نشر موقع مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية تقريرًا عن مدى إمكانية اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وحزب الله، وذلك بعد أن بدأ حزب الله اللبناني التصعيد وأطلق عدة صواريخ على إسرائيل، وردَّت إسرائيل على هذه الصواريخ وأطلقت هجمات جوية وفتحت نيران المدفعية ضد أهداف لبنانية تعتقد أن الصواريخ تنطلق منها.

وفي مطلع التقرير، أشار الموقع الأمريكي إلى أن القيود التي تفرضها الظروف المحلية والدولية ستضغط على إسرائيل وحزب الله اللبناني لضمان ألا يقودهما تبادل إطلاق الصواريخ إلى حرب أخرى. لكن في إسرائيل، ربما تكون الحاجة إلى استرضاء جمهور أكثر تشددًا من الناخبين الإسرائيليين سببًا في دفع الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء، نفتالي بينيت، لتأكيد هيمنتها العسكرية، مما يزيد من احتمالية حدوث تصعيد عسكري في المستقبل القريب.

محاولة محسوبة

وأوضح التقرير أنه في 6 أغسطس (آب) الجاري، أطلقت جماعة حزب الله اللبنانية ما يقدَّر بنحو 20 صاروخًا على إسرائيل، وقد اعترض نظام القبة الحديدية الإسرائيلي المضاد للصواريخ بعضًا من هذه الصواريخ. ولم تتسبب هذه الصواريخ في أي أضرار داخل إسرائيل، وزعم حزب الله من خلال وسائل الإعلام التابعة له أنه قصف «مناطق مفتوحة في الداخل الإسرائيلي» عن قصد، مما يشير إلى أن الحزب تعمَّد الابتعاد عن الأهداف المأهولة بالسكان في محاولة محسوبة لتجنب اندلاع حرب كبرى.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
توتّر في الجنوب اللبناني.. 4 أسئلة تشرح لك ما الذي يحدث بين «حزب الله» وإسرائيل

وردًّا على ذلك، شنَّت إسرائيل غاراتٍ جوية وقصفٍ مدفعي على جنوب لبنان، في حين حذَّر وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني جانتس، من احتمال شنِّ مزيد من الضربات إذا استمر حزب الله في إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل. ويواصل مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغَّر المشاورات في الأيام المقبلة بهدف اتخاذ قرار بشأن مسار العمل الذي ستمضي فيه إسرائيل.

ولفت التقرير إلى أن الهجمات الصاروخية، التي أُلقِي باللوم فيها على مسلحين فلسطينيين إلى حد كبير، قد انطلقت من جنوب لبنان في يوليو (تموز) وأغسطس. وفي 4 أغسطس، قصفت إسرائيل مواقع في جنوب لبنان عبر غارات جوية وقصف مدفعي ردًّا على إطلاق الصواريخ. ومن الواضح أن هذه الهجمات الإسرائيلية دفعت حزب الله، الذي يصور نفسه بأنه حامل لواء الدفاع عن السيادة اللبنانية، إلى شن هجماتٍ على الحدود الشمالية الإسرائيلية.

لماذا لا يبدو حزب الله حريصًا على الرد على إسرائيل؟

وأفاد التقرير بأنه في عام 2006، أطلقت غارة نفَّذها حزب الله ضد القوات الإسرائيلية شرارة حرب استمرت شهرًا كاملًا دُمِّرت فيها لبنان، وسقط فيها آلاف الضحايا من الجانبين. ومن المحتمل أن يفسر الضغط المحلي الكبير الذي يواجِهه حزب الله لتجنب الدخول في حرب كبرى أخرى سبب أن الحزب لا يبدو حريصًا على الرد الفوري على أحدث قصف مدفعي وغارات جوية إسرائيلية. ويظهر أحد تجليات المعارضة المحلية الملحوظة لحزب الله في موقف القرويين في بلدة الشاوية الواقعة في جنوب لبنان الذين أوقفوا منصة إطلاق صواريخ تابعة لحزب الله، وسيطروا عليها وسلَّموها للجيش اللبناني؛ احتجاجًا على استخدام حزب الله مواقع قريبة من بلدتهم لمهاجمة إسرائيل.

Embed from Getty Images

وبالإضافة إلى ذلك، تواجه الشرعية السياسية لحزب الله ضغوطاتٍ في ظل الاقتصاد اللبناني المنهار، ولا تزال قوات الحزب منتشرة في سوريا لتشارك في الحرب الأهلية الدائرة في البلاد – مما يزيد من تقويض الحافز الذي يمكن أن يدفع الحزب للدخول في حرب واسعة النطاق ضد إسرائيل، والتي من شأنها أن تتسبب في مزيد من الأضرار للاقتصاد اللبناني، وأن تتحدى قدرة حزب الله على العمل بوصفه حليفًا موثوقًا في سوريا.

أسباب تدفع إسرائيل لعدم الدخول في حرب كبرى مع حزب الله

وينتقل التقرير إلى الجانب الإسرائيلي، فيوضح أن الدخول في حرب أخرى مع حزب الله قد يؤدي إلى تفاقم أزمة كوفيد-19 في الداخل، وزيادة توتر العلاقات الإسرائيلية مع الولايات المتحدة. كما أن أي صراع كبير آخر مع حزب الله سيتطلب استدعاء جنود الاحتياط، وهذا من شأنه أن يعرقل التعافي الاقتصادي الذي حققته إسرائيل بعد عمليات الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19 خلال عام 2020-2021. وسيضطر الإسرائيليون أيضًا إلى نقل صواريخ القبة الحديدية الاعتراضية من الحدود الجنوبية للبلاد مع غزة إلى حدودها الشمالية مع لبنان.

وبالإضافة إلى ذلك، حذَّرت إسرائيل أيضًا من أنها قد تفرض إجراءات إغلاق وطني مرةً أخرى في ظل زيادة انتشار متحور دلتا، خاصة بين المجتمعات التي لم تتلقَ اللقاحات في البلاد. وفي حالة نشوب حرب مع حزب الله، سيجد عديد من الإسرائيليين أنفسهم محتشدين بكثافة داخل الملاجئ تحت الأرض ووابل من صواريخ حزب الله يسقط من فوق رؤوسهم؛ مما قد يؤدي إلى انتشار الفيروس القاتل انتشارًا أكبر. وأخيرًا، تريد الولايات المتحدة تجنب نشوب أي صراع كبير آخر في المنطقة، ومن أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي واللبناني، اتخذت خطوات للوقوف إلى جانب لبنان في خضم أزمته الداخلية، حيث قدمت 100 مليون دولار لبيروت في شكل مساعدات إنسانية في 4 أغسطس.

Embed from Getty Images

وبهذا، نجد أن خيارات التخفيف من التصعيد متوفرة لكلا الجانبين، والتي يمكن أن تكون سببًا في تراجع إسرائيل وحزب الله عن الاقتراب من حافة صراع كبير. وإذا توقَّف حزب الله عن شنِّ مزيد من الهجمات الصاروخية وكبَحَ جماح المسلَّحين الفلسطينيين الذين كانوا يهاجمون شمال إسرائيل؛ فسيقل الدافع لدى إسرائيل للقيام بعملية عسكرية أكبر في لبنان يمكن أن تشعل حربًا كبيرة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تقرر شنَّ مزيد من الهجمات المضادة في سوريا، حيث تعرَّضت قوات حزب الله لقصف إسرائيلي في السابق دون أن يشعل ذلك فتيل حرب. والأمر الأقل احتمالًا أن تقرر إسرائيل أن الجولة الحالية من القصف المدفعي والغارات الجوية كافية لردع حزب الله.

ضغوط سياسية وانتقادات محلية

لكن حكومة بينيت الجديدة في إسرائيل تواجه أيضًا ضغوطًا سياسية لضمان أمن الحدود الشمالية للبلاد، الأمر الذي قد يجبرها على القيام بعمليات عسكرية أو عمليات سرية أكبر لردع حزب الله وإرضاء المنتقدين المحليين. ويتعرض بينيت للهجوم من جانب سياسيين من اليمين المتطرف، بل من أحد أعضاء حزبه؛ لأنه لم يقُم بما يكفي من إجراءات لوقف هجمات حزب الله على الشمال الإسرائيلي. كما أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب غزة في مايو (ةيار)، على سبيل المثال، لم يكن يحظى بشعبية كبيرة في إسرائيل وفي أوساط عديد من الإسرائيليين الأكثر تشددًا؛ حيث شعر كثيرون بأن الاتفاق لم يحقق الحد الكافي الذي من شأنه ردع حركة حماس الفلسطينية المسلَّحة.

واختتم الموقع الأمريكي تقريره بالقول: ومع استمرار زيادة هذا الشعور في أوساط الإسرائيليين، قد يرغب عديد منهم على الأرجح في رؤية أن إسرائيل قادرة على وقف الهجمات الصاروخية القادمة من لبنان. وفيما يخص بينيت، من شأن عدم تلبية هذه المطالب الشعبية لتحقيق مزيد من الأمن أن يخاطر بانهيار الأغلبية الضيقة التي حققتها حكومته بعدما حصلت على 61 صوتًا مقابل 59 صوتًا. وهذا بدوره يزيد من احتمالية أن تقرر إسرائيل تنفيذ عمليات من شأنها أن تدفع حزب الله إلى شن هجمات مضادة من جانبه؛ مما يقوي أسباب التصعيد العسكري ويُرسِّخها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد