في مقال لصحيفة المونيتور يوم 7 ديسمبر، ناقش متين جورسان خطوة تركيا الأخيرة المثيرة للجدل قرب الموصل، والتي أثارت غضب الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء حيدر العبادي في بغداد، وجلبت رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود بارزاني إلى أنقرة. وقام جورسان أيضًا بالكشف عن تفاصيل فنية لا تقدر بثمن بشأن البعد العسكري للخطوة التركية.

تركيا منخرطة بالفعل في أزمة مع روسيا، التي لديها القدرة على التصعيد الخطر. بالنسبة للكثيرين، فإن فتح جبهة جديدة للجدل – وهذه المرة مع بغداد – قد لا تبدو خطوة حكيمة، ولكنها تحتاج إلى تقييم في سياق إقليمي أوسع.

الخطوة التركية، التي تشمل أيضًا بعشيقة، وهي بلدة تقع شمال الموصل، لديها مبرراتها في الإطار الإقليمي الأوسع الذي يتواجد فيه محور روسيا وإيران. ذلك المحور الذي يتناغم أيضًا مع بغداد، ويفرض نفسه بشكل علني على سوريا.

ومن شأن هذا المحور أن يكون جذابًا أيضًا للمتمردين الأكراد في تركيا حزب العمال الكردستاني (PKK)، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ووحدات حماية الشعب الكردية (YPG) التي أثبتت كونها القوات المقاتلة الأكثر موثوقية والأقوى على الأرض في سوريا فيما يتعلق بالعمليات العسكرية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).

لعب حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية أيضًا دورًا هامًا في العراق في تحرير بلدة سنجار من قبضة تنظيم داعش. سنجار تفتح الطريق الأكثر أهمية والذي يصل إلى الرقة، العاصمة الفعلية لداعش في سوريا، مع مدينة الموصل، والتي تعتبر معقل السنة ضد العاصمة بغداد، والسياسيين من الشيعة. سيطر تنظيم داعش على الموصل منذ أكثر من عام في يونيو 2014.

في نظر أنقرة، هناك محور طولي مرئي يربط طهران إلى دمشق مروراً ببغداد. محور يتم تعزيزه من قبل روسيا التي استعادت عافيتها والتي من شأنها تقويض مكانة تركيا الإقليمية أبعد من ذلك، في أعقاب الصراع الأخير الذي اندلع بعد إسقاط طائرة مقاتلة روسية جراء الصواريخ التي أطلقت من طائرة F-16 تركية في 24 نوفمبر الماضي.

وفي الوقت الذي يرسل فيه حصار الموصل إشارات متفائلة بأن المدينة يمكن أن تتحرر في المستقبل المنظور، فإن تركيا، محتفظة بهذا الوضع الجيوسياسي في الاعتبار، دُفعت إلى التحرك.

في واقع الأمر، مع الأخذ بعين الاعتبار التاريخ، يمكن أن ينظر إلى الخطوة التركية على أنها ليست أكثر من إعادة التنافس التوركي-الفارسي أو التركي-الإيراني الدائم في بلاد ما بين النهرين وأكثر. تركيا العثمانية والصفوية الإيرانية خاضتا كثيرًا للسيطرة على بلاد ما بين النهرين (العراق) عدة مرات في القرنين الـ16 والـ17.

الصفويون، وهم سلالة تركية كانت قد حكمت إيران في الماضي، أعلنت التشيع كدين الدولة لإمبراطوريتهم. حتى قيام الشاه إسماعيل بتحويل الإمبراطوية إلى أرض بلاد فارس القديمة، كانت مكوناتها ذات أغلبية سنية. إضافة إلى البعد اللاهوتي في هذه المسألة، ومنذ النصف الأول من القرن الـ16، كانت كل من إيران الشيعية وتركيا السنية – بغض النظر عن طبيعة أنظمتهما ومن يحكمهما – متنافسين جيوسياسيين، وانعكست المنافسة بينهما في الغالب على الإقليم والمجتمعات من بلاد ما بين النهرين.

 

بغداد نفسها انتقلت بين الحكام عدة مرات. كانت تحت الحكم الصفوي بين عامي 1508 و 1534م، قبل أن تسقط في أيدي العثمانية التركية في عام 1638م. وكانت السيطرة البريطانية على المدينة في عام 1917 هي التي  أنهت سنوات من حكم السنة والعثمانية التركية على العرب الشيعة.

 

توقفت الحروب بين العثمانيين والصفويين في عام 1638م مع معاهدة قصر شيرين التي رسمت الحدود بين ما هو إيران وتركيا اليوم، وبين إيران وما هو العراق اليوم (مع تعديلات طفيفة). كلا الجانبين، عندما يتعلق الأمر بالتفاخر بعمق علاقات حسن الجوار، يشير إلى هذه المعاهدة التي تعد أقدم من تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية بـ150 عام.

 

على الرغم من أن تركيا وإيران لم يتصارعا أبدًا منذ ذلك الحين، فقد اعترفا بالمكانة والامتيازات الإقليمية لبعضهم البعض؛ لم تكن المنافسة بينهما في المجالات المختلفة حادة وعميقة كما هو الحال بين الشيعة والسنة في العراق.

 

في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، حكم الشيعة لأول مرة بغداد، ما زاد من استعداء السنة وتمهيد الطريق لظهور منظمات سنية متطرفة مثل “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” الذي حول نفسه في نهاية المطاف إلى تنظيم الدولة الإسلامية  في العراق وسوريا.

وبينما تتوجه بوصلة بغداد نحو طهران اليوم، أصبح التقارب بين أنقرة وحكومة إقليم كردستان العراق مهمًا، بل بات واجبًا جيوسياسيًا بالنسبة لبعضهما البعض.

 

أثبتت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، الإسلامية في تركيا أكثر وأكثر كونها راعية وحامية للعرب السنة في العراق، وعملت في الوساطة بين حكومة إقليم كردستان بقيادة بارازاني ووجهاء العرب السنة، لا سيما عشيرة النجيفي من الموصل، عاصمة محافظة نينوى.

بفضل الجهود التركية، تم انتخاب أسامة النجيفي المتحدث باسم رئيس البرلمان العراقي في بغداد بدعم الأكراد، في حين كان شقيقه أثيل محافظ نينوى من 2009 وحتى هذا العام.

 

مع الأخذ بهذا في الاعتبار، فإنه لا ينبغي أن يكون من الصعب البحث عن إيجاد المبرر للخطوة التركية الأخيرة في الموصل. في الواقع، في يوم زيارة بارزاني إلى العاصمة التركية ،أوضح أردوغان دوافع نشر القوات بوضوح في مقابلة مع شبكة الجزيرة الإخبارية الناطقة باللغة العربية.

وقال أردوغان إن العبادي نفسه طلب مساعدة تركيا في التدريب العسكري للعراقيين. تأسس معسكر تدريبي في بعشيقة في وقت لاحق. أردوغان تحدث بعصبية إزاء الموقف الذي تبناه رئيس الوزراء العراقي، قائلًا: “أين كنت وماذا كنت تفعل حين كان يجري بناء المعسكر في مخيم بعشيقة؟ لقد كنت صامتًا منذ ذلك الحين. تأخذ الآن موقفًا سلبيًا في تقييم آخر التطورات في المنطقة “.

 

اتهم أردوغان، في مقابلة قناة الجزيرة، الحكومتين الإيرانية والعراقية بتبني “السياسات الطائفية” في العراق وسوريا، وشدد على الاحتياجات الأمنية لأهل السنة في المنطقة.

 

وقال أردوغان: ” إن تركيا تتخذ موقفًا مناهضًا ضد السياسة الطائفية. ومعروف من يمارس الطائفية. من هم؟  إنهم في إيران والعراق. اليوم، العراق، للأسف، تتعاون مع إيران لتأجيج الطائفية. ويمتد التعاون نفسه بصورة أقوى في سوريا. ما هي المشكلة الكامنة وراء الاضطرابات في سوريا؟ مرة أخرى الطائفية!”

 

متحدثًا عن أحدث خطوة لتركيا في الموصل ووضع أهل السنة في المنطقة، قال أردوغان: “في هذه اللحظة، في حين يتم اتخاذ مثل هذه الخطوة، ماذا سيكون وضع أهل السنة هنا في المنطقة؟ هناك من العرب السنة والتركمان السنة والأكراد السنة أيضًا. إنهم جميعًا لديهم الحاجة للدفاع عن النفس من خلال جهود التدريب والتجهيز. جميع الخطوات المتخذة من قبل تركيا تهدف إلى ذلك “.

 

من جانبه، أضاف داود أوغلو بعدًا جيوسياسيًا إضافيا لهذه القضية. وقال: “إن الجنود الأتراك هم في بعشيقة لاستقرار المنطقة. لأننا لا نريد أن نصبح جيرانًا مع داعش، ولهذا يجب أن تكون أربيل قوية “.

 

وبصرف النظر عن ضرورة أن تكون حكومة إقليم كردستان “عازلة” بين تركيا وتنظيم داعش، فإن العلاقة الوثيقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق – بفضل الوجود العسكري التركي على أبواب الموصل – يعطي ميزة لأنقرة لإفشال أي مظهر من مظاهر الحكم الذاتي الكردي لحزب العمال الكردستاني في شمال وشرق سوريا، والذي سيكون منافسًا للبارزاني في الحركة القومية الكردية.

 

ستكون العلاقة أيضًا انعكاس آخر للتنافس التركي الإيراني على المشهد السياسي الكردي.

أعلنت إيران، باعتبارها ثاني أكبر مزود للغاز الطبيعي لتركيا، وقف نصف صادراتها إلى تركيا بعد قضية الموصل. لا يمكن أن يكون ذلك من قبيل الصدفة.

يأتي إعادة التنافس التركي الإيراني في بلاد ما بين النهرين فى ظل ظروف وشروط جديدة، وتحالفات إقليمية متغيرة باستمرار في القرن الـ21.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد