هل تنتهي الحروب المعاصرة بطرف منتصر وآخر مهزوم فعلًا؟ وهل ما يزال مفهوم «النصر» يحمل المعنى نفسه الشائع في الأذهان، أم أن الأمر يتغير بمرور الوقت مع كيفية النظر إلى النتائج؟

يناقش أستاذ العلوم السياسية في جامعة جلاسكو الأسكتلندية، سيان أودريسكول، في مقال بموقع «كوارتز» إجابات هذه الأسئلة، ويطرح أفكاره حول ماهية النصر في الحرب الحديثة.

يقول أودريسكول، المتخصص في أخلاقيات الحرب إن القوات الكردية سيطرت على بلدة كوباني السورية في يناير (كانون الثاني) 2015، بعد معركة استمرت أربعة أشهر مع مقاتلي تنظيم داعش، ونُقلت لقطات انتصارهم في جميع أنحاء العالم، وشاهد الجمهور العالمي احتفالات القوات الكردية الصاخبة في أثناء رفع علمهم على التل الذي رُفعت عليه ذات مرة راية داعش السوداء.

لذلك كان الأمر بمثابة صدمة عندما منح دونالد ترامب، في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تركيا تفويضًا مطلقًا للاستيلاء على الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد. وبالتالي، فإن ما بدا ذات يوم نصرًا مؤكدًا للأكراد انحدر إلى هزيمة أخرى كئيبة.

وأوضح الكاتب أن هذه ليست حكاية استثنائية، فبعدما أعُلن النصر أيضًا في الحروب الأخيرة في العراق وأفغانستان وليبيا، استمر العنف دون هوادة.

وأضاف أن شبح هذه الحروب التي لا تنتهي على ما يبدو يعطينا سببًا للنظر فيما إذا كان مفهوم «النصر» له أي معنى فيما يتعلق بالحرب المعاصرة، موضحًا أنه بعدما أمضى الجزء الأكبر من العقد الماضي مُمعِنًا التفكير في هذا السؤال بالذات، أصبح مؤمنًا بأن فكرة النصر في الحرب الحديثة ليست أكثر من أسطورة، وإن كانت أسطورة دائمة الخطورة.

وأشار إلى أنه ذكر في كتابه الجديد أن الوقت قد حان لأن نفكر مرة أخرى، وبشكل أعمق مما فعلنا من قبل، حول معنى النصر في الحرب اليوم.

وجهات نظر آخر 3 رؤساء أمريكيين

يشير المقال إلى أن آخر ثلاثة رؤساء سكنوا البيت الأبيض، يقدمون وجهات نظر مختلفة للغاية حول مسألة النصر.

جعل الرئيس دونالد ترامب هذه المسألة حجر الزاوية في خطابه، ونجمًا تهتدي به السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية، فقد أكد للجمهور في تجمع انتخابي عام 2016 قائلًا «سوف تكونون فخورين جدًّا ببلدكم»، مضيفًا «سنبدأ في الفوز مرة أخرى: سنفوز على كل مستوى، سنفوز اقتصاديًّا […] سنفوز عسكريًّا […] سنفوز على كل الأصعدة، سنفوز كثيرًا، حتى إنكم ستتعبون من الفوز وتقولون «من فضلك، من فضلك، إنه فوز أكثر من اللازم، لا يمكننا أن نتحمل المزيد» وسأقول «لا، إنه ليس كذلك». علينا أن نستمر في الفوز، وأن نفوز أكثر، سنفوز أكثر».

Embed from Getty Images

خيَّم النصر أيضًا بشكل كبير على تصريحات جورج دبليو بوش حول السياسة العالمية. فعلى سبيل المثال، ألقى بوش خطابًا رئيسيًّا عن حرب العراق عام 2005، واستخدم كلمة «النصر» 15 مرة بينما كان يقف أمام لافتة كتب عليها «خطة النصر»، وعرض وثيقة بعنوان «استراتيجيتنا الوطنية للنصر في العراق».

وأضاف أن باراك أوباما، المحاصر بين بوش وترامب، اتخذ وجهة نظر مختلفة للغاية. واقتناعًا منه بأن مصطلح النصر كان وسيلة رجعية للحديث عن كيفية انتهاء الحروب الحديثة، فسعى إلى إخراجها من خطاب الولايات المتحدة الاستراتيجي، وأوضح أن مصطلح «النصر» غير مفيد؛ لأنه يستحضر ارتباطات فجَّة مع الغزو والظفر.

وتابع الكاتب أن الخلاف بين ترامب وبوش من ناحية، وأوباما من ناحية أخرى، أعمق من مجرد اختلاف في الأسلوب الخطابي، بل إنه يعكس شكوكًا عميقة حول مدى ملاءمة لغة النصر للحرب الحديثة.

وأشار إلى أنه منذ أوائل القرن العشرين، برزت وجهة نظر مفادها أنه عندما يتعلق الأمر بالمذبحة الجماعية الآلية للحرب الحديثة، فلا أحد يفوز. وكما قال أريستيد برايند، رئيس وزراء فرنسا لفترات إبان الحرب العالمية الأولى: «لا يوجد منتصر في الحرب الحديثة. الهزيمة تمد يدها الثقيلة إلى أقصى زوايا الأرض، وتلقي بوطأتها على المنتصر والمهزوم على حد سواء».

وقدم باو نينه – وهو من قدامى المحاربين في الجيش الفيتنامي الشمالي ومؤلف رواية «حزن الحرب»، وهي أحد أكثر روايات الحرب إثارة في القرن العشرين – الحجة ذاتها تقريبًا، لكن بعبارات أبسط: «في الحرب، لا يفوز أحد أو يخسر، لا يوجد سوى الدمار».

نهاية النصر..

بغض النظر عما يعتقده بوش وترامب، فمن المهم تأكيد أنه لا يمكن أن يكون هناك ما يسمى بالنصر في الحرب الحديثة، بحسب الكاتب. يسهل الاعتقاد بأن الحرب مروعة ومدمرة للغاية، لدرجة أنها لا يمكن أن تؤدي أبدًا إلى أي شيء يمكن أن يُطلق عليه، بشكل عقلاني، أنه نصر. وربما يُقال إن أي نجاحات تحققت في ميدان المعركة من المرجح أن تكون هشة للغاية وكان ثمنها دمويًّا، فتصبح مجرد فكرة تسميتها «انتصارات» مثيرة للسخرية.

واستطرد الكاتب قائل؟ا إن هذا قد يكون فقط جزءًا من القصة، فمن السطحي جدًّا أن نعلن أن النصر في الحرب الحديثة هو طرح يتعذر الدفاع عنه، بحجة أنه لا يمكن تحقيقه إلا بتكلفة فادحة من الأرواح البشرية والمعاناة. ربما تتضاءل قيمة الانتصار بسبب الثمن الباهظ، لكن هذا لا ينفيه تمامًا.

على سبيل المثال، في حين أنتجت الحرب العالمية الثانية عددًا مروعًا من القتلى، وتتباهى بالحرب الباردة ضمن إرثها، فإنها أوقفت النازية في مهدها. وغني عن البيان أن هذا شيء يُحسب لها. وفي عهد أقرب، في حين خلقت حرب الخليج عام 1991 مشكلات أكثر مما حلت، فإنها نجحت في التصدي للعدوان العراقي على الكويت.

ربما يكون من الصعب في بعض الأحيان التمييز، ليس فقط الطرف الذي ربح حربًا معينة، ولكن أيضًا ما إذا كان يُمكن اعتبار تلك الحرب انتهت أساسًا.

وأوضح أودريسكول أن ما يقصده هنا أمر بسيط، فعلى الرغم من أن النصر يمكن أن يكون مكلفًا بشكل بشع في الحرب الحديثة، ودائمًا ما ينجز أقل بكثير مما كان يُراد تحقيقه، فإنه ليس مفهومًا فارغًا تمامًا.

ويرى الكاتب أن طبيعة الحرب الحديثة لا تُفضي إلى نهايات واضحة المعالم، فبدلًا من تحقيق نصر مؤكد لأحد الطرفين، مقابل هزيمة قاطعة للطرف الآخر، فإن النزاعات المسلحة الحديثة عرضة للانحدار إلى نهايات مطولة وممتدة.

لهذا ربما يكون من الصعب في بعض الأحيان التمييز ليس فقط الطرف الذي ربح حربًا معينة، ولكن أيضًا ما إذا كان يُمكن اعتبار تلك الحرب انتهت أساسًا. وكلمات فيل كلاي، الكاتب الذي خدم في العراق بعد عدة سنوات من إعلان الرئيس بوش «إنجاز المهمة»، تشير إلى جزء من هذا الالتباس:

«كان النجاح وجهة نظر. وهذا ما كان يجب أن يكون في العراق. لم يكن هناك شاطئ أوماها (إحدى نقاط الإنزال الخمسة التي حددها الحلفاء خلال غزو نورماندي في الحرب العالمية الثانية)، ولا حملة فيكسبرج (سلسلة من المناورات والمعارك في مدينة فيكسبرج المحصنة بولاية ميسيسبي قبل نهاية الحرب الأهلية الأمريكية)، ولا حتى إل آلامو (معركة أنهت ثورة تكساس عام 1836) لتشير إلى هزيمة واضحة. أقرب ما وصلنا إليه كان تماثيل صدام التي أُسقطت، لكن ذلك كان قبل سنوات».

ورأى الكاتب أن هذا الأمر يشير إلى أن الانتصارات لم تعد تتخذ الشكل الذي كان من المتوقع أن تتخذه، أو الذي اتخذته في الماضي. وإذا كان النصر ارتبط تاريخيًّا بهزيمة الخصم في معركة ضارية، فإن هذه الرؤية أصبحت الآن من أطلال عصر مضى، بيد أن هذه ليست الطريقة التي تنتهي بها الحروب في القرن الحادي والعشرين.

هل كان النصر موجودًا حقًّا؟

هناك إذن الكثير من الأدلة التي تدعم الرأي القائل بأنه عندما يكون الحديث بخصوص الحسم الذي يتحقق من خلال النجاح في معركة ضارية، فإن النصر ليس له صلة تذكر بالصراع المسلح المعاصر.

Embed from Getty Images
معركة ووترلو (1815).

لكن نلتقي هنا بالمنعطف الثاني في حكايتنا، بحسب الكاتب، إذ يدعي بعض الباحثين أن رؤية النصر المرتبط بمعركة حاسمة لم تصبح إشكالية فجأة مع ظهور «الحرب على الإرهاب»، ولا حتى مع ميلاد الحرب الحديثة، وإنما يرون أنها لطالما كانت تمثل إشكالية.

والمؤرخ روسل ويجلي هو المؤيد الرئيسي لهذا الرأي؛ فيقول بأن فكرة الانتصار الحاسم من خلال معركة هي عبارة عن فكرة مجازية رومانسية من بقايا الحقبة الوحيدة في التاريخ التي كانت نتيجة الحروب فيها تقرر عادة من خلال اشتباك مسلح واحد، مثلما كان في الفترة الطويلة الممتدة بين معركتي بريتينفيلد «1631» وووترلو «1815».

ويحتج ويجلي بأن المعارك المذهلة والفريدة من نوعها في هذه الحقبة التاريخية كان لها أثر تشويهي على كيفية فهم الحرب منذ ذلك الحين، إذ استحوذت أبهة ودراما هذه الصدامات على خيال المؤرخين العسكريين وعامة الناس، على حد سواء.

هذا الفهم للحرب الذي يبالغ في التمحور حول المعركة تأصل في الخيال الشعبي.

ورأى الكاتب أن تجاهل المؤرخين «وقرائهم» حقيقة أن الاستنزاف وشن الغارات والحصار، وليس المعارك الكبرى، كانت تاريخيًّا هي الوسائل الرئيسية لشن الحروب؛ يجعلهم يتحملون مسؤولية تصديق نوع من الرؤية الهوليودية للحرب التي تخطئ بوضع الاستثناء مكان القاعدة.

وأشار أودريسكول إلى أن هذا الفهم للحرب الذي يبالغ في التمحور حول المعركة تأصل في الخيال الشعبي. ومعظم التصورات المعاصرة للحرب – في الأدب والإعلام والفن والسينما – تتخيلها سلسلةً من المعارك التي تفضي إلى – وتتوج – صدام حاسم من النوع الذي التقط ظاهريًّا في مقاطع فيديو كوباني عام 2015، وهو ما يعكس تشويهًا للسجل التاريخي.

وأوضح أن هناك حروبًا قليلة للغاية على مر القرون ارتكزت على المعارك، إذ توقفت معظمها على شن هجمات الكر والفر والمناورات ومنع الوصول إلى الموارد الحيوية. إن فكرة النصر الحاسم، المبنية على النجاح في المعركة هي مجرد تحفة تاريخية، وباستثناء فترة بينية، فإنها نادرًا ما كان لها صلة بالواقع المادي للحرب.

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
«فورين بوليسي»: الماضي لم يكن ورديًّا.. كيف تهدد «النوستالجيا» الأمن القومي؟

فليحيا النصر!

إذن، هل يجب أن يكون هذا نهاية الأمر؟ يبدو أن آراء أوباما وجميع منتقدي النصر الآخرين مبررة. إن النصر، الذي صيغ على أساس الحسم، وربطه بالنجاح في معركة ضارية، ليس فقط ذا أهمية محدودة في تقلبات الحرب المعاصرة، بل لم يكن له أي دور بارز، باستثناء فترة واحدة إبان القرن السابع عشر.

وأشار الكاتب إلى أن هذا يقودنا إلى المنعطف الثالث والأخير في حكايتنا. فإذا كان من الصحيح أن فكرة الانتصارات الحاسمة التي تحققت من خلال معركة ضارية تُعد نتاجًا لكتابات التاريخ الكسولة، فلا ينبغي أن يُفهم هذا على أنه تقليل من أهمية كيفية فهم الحرب وكيفية خوضها. وحتى لو كانت مجرد أسطورة، فإن فكرة النصر من خلال معركة حاسمة ما تزال لها سطوة كبيرة. وعلى الرغم من أنها ربما تكون كذلك، فإنها ما تزال تعمل كنوع من المثل العليا التنظيمية، التي توجه فهم الناس، ليس إلى كيف تنتهي الحروب فعليًّا، ولكن إلى كيف يجب أن تنتهي.

الانتصارات الحاسمة ربما تكون وحشًا نادرًا، من الناحية التاريخية، لكنها أيضًا تعد على نطاق واسع الهدف الذي تسعى جميع الجيوش نحو تحقيقه.

وأضاف أن الانتصارات الحاسمة ربما تكون وحشًا نادرًا، من الناحية التاريخية، لكنها أيضًا تعد على نطاق واسع الهدف الذي تسعى جميع الجيوش نحو تحقيقه. وهذا الطرح يمكن استقاؤه من كتابات المؤرخ المثير للجدل فيكتور ديفيس هانسون، وغيره.

وأوضح الكاتب أن هانسون، الذي كان كتابه الأخير عبارة عن خطاب دعم لرئاسة ترامب، اشتهر بكتابته للعديد من الأعمال المكرسة لتقديم برهان على أن فكرة النصر الحاسم من خلال المعركة ما تزال تتمتع بثقل معنوي في الثقافة السياسية الغربية، على الرغم من مرور وقت طويل منذ أن كانت وثيقة الصلة بالناحية العسكرية.

ويتتبع هانسون فكرة النصر الحاسم من خلال المعركة وصولًا إلى الحضارة اليونانية الكلاسيكية، ويدفع بأنها تعكس الاعتقاد القديم بأن أفضل طريقة للمجتمعات لتسوية النزاعات المستعصية هي إرسال الجيوش لمواجهة بعضهم بعضًا عبر ساحة معركة مفتوحة، حيث يخوضون قتالًا هناك. ومن خلال مواجهة بعضهم بعضًا في سيناريو إما أن تقتُل وإما تُقتَل، تلتزم المجتمعات باختبار ليس فقط بسالتها وبراعتها العسكرية، ولكن أيضًا القيم التي يقاتلون من أجلها في اختبار القتال القاسي. ومن ثم فإن أي نتائج تنجم عن مثل هذه النزاعات يجب احترامها، بوصفها حُكمًا أصدرته المعركة.

ويرى كاتب المقال أن هناك الكثير من الأدلة لدعم هذا الرأي، فتاريخ التفكير الغربي حول الحرب، منذ العالم الكلاسيكي (في إشارة إلى الحضارة اليونانية والإغريقية) إلى يومنا هذا يتميز بالاشمئزاز من الاعتماد على تكتيكات تتحايل على فرصة خوض معركة ضارية، والاستعداد لتحقير أي انتصارات حققت الفوز باستخدام تلك الوسائل، بوصفها أقل جدارة بطريقة أو بأخرى.

في اليونان القديمة، احتُقِر أوديسيوس بسبب ولعه بالتغلب على أعدائه بالدهاء بدلًا من القتال بالأيدي (لكونه صاحب فكرة الحصان الذي تمكن به الإغريق من دخول طروادة في ملحمة الإلياذة الأسطورية). وفي بلاد فارس، انتُقد الملك سايروس بالمثل لاعتماده على الخداع للتغلب على خصومه «بدلًا من إخضاعهم بالقوة في المعركة».

وفي القرن الرابع قبل الميلاد، كانت الانتصارات التي تحققت من خلال المواجهة المباشرة في المعارك الضارية موضع تقدير الإسكندر الأكبر، الذي رد باستخفاف عندما اقترح مستشاره بارمينيو نصب كمين ليلي لخصومهم، قائلًا: «إن السياسة التي تقترحونها هي سياسة قطاع الطرق واللصوص… أنا مصمم على الهجوم علانية وفي وضح النهار. أنا اختار أن أندم على حظي الطيب بدلًا من أن أخجل من انتصاري».

وأضاف الكاتب أنه بعد فترة «العالم الكلاسيكي»، كان الفرسان في العصور الوسطى معتادين على تلميع انتصاراتهم من خلال المبالغة في أهمية المعارك، والتقليل من أهمية الدور الذي لعبته أنماط القتال الأكثر رتابة، «مثل الإغارة»، في الوصول إلى هذه الانتصارات. هذه الآراء أيضًا انتقلت إلى مبادئ الفكر الاستراتيجي الحديث.

يتجلى بقاء طريقة التفكير هذه في العصر الحالي في الاستحسان الذي يُرحب باستخدام أنماط القتال هذه «مثل استخدام تكتيكات حرب العصابات والإرهاب والطائرات بدون طيار» التي تحول دون تحقيق أي من الجانبين نصرًا حاسمًا في ساحة المعركة. وهذا يعكس، في اعتقاد الكاتب، إحساسًا مزمنًا بأن أي نمط من أنماط الحرب التي لا تستهدف تحقيق النصر من خلال هذا النوع من القتال العادل في ساحة المعركة، يجب أن يمثل، بشكل ما، إشكالية أخلاقية.

وتابع قائلًا: وهكذا، على الرغم من أن الطريقة الأفضل لفهم نموذج النصر الحاسم هي باعتباره ليس أكثر من مجرد أسطورة، فإنه ما يزال مهمًّا. فهو ما زال يُشكل كيف نفهم الحرب ونفكر فيها ونقترب منها في الواقع. وعلى هذا النحو، يواصل توجيه تفكيرنا حول ما يمكن أن تحققه الحرب، ومتى يجب أن تستخدم فيه، وما الوسائل التي ينبغي أن تُشن بها، وكيف ومتى ينبغي أن تضع أوزارها. وتخيُّل أنه يمكن ببساطة استبعاد النصر من مفرداتنا – كما افترض أوباما على ما يبدو– لهو أمر ساذج بقدر ما هو أحمق، لكن الاعتراف بذلك يكشف أيضًا بعض الحقائق المقلقة.

«جز العشب».. العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية

إن نموذج النصر الحاسم، هو أسطورة إذن، وإن كانت أسطورة قوية ما زالت تشكل طريقة تفكيرنا حيال الحرب، فإنها تشكل بعض المخاطر.

وأوضح الكاتب أن هذه الأسطورة تغرينا بالاعتقاد أن الحرب ما تزال وسيلة حاسمة لتسوية النزاعات بين المجتمعات، وتدعونا إلى الاعتقاد بأن المجتمعات يمكنها حل نزاعاتها ببساطة من خلال التقاتل حولها، إذ يستحوذ الفائز على كل شيء ويقبل الخاسر هزيمته بشرف، بوصفه حُكم المعركة. المشكلة في هذه الرؤية بالطبع هي أنها تَعِد بالكثير، بينما الحرب أضعف من أن تحقق مثل هذه النهاية النظيفة.

Embed from Getty Images

بطريقة ما، إذن، هذا الاعتقاد يبيع لنا بضاعة تالفة تأتي بتكلفة باهظة من الدماء والثروات. ولا يحتاج المرء سوى للنظر إلى محنة الأكراد في كوباني لإثبات ذلك. وأضاف أنه يبدو أننا عالقون ومحاصرون، بشكل أضر بنا، في لغة النصر.

وأشار إلى أن العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية المعروفة باسم «جز العشب» توفر مزيجًا مثيرًا للاهتمام. ففي حين أن واضعي الاستراتيجيات الإسرائيليين يركزون تقليديًّا على تحقيق انتصارات حاسمة في ميدان المعركة ضد جيوش الدولة المنافسة، فإن التجارب الحديثة في غزة دفعتهم إلى تبني مقاربة مختلفة.

وقال الكاتب إنه بدلًا من افتراض أن الجيش الإسرائيلي يجب أن يهدف إلى هزيمة أعدائه مرة واحدة وإلى الأبد في قتال مباشر، فإنه موجه نحو السعي لتحقيق أهداف أكثر تواضعًا ومرحلية. وتوصي العقيدة بأنه يجب على الجيش الإسرائيلي أن يتعامل مع التهديد الذي يشكله أعداء إسرائيل بالطريقة نفسها التي يتعامل بها البستاني مع قص العشب الخاص به: أي كمهمة متكررة لا يمكن إكمالها تمامًا، وإنما يجب أن تُكَرَّر على فترات منتظمة.

على هذا النحو، فإنها تعكس القبول – الذي جرى التوصل له بصعوبة – بحقيقة أن إسرائيل لن تحقق نصرًا نهائيًّا على خصومها في أي وقت قريب. وعوضًا عن ذلك، تقترح أن أفضل ما يمكن لإسرائيل أن تأمل فيه هو المكاسب المؤقتة – وتحديدًا، التدهور والاحتواء قصير الأجل لأعدائها – التي تتطلب تعزيزًا مستمرًا ومتكررًا.

وأضاف أودريسكول أن هناك مشكلات خطيرة للغاية في هذا الوضع – وهي مشكلات لا يرغب في التقليل منها بأي شكل – لكنها تطرح بعض الاحتمالات المثيرة للاهتمام لكيفية تفكيرنا في النصر. وعلى وجه التحديد، فإنه يدفعنا للتفكير فيما يبدو عليه النصر إذا توقفنا عن تصنيفه إلى مفاهيم الحسم والقطعية.

كيف يمكننا إعادة تشكيل فهمنا للنصر بحيث يقترن بالنتائج المؤقتة وليست النهائية؟ من المفترض أن ينطوي هذا على إعادة تأطيره وفقًا لأسس جزئية ومشروطة وليست شاملة. هناك الكثير ليقال عن هذا. ولكن قبل كل شيء، سوف يعيد ربط طريقة تفكيرنا في النصر بحقائق الحرب الحديثة، وبتقييم أكثر واقعية للحصيلة التي يمكن أن يقدمها.

وأكد الكاتب أن ما يقصده ليس إقناع الدول بمحاكاة الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي، بل تشجيع التفكير في المعضلة التي يفرضها النصر في الحرب الحديثة.

ماذا يعني الفوز اليوم؟

يعد التفكير في الصراع المسلح المعاصر من زاوية النصر إشكالية؛ لأن الحرب الحديثة ليست مهيئة بطريقة تنتج ما يعد انتصارًا واضحًا لأحد الطرفين، وهزيمة مؤكدة للطرف الآخر. وتأويل الأمر على هذا النحو، يجعل النصر يبدو أسطوريًّا أكثر منه حقيقيًّا.

واستطرد الكاتب قائلًا: «لكن حتى لو كانت هذه أسطورة، فإنها تغير طريقة تعاملنا مع الصراع المسلح المعاصر اليوم، وأحد حلول هذه المعضلة هو شطب النصر من مفرداتنا، أي ببساطة التوقف عن الحديث عنه أو عن شروطه. لكن قول هذا الكلام أسهل من القيام به. وكما اكتشف أوباما، فإنه من الصعب جدًّا الالتفاف على لغة النصر أو التهرب منها. وبمجرد أن تعتقد أنها انتهت، فإنها تعود وبقوة أكبر».

واختتم الكاتب بقوله إن «المعضلة إذن واضحة، فالنصر لا يمكن التعايش معه، كما أنه لا يمكن العيش بدونه. والتحدي الناشئ عن هذا الأمر هو إعادة النظر فيما نعنيه بالنصر. وكما كتب المؤرخ كريستوفر هيل ذات مرة، أنه إذا كان يجب على كل جيل إعادة كتابة تاريخه من جديد، فإن الطبيعة المتغيرة باستمرار للحرب تتطلب من كل جيل أن يعيد التفكير في فهمه للنصر العسكري».

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
مترجم: الحرب العالمية الأولى لم تكن الأعنف.. 6 من أكثر المعارك دموية في التاريخ

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد