أصبح الغضب وباء العامة! لقد شاب كل شيء من المناظرات الإعلامية إلى اهتياج الشارع إلى الحروب إلى إطلاق النار العشوائي، بعيدًا عن أثره السمي الكبير على مشاعر الإنسان وارتباطه بشكل مباشر بالعنف، فإن الغضب يمس حياتنا اليومية أيضًا، حتى على الصعيد العاطفي. كل شيء بدءًا من المضايقات في مكان العمل حتى الخلافات العائلية يمكن أن تفسد وتتحول إلى مزيج من الضغط النفسي والغضب والاكتئاب.

إلى أي مدى يمكن أن يكون الغضب مدمرًا ومؤلمًا؟ ولماذا نبدو غارقين في أمواجه المتلاطمة؟ لماذا نطلق لأنفسنا العنان في حالة الغضب بغض النظر عن عواقبه الخطيرة قانونيًا، اجتماعيًا، ماليًا، جسديًا، وصحيًا؟

1- الجهاز العصبي للإنسان يكافئ الغضب

إن لحظة الغضب تمنح الإنسان شعورًا جيدًا، حيث تبدو كأنها أصح شيء يمكن القيام به، وهذا جزء من المشكلة. في هذه اللحظة يتجاهل الإنسان القيم الأخلاقية ويضرب بالعقلانية عرض الحائط، وذلك لأنها تنتج من أصلنا أي من الجهاز الحوفي في الدماغ وهو المركز المسؤول عن الانفعالات الغريزية مثل الخوف والشهوة، هذا الجهاز يمتلك روابط مباشرة مع نظام الاستجابة (الدفاع أو الهرب) وهذا يشمل التحكم في تدفق الأدرينالين، التنبيه، وحواس أخرى التي تدفع الإنسان للقيام بإحدى أمرين: الاقتتال أو الهرب سريعًا.

الجهاز الحوفي مسؤول عن الوظائف الانفعالية لدى الإنسان

2- الغضب يشابه الإدمان

ما يحدث هو أن الغضب يصبح شبيهًا بالمحفز مثلًا أن يسعى الإنسان للبحث عن أنشطة تثير الانفعال، إن وجود مؤشرات خطر – تُنذر بالغضب والاهتياج – تحفز إفراز هرمون الدوبامين في مستقبلات الدماغ تمامًا مثل ما يحدث في حالات أخرى للإدمان مثل المقامرة، الرياضات العنيفة وحتى إدمان المخدرات مثل الكوكايين والميثامفيتامين، حيث يصبح الغضب محفزًا للمزيد من الغضب، تمامًا مثل أنواع الإدمان الأخرى، فإن العواقب تكون خطرة وجدية والناس يستجيبون لأي محفز في لحظات بدون أخذ الصورة الكلية بعين الاعتبار.

3- الغضب يدعم هشاشة الأنا

هناك جزء من علم النفس يعني بالأنا الهشة والمجروحة التي تكون جلية في الشخصيات النرجسية، المشاعر الداخلية العميقة بالضعف أو عدم الأمان قد يكون السبب الحقيقي وراء اندفاعنا للغضب، تكون وسيلة لتجعل الإنسان يشعر بالقوة في لحظات وتمكنه من الانتصار على شعوره بالضعف، كما تمنح الناس شعورًا لحظيًا بالسيطرة على الأمور التي لا يملكون زمامها بالعادة. لكن لسوء الحظ التعزيزات السلبية اللاحقة تضر بصورتك في عيون الآخرين وتستمر دورة الشعور بعدم الأمان، تصبح الأمور أشبه بدورة سيئة من نوبات الغضب والعقاب والتي تؤذي في النهاية الشخص العصبي.

4- قد يكون الغضب آلية للراحة ووسيلة لتجنب العواطف

بعض الأشخاص الذين نشأوا في بيئات تعمها الفوضى بشكل مستمر يجدون في تقلبات المزاج والغضب مجالًا للراحة، ربما تساعدهم على الفرار من الشعور الداخلي بالخواء أو الخوف، الانفعال الدرامي والصراع ذو آثار مدمرة عاطفيًا ولكن البعض قد يفضله إذا ما قُورن بالمشاعر السوداوية مثل الخسارة أو الحزن ! بعيدًا عن البيئة العائلية المؤلمة فإن المحاربين القدامى عُرضة لنوع مشابه من الادمان وذلك حين يبقون فترات طويلة ومتكررة تحت ظروف فيها تهديد عالي.

أذا الأمر يستحق أن تطرح السؤال على نفسك هل أنت مدمن على الغضب؟ اذا كنت كذلك فإن هناك العديد من الاستراتيجيات للمساعدة مثل:

– علاج الظروف المرضية الكامنة خلف الغضب والتي يكون الغضب مجرد مؤشر عليها مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة.

– اتباع استراتيجيات ايجابية للتغلب على الضغط مثل الضحك، ممارسة الرياضة، اليوغا، التأمل، العطلات.

– تعلم سلوك بديل مثل: حل المشكلة بطريقة بناءة والتحدث مع الآخرين عن الأشياء التي تسبب لك الغضب والتدريبات الذهنية.

– معالج اضطرابات نفسية: (أحيانًا يستهدف العلاج المعرفي – السلوكي[1]لضبط الغضب أو علاج المواجهة – المراقبة للقوى المحركة الأساسية للغضب ومشكلات الماضي التي قد تكون السبب).

– مناقشة المشكلة بصدق مع أفراد العائلة والأصدقاء

مثل أي نوع من أنواع الإدمان الأخرى الخطوة الأولى تكون بالاعتراف بوجود مشكلة، وهذه الخطوة تعد الأصعب بالنسبة لكثيرين حين يدركون لسوء الحظ المشكلة وذلك بعدان يفقدوا شيئًا لا يمكنهم استعادته مجددًا. الأمر يحتاج النضوج والجرأة معنا لأجل أن تعترف أن الغضب أصبح مشكلة جدية، ومن المحزن أن العديد من الناس لم يعودوا بعد خطوة للخلف لينظروا كيف أثروا في الناس من حولهم تاركين أنفسهم وحيدين في هذا العالم!

الوعي هو الخطوة الأولى للشفاء.

 

 

** العلاج المعرفي – السلوكي Cognitive-behavioral therapy) هو أسلوب من أساليب العلاج النفسي يعالج المشكلات ويساعد على  تحقيق   السعادة عن طريق تعديل السلوك والمشاعر والأفكار المختلة، على عكس النظرية التقليدية الفرويدية، التي تقوم على أساس أن المشكلات النفسية أصلها تعرض الإنسان للأذى في مرحلة الطفولة، فإن نظرية العلاج المعرفي – السلوكي يركز على الحلول وتشجيع المريض على تحدي المعرفة

الخاطئة وتغيير نمط السلوك الضار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد