نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالًا للكاتب آبي سيلبرشتاين، المتهم بشؤون السياسة الإسرائيلية والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية. كان ذلك في وقت سابق لإعلان النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي. استهل سيلبرشتاين مقاله بالقول: لم تُظهر أي استطلاعات حديثة أن الاتحاد الديمقراطي- الناتج عن اندماج حزب ميرتس اليساري وحزب الوسط الديمقراطي الإسرائيلي- يقترب من حصد مقاعد يتجاوز عددها الأرقام المزدوج، وليس ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن حظوظهم ستشهد تحسّنًا كبيرًا.

وأشار الكاتب إلى أن زعيم الحزب الديمقراطي الإسرائيلي، رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، يحتل المرتبة العاشرة في القائمة. وهناك احتمالات أنه لن يكون متواجدًا في الكنيست القادم. لافتًا إلى أن كبر سنه (77 عامًا) والنتائج المهينة للاتحاد الديمقراطي تجعل عودة الحزب الديمقراطي مستبعدة. وقد بدأ باراك، من خلال تصريحاته غير المعهودة نسبيًا، بالاعتراف بأنه وصل إلى نهاية مسيرته المهنية.

على سبيل المثال، عندما وافق على أن يكون في المرتبة العاشرة، فعل ذلك من أجل إبرام اتفاقية مع حزب ميرتس بعد أن اتضح أن حزبه القديم، حزب العمل، لن ينضم إليه. وموافقة رئيس وزراء ووزير دفاع أسبق على مثل هذه المرتبة المتدنية من أجل تسهيل دمجه مع حزب يساري صغير لهو أكثر من مجرد قمع مخجل للغرور من وجهة نظر الكاتب.

Embed from Getty Images

عودة إلى الوراء

يضيف المقال: إن الأكثر لفتًا للنظر هو رغبة باراك في تناول تلك الجوانب في ماضيه بشكل صريح، والتي تبين أنها مثار إشكال في هيكلة الاتحاد الديمقراطي. ولم يكن ذلك أكثر شجاعة من اعتذاره المتأخر عن قتل الشرطة الإسرائيلية لـ12 متظاهرًا عربيًا عام 2000. وقد مهّد اعتذار باراك، الذي جاء بناء على طلب من عيساوي فريج، عضو حزب ميرتس، الطريق لإبرام اتفاقية مع حزبه.

الآن، وفي نهاية مسيرته السياسية، ينبغي أن يتخلص باراك من الأسطورة الدائمة لمنصب رئاسة الوزراء الخاص به نهائيًا – والتي تتمثل في فشل محادثات السلام في كامب ديفيد نتيجة لرفض الفلسطينيين «المُخزي»، بحسب الكاتب، وعزيمتهم على تدمير إسرائيل نهائيًا. وتظل هذه الأسطورة هي الرواية المهيمنة لواشنطن والمنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى.

لعب باراك دورًا ليس بالقليل في استمرار هذه الأسطورة وهو يتحمل مسؤولية تصحيح هذا المسار، بحسب الكاتب الذي شعر بالإحباط عندما رفض باراك كتابة ذلك في مذكراته، «بلادي، حياتي»، بل فعل ذلك في وقت كان يفكر مليًا بشكل جاد في حملة سياسية. وربما آن الأوان لكشف الحقائق.

ويتابع الكاتب: لا شك أنني لست أول من تقدم بهذا الطلب؛ فقد طالبت ناعومي حزان، العضو الأسبق في الكنيست والرئيس السابق لصندوق إسرائيل الجديد، باراك مؤخرًا بتعزيز عملية السلام بصيغتها المعدّلة على خلفية تصريحاته المشينة عن عدم وجود شركاء لنا، الأمر الذي تردد صداه حتى يومنا هذا مبررًا للإبقاء على الوضع الراهن الخطير.

ويضيف الكاتب: لكنني باعتباري أمريكيًّا ينخرط في نقاشات بشأن إسرائيل في المجتمع اليهودي بشكل عميق، أقول إن أحد عوامل الإحباط المتجذّرة هو القبول الواسع الانتشار بالتاريخ المشوّه بشأن ما حدث في كامب ديفيد. وفي إسرائيل، تجاوز النقاش كامب ديفيد بالفعل ولكنه يظل عبئًا ثقيلًا على اليهود الأمريكيين، أمثال باراك، الذين يريدون أن يصير مستقبل إسرائيل مُتَّسمًا بالديمقراطية ويعيشون فيه بسلام جنبًا إلى جنب مع دولة فلسطينية مستقلّة.

دليلك المبسط لفهم القضية الفلسطينية في 5 محطات

أكاذيب كامب ديفيد

يرى الكاتب أن هناك ثلاث أكاذيب محددة متصلة بكامب ديفيد يود أن يتناولها باراك (قد يكون من المستحيل تناول جميعها باستفاضة في مقالة للرأي)، ولا تتطلب هذه الأكاذيب قبوله أي لوم بشأن انهيار المحادثات؛ ففي الحقيقة، هناك مزاعم تفيد أن تفهُّم الدروس المستفادة من كامب ديفيد يتطلب تجاوز لعبة الإلقاء باللوم العبثية التي أصبحت هذه القمّة سيئة السمعة بسببها.

الأكذوبة الأولى هي الأكثر بساطة: رفض ياسر عرفات، رئيس منظمة تحرير فلسطين آنذاك، «عرضًا مغريًا» أو «أعظم ما كانوا يطمحون إليه»، على حد تعبير دنيس روس، المفاوض الأمريكي الأسبق.

كان مقترح إسرائيل النهائي في كامب ديفيد غير مسبوقٍ، أي أنه بمثابة تراجع متميز يمكن التأسيس عليه، لكنه على نحو موضوعي لم يكن مغريًا أو حتى ملائمًا. وعلى الرغم من أن هناك خلافات بشأن المقدار الدقيق للأراضي التي كان يرغب باراك في التنازل عنها للفلسطينيين، إلا أنها لم تتجاوز 92% من الضفة الغربية؛ وليس أقل من مؤيد للرواية الداعمة لإسرائيل من بيني موريس الذي اقترح أن يكون مقدار الأراضي المُتَنَازَل عنها 84% من الضفة الغربية.

بالإضافة إلى ذلك، لا ينص هذا المقترح على السيادة الفلسطينية، بل استقلال وظيفي فقط، في مناطق رئيسية في شرق القدس. ويُعد قبول إسرائيل اللاحق المستوفي لضوابط كلينتون التي طالبت إسرائيل بالانسحاب مما يعادل 97% من الضفة الغربية والسماح بالسيادة الفلسطينية على الأحياء العربية في القدس دليلًا كافيًا

على أن باراك فطن إلى أن عرض كامب ديفيد في هذا الوقت كان بعيدًا عن استيفاء الحد الأدنى من شروط الفلسطينيين.

وأوضح الكاتب أن الأكذوبة الثانية تتمثل في أن الفكرة المنافية للمنطق بشأن رفض الفلسطينيين تقديم عرض بديل لباراك هي دليل على أنهم لم يهتموا بحلٍ قائمٍ على وجود دولتين، بل الدخول في هجوم تدريجي ضد الوجود الفعلي لإسرائيل. وفي مقابلة مكونة من جزأين مع صحيفة هآرتس عام 2002، قال باراك إن هذا الأمر أظهر له أن «هوس عرفات لا يتعلق بفرض سيادة فلسطينية في جزء من البلاد.. بل يتعلق بتدمير دولة إسرائيل».

ومن الخطأ الفادح عدم تقديم الفلسطينيين عرضًا بديلًا كاملًا يفتقر إلى إشارات إلى قرارات الأمم المتحدة بشأن القضايا الرئيسية. وقد يكون ذلك مؤشًرا على استراتيجية المساومة خاصتهم أو أنه دليل على خوفهم من التداعيات السياسية لتنازلات محددة. إلا أن هذا يعني بالكاد أنهم متورطون في مناورات خادعة لـ«تدمير» إسرائيل، وهو أمر يعجزون عن فعله حتى من خلال جميع التدابير الاستراتيجية الجادة.

وكما أشار جيريمي بريسمان في دراسته الرائدة التي أعدها عام 2003 بشأن الروايات المتنازع عليها في كامب ديفيد، فإن عرض باراك كان كافيًا إذا كانت النية الفلسطينية تقتضي استخدام الدولتين باعتبارهما منصة إطلاق ذات سيادة للهجوم على إسرائيل؛ أيًا كان الحل، أظهر رفض العرض أنهم كانوا يفكرون في أنه أيًا كانت حصة الدولتين من المفاوضات فسيكون ذلك هو الحل الدائم.

الأكذوبة الأخيرة، على حد تعبير الكاتب هي: أنه في الوقت الذي ظلت فيه خلافات كبيرة بين الجانبين بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين، لم يكن الموقف الفلسطيني صارمًا كما سبق اقتراحه- ولم يكن بالتأكيد جزءًا من مخطط لـ«تدمير» إسرائيل.

وطبقًا للتقارير الصادرة عن قمة طابا المنعقدة في يناير 2001 التي وضعت ضوابط بيل كلينتون والتقدم الذي تحقق في كامب ديفيد، أراد المفاوضون الفلسطينيون التنازل عن حقٍ يستدعي المقاضاة بشأن عودة معظم اللاجئين الفلسطينيين في مقابل التعويض المادي وإقرار صريح بالندم على كل ما حدث لهم. وبحسب ما ذكره شلومو بن عمي، وزير خارجية باراك، في مقابلة مع صحيفة هآرتس عام 2001، فإن الفلسطينيين «أبدوا استعدادهم للدخول في محادثات موضوعية ومناقشة أعداد اللاجئين».

ومن غير المعقول توقع قبول إسرائيل لـ«التنازل» الفلسطيني عن عودة 350 ألف لاجئٍ فقط ببساطة، كما لم يكن من المعقول قبول الفلسطينيين بالاستقلال في شرق القدس ببساطة. ومع ذلك، يُعتبر موقف الفلسطينيين بشأن اللاجئين إبداءً للرغبة في التفاوض بشأن هذه القضية، كما يمكن اعتبار عرض باراك الخاص بشرق القدس منعطفًا هامًّا في موقف التفاوض الإسرائيلي.

هب أن الانتفاضة الثانية لم تحدث ولم تفقد الثقة في الحركة القومية الفلسطينية في أعين الإسرائيليين من خلال التفجيرات الانتحارية واستهداف المدنيين، فمن المفهوم أن مزيدًا من التقدم في قضية اللاجئين كان من المفترض أن يحدث.

يضيف الكاتب: حتى هذا اليوم، يفخر باراك بحق بجهوده غير الناجحة في الوصول إلى اتفاقية سلام مع عرفات وحافظ الأسد، الرئيس السوري آنذاك. وقد كان عرضه في كامب ديفيد الأول من نوعه منذ عام 1967 عندما أقرت الحكومة الإسرائيلية أنها بحاجة إلى حل توافقي بشأن القدس. لم يكن هذا الأمر يُستَهان به، فقد أكسبته مكانة قوية في سجلات التاريخ الدبلوماسي.

جهود باراك في كامب ديفيد

ويكمل المقال: حان وضع باراك للأمور في نصابها بشكلٍ واضحٍ؛ حيث مثّل عرض كامب ديفيد تقدّمًا هامًا لكنه لم يكن نهاية مأمولة للصراع؛ فقد كانت الاعتراضات التي أثارها الفلسطينيون في كامب ديفيد تتمحور حول رؤيتهم للحل القائم على وجود دولتين؛ كما قدَّمت مناقشة قضية اللاجئين في كامب ديفيد وطابا احتمالية الوصول إلى توافقٍ. ومن خلال توضيح ما حدث في كامب ديفيد، يمكن أن يُساعد باراك نفسه أيضًا. 

ينبغي أن يكون الاتحاد الديمقراطي هو المستفيد الواضح من تحول حزب أزرق أبيض إلى اليمين ومن الحملة غير الموجّهة لحزب العمل. ولكن بدلًا من ذلك، يجد الاتحاد الديمقراطي نفسه في منافسة مع حزب القائمة المُشتَرَكة على هذه الأصوات المؤثرة للناخبين اليساريين الذين يمكنهم صنع الفارق بين ثمانية مقاعد جديرة بالاحترام في الكنيست وخمسة أو ستة مقاعد غير مؤثرة. وإذا فكر باراك في الوضع الأمثل، يستطيع الاتحاد الديمقراطي جذب انتباه هؤلاء الناخبين في الأيام الأخيرة من الحملة- والتغلب عليهم.

قد يُحدث ذلك فارقًا في حسابات التحالف، باعتباره سلاحًا يُستَخدَم ضد حكومة ضمّ يمينية متطرفة. وسوف يؤدي باراك أيضًا خدمة عظيمة لمؤيدي الحل القائم على وجود دولتين- خاصة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي – نظرًا لانتظارهم لإطلاق إدارة ترامب خطة للسلام.

واختتم الكاتب مقاله بقوله: مع وجود التقارير التي تشير إلى أن الخطة لن تكون قائمة على الحل القائم على وجود دولتين، ربما تساعد جرعة من الواقع بشأن الوقت الفعلي المُستغرق في الوصول إلى اتفاقية سلام من شخص في مكانة باراك في منع أن تصير فانتازيا ترامب-كوشنر كابوسًا.

نعوم تشومسكي: عودة اللاجئين الفلسطينيين مستحيلة وإسرائيل قد تمنعهم بالسلاح النووي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد