يرى بعض المحللين أن وجود 20 مليون مسلم روسي قد يكون بمثابة القنبلة الموقوتة، حيث قد يرتد هؤلاء عاجلاً أم آجلاً عن دعم بوتين والذي يهاجم بالأساس مجموعات سنية في سوريا

في الوقت الذي تتناول فيه الصحف ووسائل الإعلام العالمية الدعم والشعبية الكاسحة التي يحظى بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يبدو أن هناك جانبًا هامًا يتغافل عنه هؤلاء. يبلغ عدد المسلمين في روسيا 20 مليون شخص من بين 144 مليون هم تعدد الشعب الروسي بالكامل، في حين أن أغلبهم من السنة. تناولت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية رأي مسلمي روسيا في ما يفعله رئيسهم بوتين في سوريا، وما إذا كانوا يأيدون القصف المستمر الذي يشنه الطيران الروسي أم لا، حيث ساعدت تلك الهجمات قوات نظام الأسد على إحراز تقدم غير مسبوق في طريق السيطرة على مدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية والعاصمة التجارية للبلاد قبل الحرب.

لم يتوقف الدور الروسي عند العمليات العسكرية فقط، فقد كان طرفًا أساسيًّا في وضع شروط وقف إطلاق النار الحالي في سوريا، والذي يعد هو نفسه من أهم منتهكيه، حيث يواصل هجماته ضد جبهة النصرة وغيرها من الجهات المعادية له، في حين حذر الكثير من المتابعين – بحسب الصحيفة الأمريكية – من أن تتلقى روسيا بعض الضربات على أراضيها كرد فعل على ما تقوم به حاليًا في سوريا.

يرى بعض المحللين أن وجود 20 مليون مسلم روسي قد يكون بمثابة القنبلة الموقوتة، حيث قد يرتد هؤلاء عاجلًا أم آجلًا عن دعم بوتين والذي يهاجم بالأساس مجموعات سنية في سوريا، في حين يوجه دعمه الكامل لبشار وجماعته من العلويين، ويُجري الكثير من التحالفات مع أنظمة شيعية كإيران والعراق وسوريا.

تطرح الصحيفة عند هذه النقطة تساؤلًا هامًّا، وهو عن رأي المسلمين الروس فيما يحدث في سوريا، وبناءً على ذلك، تناولت الصحيفة دراسة استقصائية تناولت هذا الجانب الهام. قامت منظمة مكافحة الفساد – منظمة روسية غير حكومية – بإعداد تلك الدراسة التي شملت عينة حجمها 1200 شخصًا من تتارستان وداغستان، وهي أكثر المناطق التي ينحصر فيها أغلب مسلمي روسيا، حيث تغطي تتارستان منطقة الفولجا، وتغطي داغستان شمال القوقاز، ويعتبران مركزان إسلاميان تاريخيان في روسيا.

وفق الصحيفة، تعتبر تتارستان هي الأكثر أهمية في هذه الدراسة، حيث ينقسم عدد سكانها البالغ 3.8 مليون نسمة إلى 53% من المسلمين و40% من الروس الأرثوذوكس، حيث شمل استطلاع الرأي في تتارستان كلتا المجموعتين، ما يسمح بقياس أكثر واقعية لرأي المسلمين فيما يحدث في سوريا.

طبقًا للدراسة، فقد تم إعطاء الأشخاص 4 خيارات عن رأيهم فيما تقوم به حكومتهم في سوريا، كانت تلك الخيارات هي:

  1. لا يجب على روسيا التدخل عسكريًّا بأي شكل في الوضع السوري.
  2. يجب أن تشارك روسيا في الحرب وتقف بجانب الأسد.
  3. يجب أن تنضم روسيا لتحالف دولي في سوريا مع الولايات المتحدة وفرنسا.
  4. عدم اختيار أحد تلك الخيارات، وتحديد خيار مختلف بناء على رأي الشخص.

إذا كانت توقعات النقاد والمتابعين التي تحدثنا عنها حقيقية، فيجب أن تكون النسبة الأعلى لخيار عدم تدخل روسيا عسكريًّا في الحرب السورية، وأن تكون نسبة تأييد قرارات بوتين هي الأقل، إلا أن النتيجة جاءت مختلفة تمامًا عن هذا الأمر.

تمثل الإحصائية معدل اختيار الأطراف المختلفة لكل من الخيارات الأربعة، حيث تُمثل اختيارات المسيحيين الأرثوذوكس في تتارستان ومسلمي تتارستان ومسلمي داغستان في الحالات الأربع، في حين تم استبعاد أصحاب الديانات الأخرى.

كما نرى في النتائج، في الوقت الذي يعارض فيه 24% من مسلمي تتارستان و22% من مسلمي داغستان الحرب في سوريا، بلغت نسبة الروس الأرثوذوكس في تتارستان المعارضين للحرب 18%، إلا أن المفاجأة كانت في كون نسبة المؤيدين للحرب والوقوف في جانب نظام الأسد بين مسلمي داغستان تجاوزت حتى نسبة المؤيدين من الأرثوذوكس، حيث بلغت النسبة 29% مقابل 23% فقط للأرثوذوكس.

من ناحية أخرى، لم تلقَ فكرة الانضمام لتحالف غربي مع الولايات المتحدة وفرنسا إعجاب أغلب مسلمي داغستان وتتارستان على حد سواء، في حين كانت نسبة مؤيدي تلك الفكرة بين الأرثوذوكس الأعلى، ليمثل الاختيار الأول بالنسبة لهم بنسبة 28%.

ترى نيويورك تايمز أنه وفق النتائج، لا يمكن القول إن هناك اتجاهات محددة على أساس ديني بين الروس، ولكن يمكن تقسيمهم إلى مؤيد ومعارض للحرب بشكل عام، في حين أن 20% ممن شاركوا في الاستقصاء (من مختلف الديانات) لم يختاروا الخيارات الثلاثة الأولى، وأبدوا عدم تأكدهم من أي خيار.

النقطة الأهم كما ترى الصحيفة، أن المسلمين الروس – السنة – لا يرون دعم بوتين لنظام الأسد كتدخل على أساس طائفي على الإطلاق، وهو ما يأتي بعكس توقعات الكثير من المتابعين.

كما نرى في الإحصائية الثانية، لا تعرف الغالبية (قرابة 40%) حقيقة هذا الصراع، في حين يظن 6% فقط من المسلمين في داغستان و3% في تتارستان أن التدخل الروسي في سوريا يقوم على أساس مذهبي، في حين ترى نسبة معتبرة من المسلمين الروس أن ما يحدث بالأساس هو حرب ضد جماعات إرهابية، وهو ما يتوافق مع ما تنشره وسائل الإعلام الروسية، حيث تتبنى فكرة الحرب على الإرهاب كسبب رئيسي للتدخل الروسي في الحرب السورية وفق ما رصده التقرير.

اختارت نسبة لا بأس بها من المشاركين الاعتقاد بأن نظام الأسد يحارب الغرب بالأساس، كما صنفوا الصراع على كونه معركة سياسية بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث علق أحدهم قائلًا: «الولايات المتحدة تقوم بتدمير الدول التي تعيش في سلام، لقد فعلوا ذلك مع يوغوسلافيا والعراق وليبيا، والآن يفعلون الأمر ذاته في سوريا».

تضيف الصحيفة تساؤلًا آخر قائلةً: هل نكون بذلك قد فهمنا بالفعل ما يفكر به مسلمو روسيا؟

إجابة الصحيفة كانت أن الأمر غير مؤكد لثلاثة أسباب. أول تلك الأسباب هو احتمالية كذب المشاركين في الدراسة، حيث وفقًا لدراسة أخرى أجراها مركز ليفادا حديثًا، وُجِد أن 26% من الروس يخافون من الإدلاء بآرائهم الحقيقية في استطلاعات الرأي، خاصة في الأسئلة الحساسة كموضوع الحرب في سوريا، حيث يشعر البعض أن الكذب قد يبدو أكثر أمانًا، مما يعني أنه قد يكون هناك الكثير من المسلمين المعارضين للتدخل في سوريا دون أن يعلنوا عن ذلك.

السبب الثاني وفق الصحيفة أنه مع جرائم قتل المدنيين التي تتورط فيها روسيا يوميًّا قد تتغير وجهة نظر الكثير من مسلميها، خاصة تلك الفئة التي لم تبدِ اختيارًا واضحًا وأعلنت عدم فهمها الكامل للأمور حاليًا.

أما السبب الثالث، فإنه حتى وإن أيدت نسبة كبيرة من المسلمين الروس التدخل العسكري في سوريا، فستكون هناك أقلية معارضة بشدة لهذا التدخل وتكره نظام الأسد بصورة واضحة، وقد يمثل هؤلاء تهديدًا للأمن القومي الروسي.

تختتم الصحيفة تقريرها قائلةً إن بوتين نفسه قد أعلن سابقًا عن وجود ما بين 5000 إلى 7000 آلاف مقاتل من روسيا وجمهورياتها السابقة كأعضاء في تنظيم داعش الإرهابي. كما أضافت الصحيفة أن تلك الأقلية الرافضة للتدخل قد تكون مهتمةً بالانضمام للتنظيم، إلا أنها ترى أيضًا أن سياسة بوتين الخارجية تهدف بالأساس إلى تعزيز شعبيته محليًّا، وأنه حتى الآن على الأقل، فإن الحملة العسكرية التي شنتها في سوريا تثبت نجاحها، حتى بالنسبة لمسلمي روسيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد