عبد الكريم العدوان 23
عبد الكريم العدوان 23

استهل جوزيف فهيم، ناقد الأفلام المصري، تقريره المنشور في موقع «ميدل إيست آي»، بأن الأفلام الوثائقية العربية أصبحت نموذجًا فنيًّا يقتدى به، بفضل صانعي الأفلام وشركات الإنتاج الذين تخطوا المألوف، ويستعرض فهيم تاريخ تطور صناعة الأفلام الوثائقية منذ تسعينيات القرن الماضي إلى بداية الألفية الجديدة، وفي ما يلي ترجمة كاملة للتقرير:

في معظم الوقت من القرن العشرين كانت صناعة الأفلام الوثائقية العربية في حالة ركود، وخالية من الأسلوب الفني، ومجرد وسائل لنقل المعلومات، إذ تصنف في الغالب إلى ثلاث فئات: الدعاية الحكومية، وحملات التوعية، ودروس التاريخ. كانت رسائل الأفلام الوثائقية واضحة وحادة، وذات أسلوب فني جامد، إذ ينظر إلى صناعة الأفلام التسجيلية في العالم العربي ومعالجتها على أنها شكل فني من الدرجة الثانية، وذات ميزانية ضئيلة، وجمهور لا يذكر.

منها اللبناني «كفر ناحوم».. إليك قائمة «الجارديان» لأفضل 10 أفلام في «كان» 2018

الكثير من صانعي الأفلام الوثائقية

في أواخر التسعينات، بدأ نمو الأفلام الوثائقية العربية مع ظهور القنوات الفضائية العربية، على رأسها «قناة الجزيرة» التي خلقت من ميزانياتها الكبيرة ونطاقها الواسع جيلاً كاملاً من صانعي الأفلام غير الروائية. اكتسب المحتوى إحساسًا جديدًا بالإصرار، وباتت المواضيع أكثر حدة، كما استكشفت علاقة صانعي الأفلام بمواضيعهم.

مع ظهور المهرجانات السينمائية الخليجية -دبي، وبعدها أبوظبي والدوحة- في بداية القرن الجديد، تطورت الأفلام الوثائقية العربية لتصبح نموذجًا فنيًّا حميمًا مع جمهور متزايد، لم يتوقف عن بلوغ ذروته منذ ذلك الحين. بدأ المزيد من صناع الأفلام في تجاوز المألوف، وبدأوا في سرد قصصهم الشخصية بألفة ملحوظة، كما لم تر من قبل.

«دوكس بوكس» مهرجان سوري للأفلام الوثائقية، افتتح في عام 2007، يعد من أبرز المساهمين في تقدم الأفلام الوثائقية العربية، وسرعان ما أصبح واحدًا من أهم الأحداث في الشرق الأوسط، شهد المهرجان مناقشات عامة وجلسات أسئلة وأجوبة مع صانعي الأفلام والمنتجين، إلى جانب عروض الأفلام المجانية التي جرت في مدن مختلفة في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك طرطوس، وحمص، ودمشق، وغيرها.

يلبي المهرجان احتياجات كل من العامة ومحترفي السينما. ستنشأ قريبًا منصة لعرض المشاريع، مما تسمح لصانعي الأفلام الوثائقية بإيجاد التمويل لمشاريعهم، والتواصل مع شركات صناعة الأفلام من جميع أنحاء العالم، لكن في عام 2012 أدت الحرب السورية إلى نهاية مبكرة للمهرجان.

معمل «دوكس بوكس»

في عام 2014 ، أحيت «دوكس بوكس» على شكل منظمة غير ربحية، مقرها العاصمة الألمانية برلين، تقدم برامج إقامة لصانعي الأفلام العرب في المنفى، وورش عمل لتحرير الفيديو وجلسات استشارية، وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، أصبحت واحدة من أهم المعامل لصناعة الأفلام الوثائقية العربية.

عقد دوكس بوكس مؤتمرًا لمدة ثلاثة أيام لصناعة الأفلام الوثائقية العربية في الفترة من 12 إلى 14 أبريل (نيسان) الماضي في مدينة لايبزيج الألمانية، ما يعد أحدث مبادراتهم وأكثرها طموحًا. نظم المؤتمر بالتعاون مع الصندوق العربي للثقافة والفنون، وشارك كل من مهرجان «دوك ليبزج» أحد أشهر مهرجانات الأفلام الوثائقية في العالم، ومهرجان أمستردام الدولي للفيلم الوثائقي، مهرجان «صن دانس» السينمائي الدولي. الجدير بالذكر أن المؤتمر العربي الأوروبي للأفلام الوثائقية يساهم في إعداد وثائقيين وصانعي القرار.

يجتمع المنتجون وصانعو الأفلام، والموزعون، والأكاديميون، والمبرمجون من جميع أنحاء العالم في هذا المؤتمر لمناقشة بعض القضايا الأكثر صلة بصناعة الأفلام الوثائقية العربية اليوم، بما في ذلك الوسائل البديلة للإنتاج والتوزيع، وتحديات الإنتاج المشترك، ومدى تأثير الأفلام الوثائقية العربية.

تقول ديانا الجيرودي، المخرجة والمنتجة السورية والمدير العام لـ«دوكس بوكس»: «لا يمكن أن تكون هناك حاجة ملحة الآن أكثر من هذا المؤتمر» وتضيف ديانا: «يهتم الجمهور أكثر فأكثر بالواقع –واقعهم وواقع الآخرين- إنهم مهتمون بأشكال السرد الخلاقة التي توفرها لهم السينما الوثائقية لاحتضان عالم معقد وسريع التغير»، وتؤكد: «إن سطوع الأفلام الوثائقية والميل لها في ذروته الآن، ليس فقط في العالم العربي؛ بل في جميع أنحاء العالم».

بعض أكبر قصص النجاح في السينما العربية في السنوات الأخيرة كانت أفلام وثائقية، وعلى سبيل المثال لا الحصر فيلم هدية من الماضي «صاحب أعلى إيرادات في سينما زاوية في مصر» للمخرجة المصرية كوثر يونس، يتحدث الفيلم عن وقائع رحلة بحث والد المخرجة لحبه المفقود منذ فترة طويلة في إيطاليا، وفيلم اصطياد الأشباح «الفائز بأفضل فيلم وثائقي أصلي في مهرجان برلين السينمائي 2017»، للفلسطيني رائد أنضوني، يتناول الفيلم إعادة سرد أحداث التحقيق مع المعتقلين في سجن المسكوبية في القدس، وفيلم زينب تكره الثلج «الفائز بجائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان قرطاج السينمائي 2016» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، يوثق الفيلم حياة فتاة تونسية على مدى ست سنوات.

وأوضحت ديانا: «لعقود من الزمن، استخدمت الدول والشركات والأيديولوجيات الكبيرة الأفلام كأدوات للدعاية، لكن في هذه الألفية الجديدة، يعود تشكيل الوثائقيات والأفلام والسينما إلى الفنانين، وعلى وجه التحديد، إلى الفنانين المستقلين القادرين اليوم على تسجيل وقبول حقائقهم وعرض قصصهم ورواياتهم عرضًا حرًّا غير مؤطر».

ومع ذلك، لم يكن ارتفاع شعبية هذا النموذج بغير عيب فيه تمامًا، في السنوات الأخيرة، تزايدت المخاوف بشأن الاستغلال في الأفلام الوثائقية العربية، لقد وضع حجم الأفلام التي تعرض حياة الشباب العربي المتزايد أمام جمهور بورجوازي عالمي، نزاهة العديد من صانعي الأفلام العرب تحت المجهر.

من بين الموضوعات المختلفة التي نوقشت في المؤتمر، ربما تكون الأخلاقيات في صناعة الأفلام الوثائقية هي أكثرها أهمية في الوقت الحالي. قالت ديانا: «الأفلام هي نتاج للأفكار البشرية، ومثل أي إنتاج فني آخر تلك الأفلام عرضة للتفسير وحتى التلاعب، يمكن لبعضها أن يكون لها تأثير مختلف تمامًا على السياقات الأخرى في كيفية عرضها ومشاركتها».

نظام العمل

تعد متطلبات التمويل والمشاركة في الإنتاج عاملاً رئيسيًّا آخر يؤثر في اختيار الموضوعات وكيفية معالجتها وعرضها، أنجح صانعي الأفلام هم أولئك الذين ينجحون في ثني النظام، أو العمل فيه دون أن المساس برؤيتهم. ومع ذلك، فإن الكثيرين لا يفعلون ذلك، ويمكن أن تتراوح النتائج من النوايا الحسنة، إلى التلاعب والاختزال.

وتقول ديانا: «في الواقع أن الدول ذات الاقتصاد السينمائي الأفقر تتجه نحو البلدان ذات الاقتصاد الأغنى وفرص التوزيع الواسعة، وهذا له تأثيره على الإنتاج الكامل للأفلام».

يعد الإنتاج المشترك والتمويل ضرورة اقتصادية لكل إنتاج فني في العالم اليوم، إنه وقت مليء بالتحديات لجميع الصناعات الإبداعية، إذ تمكن بعض منتجي المحتوى وصانعي الأفلام من التغلب على هذا التعقيد وإخراج قصصهم الفريدة، من خلال تعزيز الفرص والاستقلالية فقط.

خدوش الروح.. 10 أفلام تثبت أن النساء أكثر تأثرًا بصدمات الحياة من الرجال

قالت ديانا: «ولكننا رأينا أيضًا بعض التجارب المؤسفة، إذ لم يتمكن المخرجون ورواة القصص، وكذلك منتجو الفيلم، من تشكيل أفلامهم على نحو طبيعي، كان التشويق والإغراء في تحقيق النجاح أكثر ملاءمة لهم من أعمالهم الخاصة» وتضيف: «ما تزال السينما العربية تعاني من عدم التناسق الذي لا يمكن تفسيره، إذ تفشل في بعض الأحيان كل بضع سنوات للاستفادة من النجاحات السابقة، ومع ذلك هناك شيء واحد لا شك فيه أن الأفلام الوثائقية العربية تتحسن مع مرور كل عام».

وتشمل الأدلة على هذا النجاح الأفلام الوثائقية الطويلة الحائزة جوائز مثل فيلم وطن.. العراق سنة صفر، للمخرج العراقي عباس فاضل، يوثق الفيلم وقائع الحياة اليومية في العراق قبل الغزو الأمريكي وبعده، وفيلم 12 لبناني غاضب للمخرجة اللبنانية زينة دكاش، وهو اقتباس من مسرحية ريجينالد روز 12 رجلًا غاضبًا، وقد مثل فيه سجناء لبنانيون، وفيلم المطلوبون الـثمانية عشر للمخرجين الفلسطيني عامر الشوملي والكندي بول كوان، وهو رواية للجهد الفلسطيني خلال الانتفاضة الأولى في بلدة بيت ساحور الصغيرة لبدء مشروع صغير لصناعة الألبان المحلية.

قوالب فنية مبتكرة

قالت ديانا: «في السنوات الأخيرة، أعادت الأفلام الوثائقية العربية اختراع نفسها مع بعض الأفلام الوثائقية الأكثر تميزًا، التي تمكنت من مفاجأة الجمهور المحلي والدولي في حداثتها، من خلال النهج الجديد لهذا الوسط، ومع السرد الآسر، ومع الأشكال والقوالب المبتكرة». وأضافت: «تدرس الآن هذه الأفلام، ويجب كذلك، لأنها تسهم في توسيع خيال هذا النوع من الأفلام الوثائقية عالميًّا».

 تأمل ديانا وفريقها، على الرغم من أن التركيز هذا العام على العلاقة بين العالم العربي وأوروبا، في توسيق نطاق المؤتمر في المستقبل ليشمل بقية العالم، إذ تقول: «نأمل أن تحدد النسخة الأولى للمؤتمر ميدان المنافسة من أجل مناقشة طويلة الأجل وتبادل يتبلور بنشاط من قبل المختصين في الانتاج الدولي للأفلام الوثائقية»، وتختتم ديانا: «نأمل أن نخلق في النهاية نقطة مرجعية للنهوض بالأفلام الوثائقية بشكل عام».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك