على الرغم من أن أخبار اليوم مليئة بالقصص المتعلقة باللاجئين والمهاجرين إلى الولايات المتحدة من أمريكا الوسطى، إلا أن محنة هؤلاء اللاجئين ليست سوى جزء من أزمة هجرة دولية مستمرة منذ عام 2015، أدت إلى تشريد 25.9 مليون لاجئ في جميع أنحاء العالم من ديارهم، ونصفهم تقريبًا من اللاجئين السوريين.

وقد أجرى الباحثون آري كروجلانسكي أستاذ علم النفس بجامعة ماريلاند الأمريكية، وديفيد ويبر الأستاذ المساعد بجامعة فرجينيا كومنولث الأمريكية، وإريكا موليناريو زميلة أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ماريلاند الأمريكية، وكاترزينا جاسكو الباحثة في معهد علم النفس بمركز الدراسات المعرفية الاجتماعية في كراكوف ببولندا؛ دراسة على الجوانب النفسية للاجئين الفارين من الحرب الأهلية السورية، الذين يُقدر عددهم بنحو 13 مليون لاجئ على مدى السنوات الثماني الماضية.

جحيم الحرب أرحم من نار اللجوء.. أسباب تدفع اللاجئين في تركيا للعودة إلى سوريا

في تقرير حول الدراسة نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية تحت عنوان «هل يُشَكِّل اللاجئون السوريون خطرًا على الغرب؟»، أشار الباحثون إلى أن البعض في الغرب يُعَبِّرون عن مخاوفهم من أن المتطرفين السوريين قد يهاجرون إلى الغرب تحت غطاء أزمة اللاجئين لإلحاق الضرر ببلادهم.

وتجلّى هذا الموقف في تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حينما كان لا يزال مرشحًا للرئاسة في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عبر حسابه الرسمي على موقع «تويتر»، حين قال: «يتدفق اللاجئون من سوريا الآن إلى بلادنا العظيمة. هل يعلم أحد مَنْ هم؟ فربما يكون بعضهم عناصر من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)». هل رئيسنا مجنون؟».

كما تردد صدى الخوف من اللاجئين السوريين في أوروبا، فقد وجدت دراسة أجراها مركز «بيو للأبحاث» الأمريكي في عام 2016 أن 59٪ من الأوروبيين المستطلع آراؤهم يعتقدون أن قدوم اللاجئين سيزيد من احتمالية وقوع أعمال إرهابية في بلادهم.

لذلك أصبح اللاجئون السوريون معزولين في مخيمات للاجئين أو في أماكن مؤقتة أخرى، غير قادرين على الهجرة بسبب سياسات الهجرة الناتجة – جزئيًا – عن هذه المخاوف.

وقد أغلق ترامب الحدود بشكل أساسي أمام السوريين، حيث قبلت الولايات المتحدة 41 لاجئًا فقط في عام 2018، كما تراجعت أعداد المقبولين في أوروبا، التي كانت سابقًا الوجهة الأولى للاجئين السوريين.

ويهدف الباحثون – من خلال دراستهم المنهجية المموَّلة من مؤسسة العلوم الوطنية التابعة للأمم المتحدة – إلى معرفة إذا ما كان اللاجئون السوريون يُشَكِّلون خطرًا على الغرب أم لا.

الخوف من اللاجئين لكونهم غرباء فقط

ربما يكون الخوف من اللاجئين – إلى حد ما على الأقل – عاملًا نفسيًا. فقد لاحظ علماء الاجتماع والفلاسفة منذ فترة طويلة نفور الناس من غيرهم من أي نوع، والميل في كل مكان إلى اتخاذ الأقليات – التي تختلف عنهم سواء من حيث العِرق أو الانتماء الإثني أو الدين – على أنها كبش فداء، واضطهادها.

Embed from Getty Images

ويُستغل هذا الخوف بدهاء من جانب السياسيين الذين أشعلوا النزعة الشعوبية المعادية للمهاجرين التي دفعت أجندات كراهية الأجانب إلى صدارة السياسات الوطنية في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة.

ولا تعني قدرة علم النفس على تفسير الخوف المتفشي من اللاجئين السوريين بالضرورة أن مثل هذا الخوف لا أساس له من الصحة تمامًا. ومع ذلك، لا توجد حاليًا أي بيانات تقريبًا عن الحالة الذهنية للاجئين السوريين، وعن مصلحتهم (أو عدم وجودها) في الأسباب الأيديولوجية والسياسية بمختلف أنواعها.

ولمعالجة هذه الفجوة في المعرفة، أجرى الباحثون استطلاعات رأي مكثفة على مدى عامي 2016 و2017 مع اللاجئين السوريين الذين يعيشون مؤقتًا في لبنان والأردن وتركيا، إذ سألهم الباحثون عن دوافعهم والتزاماتهم الأيديولوجية ومقاصد الهجرة لديهم، وجرى تحليل هذه البيانات الآن فقط، وفيما يلي يسرد الباحثون أول لمحة على النتائج التي توصلوا إليها.

قال الباحثون: «أردنا معرفة إذا ما كان تطرفهم السياسي – إن وُجد – واستعدادهم لتقديم تضحيات لأسباب دينية وسياسية مرتبطين بعزمهم على الهجرة إلى الغرب أم لا».

الحالة الذهنية للاجئين

وأوضح الباحثون: «تتناقض دراستنا مع فكرة أن اللاجئين السوريين يُشَكِّلون خطرًا على البلدان التي هاجروا إليها. ووجدنا أن غالبية اللاجئين يرغبون في العودة إلى بلدانهم الأصلية. وكان المستوى العام للمعتقدات الدينية والسياسية المتطرفة بين اللاجئين منخفضًا».

«علاوة على ذلك، توصلت دراستنا إلى أن اللاجئين الذين يميلون إلى التحرك غربًا هم عادة من الموالين للغرب»، وفقًا للباحثين.

وطرح الباحثون سؤالًا: «هل أخبرنا هؤلاء المستطلع آراؤهم بالحقيقة؟». وأجابوا قائلين: «نحن نعتقد ذلك، وذلك لأسباب ثلاثة: أولًا، لقد اتخذنا الاحتياطات اللازمة لجمع البيانات بواسطة باحثين ناطقين باللغة العربية من المنطقة على دراية بثقافة هؤلاء المستطلع آراؤهم. وكان الباحثون لديهم مصداقية لدى المشاركين بأن الجهات الخارجية لن تعرف شيئًا عنهم، وبالتالي كانت احتمالية إخفاء المشاركين مشاعرهم وآرائهم ضئيلة. ثانيًا، أكدنا لهؤلاء المستطلع آراؤهم أن هويتهم ستظل سرية، وهو ما سيجعلهم يشعرون بمزيد من الأمان في إعطاء إجابات صادقة. وأخيرًا، أكدت مجموعات النقاش المركزة (Focus Groups) المتعلقة باللاجئين السوريين الموجودين بالفعل في الغرب نتائج استطلاعنا».

صورة الغرب عند اللاجئين السوريين

«في معظم الحالات، رأى هؤلاء اللاجئون أن الغرب موطن للاستقرار والأمن والفرص الاقتصادية، وهي التوقُّعات التي حددت نوايا اللاجئين من وراء إعادة توطين، بعيدًا عن الرغبة في إلحاق الأذى»، حسبما تشير بيانات الباحثين.

Embed from Getty Images

ووصفت لاجئة – قابلها الباحثون في ألمانيا – توقُّعاتها قبل مغادرتها إلى الغرب، قائلةً: «سمعت الناس يتحدثون عن كيف ستكون الأمور سهلة، وكيف سيرحبون بنا، وأنهم سيدبرون أمر المسكن لنا، ويتكفلون براتب شهري لنا، ويساعدونا في العثور على وظائف تمامًا مثلما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية».

ومن المثير للدهشة – في جميع العينات التي شملتها الدراسة – أن المستطلع آراؤهم ممن يميلون إلى التطرف يفضلون العودة إلى ديارهم بدلًا عن الهجرة إلى الغرب، وكان ترددهم في الذهاب إلى الغرب مرتبطًا إلى حد كبير بتصورهم أنه من غير المحتمل أن تُلبى احتياجاتهم الأساسية من الأمن والراحة ولا احتياجاتهم الضرورية من الاحترام والمكانة الاجتماعية هناك، ولم يكن هؤلاء الأفراد من كبار المعجبين بالغرب، وشعروا بعدم الارتياح من احتمال قضاء حياتهم هناك.

وعلى عكس الخوف من أن تكون مقاصد اللاجئين هي التوجُّه غربًا وإمكانية إثارة المشاكل هناك، أظهر الاستطلاع أن اللاجئين الذين لديهم آراء دينية وسياسية متطرفة كانوا من بين أقل الأشخاص رغبة في الانتقال إلى الغرب، وبين أشد الأشخاص رغبة في العودة إلى وطنهم والسعي وراء تحقيق أهدافهم الأيديولوجية هناك.

أملًا في حياة أفضل

كانت مخاوف اللاجئين الذين أرادوا الانتقال إلى الغرب شخصيةً وواقعيةً إلى حد كبير، حيث كان الحافز وراء هجرتهم إلى الغرب مدفوعًا بالأمل في أنه المكان الذي ستُلبى فيه احتياجاتهم الأساسية من الأمن والعيش وتُحقق فيه احتياجاتهم الضرورية من المكانة الاجتماعية والاحترام.

وتشير بيانات الباحثين إلى أن توقُّعات الوفاء والرضا في الغرب هي التي حددت مقاصد إعادة توطين اللاجئين.

ويبدو – من نتائج الاستطلاع الذي أجراه الباحثون – أن خطر إغراق الغرب بالمتطرفين السوريين مبالغ فيه إلى حد كبير، وبدلًا عن ذلك، عادةً ما يكون اللاجئون الذين يميلون إلى التحرك غربًا موالين للغرب في الأساس.

واختتم الباحثون بالقول: «تخضع هذه النتائج لتحفُّظين: أولًا، تدل تلك البيانات على الاتجاهات العامة فقط. ولا يزال التحقق بعناية من جميع اللاجئين أمرًا ضروريًا لأي بلد. ثانيًا، قد يعتمد الكثيرون على الترحيب الذي تلقاه اللاجئون من المجتمع المضيف. وقد يؤدي الموقف العدائي والتمييزي إلى إحباط اللاجئين وتطرفهم. ومع ذلك يقع السيناريو الأخير بالتأكيد على عاتق البلدان التي توفر لهم المأوى».

https://www.sasapost.com/could-assad-lose-control-over-territories-again/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد