد للنظر في إشراك الأحزاب العربية في حكومة ائتلافية.

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا أعدَّه باتريك كينجسلي، مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في القدس، سلَّط فيه الضوء على الدور الذي ربما تلعبه الأحزاب العربية في الأراضي المحتلة، مشيرًا إلى مساعي عدد من الأحزاب الإسرائيلية لكسب دعم هذه الأحزاب العربية بالتلميح إلى أنهم يفكرون في انضمام الأحزاب العربية إلى الحكومة الائتلافية القادمة.

هل يُقرر العرب اسم رئيس وزراء إسرائيل؟

وفي مستهل تقريره، يُشير الكاتب إلى أحد قيادات هذه الأحزاب العربية، وهو منصور عباس، مسلم محافظ، لكن الكاتب وصفه بأنه شريك سياسي مُستبعَد من وجهة نظر قادة الدولة اليهودية. وعباس أحد المؤيدين للإسلام السياسي، ويتزعم حزبًا عربيًّا ينحدر من التيار الديني نفسه الذي انبثقت منه حركة حماس المتشددة. وعلى مدى معظم مسيرته السياسية، لم يُفكر عباس مطلقًا في دعم الأحزاب الإسرائيلية ذات التوجه اليميني، التي قادت إسرائيل خلال العقود الأربعة الماضية تقريبًا.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: أما الآن، وجد عباس ضالته، إذ بمقدوره المساعدة في تقرير اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم بعد إجراء الانتخابات العامة في الشهر المقبل، حتى لو كان ذلك يعني عودة تحالف الجناح اليميني إلى سُدَّة السلطة. ويأمل عباس، بعد أن سئِم من الدور الهامشي الذي تُؤديه الأحزاب العربية في إسرائيل، في أن تُحافظ مجموعته الإسلامية الصغيرة، القائمة الموحدة (رام)، على ميزان القوى بعد الانتخابات، وأن تُثبِت أنها شريك لا غنى عنه لأي زعيم يهودي يسعى إلى تشكيل حكومة ائتلافية.

وأوضح عباس خلال مقابلة أُجريت معه أثناء حملته الانتخابية في كفر قانا، وهي بلدة عربية صغيرة تقع في شمال إسرائيل، وفي هذه البلدة يقول الكتاب المقدس إن المسيح حوَّل الماء إلى خمر في أحد الأعراس (القصة واردة في إنجيل يوحنا 2: من الآية 1 إلى الآية 12)، قائلًا: «بإمكاننا العمل مع أي شخص. لقد كان السياسيون العرب سابقًا يجلسون في مقاعد المتفرجين على العملية السياسية في إسرائيل». وأضاف: «أما الآن، فإن العرب يبحثون عن دور حقيقي في السياسة الإسرائيلية». 

تحوُّلات لافتة للنظر ونتائج عكسية

وبحسب التقرير، يُعد تحوُّل منصور عباس جزءًا من تحول أشمل يحدث على الصعيد السياسي العربي في إسرائيل، مشيرًا إلى أن هناك اتجاهين يتقاربان أكثر جرَّاء تسارع الحملة الانتخابية: من جانبهم، يعتقد السياسيون والناخبون العرب على نحو متزايد ضرورة السعي للوصول إلى السلطة من داخل النظام الإسرائيلي بدلًا من ممارسة الضغط من الخارج لتحسين حياة العرب في إسرائيل. ومن جانب آخر، تُدرك الأحزاب الإسرائيلية الرئيسة، كلٌ على حدة، أنهم بحاجة إلى استقطاب الناخبين العرب للفوز في الانتخابات الوشيكة جدًّا، بل إن بعضهم على استعداد للعمل مع الأحزاب العربية بوصفهم شركاء محتملين في حكومة ائتلافية.

وأضاف الكاتب أن الاتجاهَين انبثقا من البراجماتية السياسية بعيدًا عن الالتزام بالمبادئ والعقيدة. وفي حين أن اللحظة الراهنة يُمكن أن تمنح الناخبين العرب سلطة حقيقية، فإنها أيضًا قد تُسفر عن نتائج عكسية: إذ ستؤدي تحركات منصور عباس ومبادرات الأحزاب، التي يقودها اليهود، إلى تقسيم الأصوات العربية، أي قد يتسبب هذين العاملين في انخفاض أعداد المشرِّعين العرب في الكنيست الإسرائيلي القادم.

تحت قبة الكنيست.. العرب ثالث أكبر تحالف

ويستدرك كاتب التقرير قائلًا: بيد أنه في أعقاب المكاسب القوية التي حققتها الأحزاب العربية في الانتخابات الأخيرة، عندما تمكنت من الفوز بخمسة عشر مقعدًا لتصبح القائمة العربية المشتركة ثالث أكبر تحالف داخل الكنيست الإسرائيلي الذي يضم 120 مقعدًا، لا يزال العرب ممنوعون من المشاركة في الائتلاف الحاكم، لذلك يبحث البعض عن بدائل أخرى. يقول محمد مجادلة، مذيع تلفزيوني عربي مشهور، إنه: «بعد أكثر من عقد من تولي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السلطة، اقترح بعض السياسيين العرب نهجًا جديدًا: إذا لم تتمكن من هزيمته، فانضم إليه. وهذا نهج جريء، لكنه خطير أيضًا». 

Embed from Getty Images

ونوَّه التقرير إلى أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل يُمثلون أكثر من خُمس سكان إسرائيل. ومنذ تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948، أسهم هؤلاء العرب دائمًا في انتخاب حفنة من المشرِّعين العرب في الكنيست. لكن هؤلاء المشرِّعين عانوا طويلًا من أجل إحداث الفارق. ولا ينظر قادة اليهود إلى الأحزاب العربية على أنهم شركاء مُرحَّب بهم في الائتلاف، بل ويذمهم بعض قادة إسرائيل من ذوي التوجهات اليمينية بوصفهم أعداءً للدولة، وإلى جانب ذلك يسعى هؤلاء القادة الإسرائيليون إلى تعليق عضوية المشرِّعين العرب في الكنيست. وبدورها، شعرت الأحزاب العربية بارتياح أكبر بوجه عام كونها جزءًا من المعارضة، ولم تقدم أي دعم للأحزاب الإسرائيلية إلا نادرًا وكان ذلك ليسار الوسط الذي تتضاءل نفوذ أحزابه منذ بداية القرن الحالي.

وأوضح الكاتب أن هذه الديناميكية تدهورت في السنوات الأخيرة بطريقة ما. وفي عام 2015، أشار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى خطر الارتفاع النسبي للمشاركة العربية في الانتخابات، محذرًا الإسرائيليين في يوم الانتخابات لإخافة قاعدته الانتخابية ودفعهم نحو المشاركة في الاقتراع، قائلًا: «الناخبون العرب يتدفقون بأعداد كبيرة إلى مراكز التصويت». وفي عام 2018، أقرَّت حكومة نتنياهو عددًا من القوانين الجديدة التي كرَّست تهميش مكانة اللغة العربية ووصفت إسرائيل رسميًّا بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي فحسب. وفي عام 2020، رفض بيني جانتس، منافس نتنياهو من الوسط، تشكيل حكومة قائمة على دعم من الأحزاب العربية.

نتنياهو يُغازل عرب إسرائيل

ويستدرك الكاتب قائلًا: لكن بعد مرور عام واحد، وبينما تتجه إسرائيل إلى انتخاباتها الرابعة خلال عامين من الجمود السياسي، يتغير هذا النموذج سريعًا. إذ يتودد السيد نتنياهو بقوة، في الوقت الراهن، إلى الناخبين العرب. وعلى خُطا نتنياهو، قال يائير لابيد، المنافس على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، إنه قد يشكِّل تحالفًا مع المشرِّعين العرب، على الرغم من استخفافه بهم في وقت سابق من حياته المهنية. كما وعد حزبان ينتميان إلى اليسار بالعمل مع تحالف من المشرِّعين العرب لدعم المصالح العربية.

وبحسب استطلاعات الرأي، يرغب معظم المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في أن يؤدي النواب الذين انتخبوهم دورًا في الحكومة الإسرائيلية. وأكدَّ منصور عباس على أنه: «يجب على السياسيين العرب كسب النفوذ من خلال دعم الأحزاب التي تتعهد بتحسين حياة المجتمع العربي». بينما أعرب سياسي عربي آخر، وهو علي سلام، عمدة بلدية الناصرة (أكبر مدينة عربية في إسرائيل) عن دعمه لنتنياهو، زاعمًا أنه على الرغم من تصريحات نتنياهو السابقة، فإنه صادق بشأن تحسين حياة العرب.

«خطيئة» التعاون مع العرب

وفي هذا الصدد، علَّق ناحوم برنيع، أحد أشهر كتَّاب الأعمدة في إسرائيل قائلًا: «في النظام السياسي الإسرائيلي، اعتدنا أن ننظر إلى التعاون مع الأحزاب العربية أو حتى الناخبين العرب على أنه إثم لا بد من ارتكابه. لكن نتنياهو جعل العرب فجأة شريكًا قانونيًّا في أي مناورة سياسية». وأضاف برنيع: «وبطريقة ما، أتاح نتنياهو إطارًا، أتمنى ألا يُغلق بعد اليوم».

Embed from Getty Images

وألمح الكاتب إلى أن المدة الانتقالية لنتنياهو كانت من بين أبرز الأوقات التي حكم فيها. إذ وعد بتوفير مزيد من الموارد للجاليات العربية وتعهد بمكافحة الجريمة المنتشرة في الأحياء العربية. وبدأ يطلق على نفسه لقب «أبو يائير»، في إشارة إلى ابنه، يائير، الذي يداعب المسامع العربية بلطف ليتقرب إليها. 

وفي لحظة فاصلة وقَعَت في يناير (كانون الثاني)، أعلن نتنياهو أمام تجمع حاشد في مدينة الناصرة عن «حقبة جديدة» لعرب إسرائيل، كما قدَّم اعتذارًا عن تصريحاته السابقة بشأن الناخبين العرب. وصرَّح قائلًا: «لقد اعتذرت عن تصريحاتي هذه في حينها وأعتذر عنها اليوم كذلك»، قبل أن يُضيف أن منتقديه هم الذين «حرَّفوا تصريحاتي». 

نتنياهو يُكشف

وأفاد التقرير أنه في السياق ذاته، يقول النقاد إن «نتنياهو يُغازل الناخبين العرب لأنه بحاجة إليهم من أجل الفوز بالانتخابات، وليس لأنه يكترث بهم بصدق». وبالإضافة إلى ذلك، وافق نتنياهو الشهر الجاري على أن يضم حكومته الائتلافية القادمة حزبًا يمينيًّا متطرفًا يريد زعيمه حظر ترشح عديد من العرب لعضوية الكنيست. واستبعد تشكيل حكومة تعتمد على دعم منصور عباس.

ويُرجِّح الكاتب أن تكون نتائج الانتخابات المقرر إجراؤها في الشهر القادم قريبة من نتائج الانتخابات الثلاثة السابقة. وفي الوقت الحاضر، يُحاكم نتنياهو بتهم فساد، وإذا ظل في السلطة يمكنه مواصلة تشريع القوانين التي تحميه من الملاحقة القضائية. يقول عفيف أبو مخ، المعلق المخضرم على شؤون السياسة العربية في إسرائيل: إن: «كل ما يكترث نتنياهو لأمره هو نتنياهو نفسه». 

وعلى نفس المنوال، لم يتخلص السياسيون والناخبون العرب من شعورهم بالانزعاج من الصهيونية والسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. إلا أن ثمة إدراكًا متزايدًا بأن المشاكل التي تواجهها الجالية العربية في إسرائيل، مثل عنف العصابات والفقر والتمييز في إمكانية الحصول على السكن والأراضي، لن تُحل من دون مشاركة السياسيين العرب في وضع السياسة على أعلى مستوى.

نهج جديد

واستشهد الكاتب بما قاله منصور عباس: «أريد تحقيق نتائج مختلفة في الانتخابات، لذلك، فأنا بحاجة إلى تغيير الأسلوب. لقد وصلت الأزمات في الجالية العربية إلى نقطة الغليان». ومع ذلك، يمكن لخطة عباس أن تفشل بسهولة وتُقوض التأثير الضئيل الذي يحظى به عرب إسرائيل حاليًا.

Embed from Getty Images

وللإسراع في تنفيذ نهجه الجديد، تحتَّم على عباس الانسحاب من تحالف الأحزاب العربية، القائمة المشتركة، التي لا يقتنع أعضاؤها بالعمل مع اليمين الإسرائيلي. وقد يُؤدي هذا الانقسام إلى إضعاف سلطة التمثيل الجماعي للمشرِّعين العرب في الكنيست.

ويشير التقرير إلى أن الدعم لحزب عباس يقترب حاليًا من مستوى 3.25 في المئة الذي تحتاجه الأحزاب لضمان الدخول إلى الكنيست. وحتى لو تخلَّى حزبه عن نهجه، فليس هناك ضمانات بأن أي متنافس على رئاسة الحكومة الإسرائيلية سيحتاج إلى دعم الحزب أو يسعى للحصول عليه لضمان توفير المقاعد الـ 61 اللازمة لتشكيل حكومة ائتلافية.

هل يستهدف نتنياهو تشرذم عرب إسرائيل؟

وعلى الرغم من تحريضه السابق ضد العرب، قد يتمكن نتنياهو من إخراج الناخبين العرب من الأحزاب العربية، الأمر الذي يحد من تأثيرهم. وربما يظل مزيد منهم في منزله، يشعرون بخيبة الأمل من الانقسامات داخل الأحزاب العربية وعدم قدرتها على إحداث تغيير ذي دلالة، أو لأنهم يقاطعون دولة إسرائيل التي يرفضون سلطتها. تقول سهام إغبارية، ربة منزل تبلغ من العمر 40 عامًا اشتهرت بسبب سعيها لتحقيق العدالة لزوجها وابنها اللذين قُتلا في المنزل في عام 2012 على يد قاتل مجهول، «لا أؤمن بأي من المرشحين، ولا أثق في أي واحد منهم». وتطرقت سهام للحديث عن النخبة السياسية العربية في إسرائيل قائلة: «تعاملت معهم جميعًا، ولم يحدث شيء». 

واختتم الكاتب تقريره قائلًا: ينظر بعض الفلسطينيين إلى المشاركة في حكومة إسرائيل على أنها خيانة للقضية الفلسطينية، وهو الانتقاد الذي يتفهمه عباس، وأقرَّه قائلًا: «لدي هذا الصراع الشخصي المتجذر بعمق في داخلي. لقد تورطنا في صراع دموي وقاسٍ دام لمدة 100 عام». 

لكن عباس أضاف أن الوقت قد حان للمضي قدمًا، إذ قال: «يجب أن يكون الشخص قادرًا على التطلع إلى المستقبل، وبناء مستقبل أفضل للجميع، العرب واليهود على حد سواء».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد