تحدث كريستوفر ديكي في مقال له على موقع «ذا ديلي بيست» الأمريكي عن محاولات تنظيم الدولة إحياء مشروعه الاستعماري، الذي يتعرض لهزّة شديدة مع تقدم القوات العراقية المدعومة بطائرات التحالف الدولي بشكل مستمر في معقل التنظيم بالعراق، مدينة الموصل.

وقال كريستوفر إنّ التنظيم يستعد للرد على هزائمه المتوالية بتنفيذ هجمات باستخدام طائرات بدون طيار تحمل شحنات من المتفجرات. وينقل كريستوفر عن خبراء في مكافحة الإرهاب قولهم إنّ طائرة واحدة لن تحدث ضررًا بالغًا، ولكن الخوف كله نابع من استخدام التنظيم أكثر من طائرة في نفس الهجوم؛ مما سيحدث تدميرًا هائلاً لدى العدو، ولن يقتصر الأمر على ميادين القتال، وإنّما قد يمتد ليشمل المدن الأوروبية، والولايات المتحدة.

يرسم بروس هوفمان –من جامعة جورج تاون ومؤلف كتاب «داخل معاقل الإرهاب»– سيناريو قاتمًا للأمر بقوله: «لنتخيل باريس في الثالث عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عندما قُتل العشرات في حفل موسيقي على قارعة الطريق، وقد جرى استخدام طائرات بدون طيار فوق كل ما جرى. كان ذلك سيتسبب في عجز السلطات بشكل كامل. إنّ هذا سيعظم من أكبر مخاوفنا، وهو وقوع هجمات متزامنة على المدن».

ينقل التقرير عن شبكة سي بي إس الأمريكية قولها إنّ العمليات العسكرية الجارية في الموصل تسير ببطء؛ بسبب لجوء مسلحي تنظيم الدولة إلى استخدام سرب من ثلاث إلى خمس طائرات مسيرة عن بعد لقصف القوات المهاجمة.

وقد روّج تنظيم الدولة لسلاحه الجديد، إذ نشر صورًا لمجنديه وهم يتلقون دروسًا في كيفية استخدام الطائرات بدون طيار. بدا الشباب المقاتلون وكأنّهم في تدريب وظيفي، ولكن هذا التدريب هو الجهاد. وقد نشر التنظيم لقطات حية لاستخدام سلاحه فوق الأهداف المختلفة، وكان من بين اللقطات إلقاء قنبلة على سيارة مصفحة بدقة متناهية.

ولكن في سياق إرهاب المدن كالذي يصفه هوفمان، تكمن المعضلة في إمكانية استخدام الطائرات بدون طيار للتشتيت. أظهر تقرير استقصائي أصدره موقع Bellingcat للبحوث المستقلة أنّ هذا السلاح يمنح تنظيم الدولة القدرة على تحويل فضاء المعركة من البعد الثاني إلى البعد الثالث، إذ إنّه بوسعه إسقاط أكثر من قنبلة بدون تحذير مسبق، وبدقة متناهية.

يقتبس كريستوفر جزءًا من تقرير موقع Bellingcat جاء فيه: «في إحدى اللقطات، نرى استخدام طائرة بدون طيار لشن غارة لتشتيت جنود العدو، قبل اقتراب سيارة مفخخة، التي انفجرت فأوقعت إصابات قاتلة». ويرى هوفمان أنّ الأسلحة المستخدمة في ميادين المعارك ستنتقل إلى المناطق المدنية.

لم يزد الأمر عن كونه خطرًا نظريًّا حتى شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. لكنه ظهر الآن، ويتطور بسرعة شديدة. أصدر مركز مكافحة الإرهاب التابع لجامعة ويست بوينت ورقة بحثية شديدة الأهمية من إعداد دون راسلر جاء فيها: «إنّ استخدام سرب من الطائرات بدون طيار يمكن أن يزيد من خطر الهجمات القاتلة وآثارها النفسية وتعقيدها».

بينما يوضح دان جتنجر –المدير المساعد لمركز دراسة الطائرات بدون طيار في كلية بارد– أنّه خلال الشهور السابقة تغير مفهوم استخدام الطائرات بدون طيار، بعد أن أصدر تنظيم الدولة سيلاً من المقاطع المصورة لاستخدامها في الموصل، وقال إنّ آثارها النفسية أشد من الآثار المادية. يقول جتنجر: «لا يمكن تجاهل رسائل التنظيم من وراء تلك المقاطع، فهو يود أن يؤكد أنّها باتت أحد أسلحته الرئيسية».

وتشير مايا بلوم –الباحثة في مؤسسة مينرفا التي تراقب أنشطة داعش على الإنترنت الخفية– إلى أنّ الذراع الإعلامية لداعش تستخدم الطائرات بدون طيار لالتقاط صور جوية للعمليات الانتحارية. فنجد مقاطع مصورة تتبع السيارة منذ انطلاقها، وحتى إصابتها الهدف.

وترى بلوم أن التنظيم يستخدم تلك المقاطع المصورة للترويج لفكرة أنّهم ما زالوا أقوياء، وأنّهم قادرون على شن هجمات في الغرب باستخدام الطائرات.

يقول التقرير إنّ هجوم إسطنبول الدامي الذي وقع قبل أسابيع قليلة في ملهى ليلي، وأوقع 39 قتيلاً، قد نفذه مهاجم واحد تلقى تدريبًا جيدًا للغاية. إنّ هذا أحد أساليب تنظيم الدولة في تنفيذ الهجمات، فهو يشكل خلايا تبقى خاملة بانتظار الإذن بتنفيذ الهجوم. وتجدر الإشارة إلى أنّه قد عُثر بحوزة المنفذ على طائرتين بدون طيار، مع أنه لم يستخدمهما.

لا شك في أنّ تنظيم الدولة لن يستسلم حتى بعد هزيمته المحتومة في الموصل، ومن بعدها في الرقة بسوريا. يقتبس التقرير كلام كلاود مونيكوت –أحد الخبراء البلجيكيين في مجال مكافحة الإرهاب– إذ قال: «لا نعرف هيكلية تنظيم داعش بعد هزيمته. على الأرجح سيلجؤون إلى التخفي». كان التنظيم قد أعاد ترتيب صفوفه بعد هزيمته في 2007، وعاد أقوى مما كان.

وتؤكد مايا بلوم أنّ المنابر الإعلامية التابعة للتنظيم تمهد لهجوم عالمي يشمل «الهجوم والسيطرة»، مثلما يقول التنظيم. تستشهد دعايا التنظيم بمعركة كوباني، إذ جرى طرد التنظيم من المدينة، ولكن ماذا بقي في المدينة؟ لا شيء سوى الأطلال.

عبر التنظيم عن نواياه بتوسيع نطاق هجماته مع انحسار مساحة الأراضي التي يسيطر عليها كل يوم. لكن التقرير يرى أن نجاح استراتيجية الحرب الطويلة سيعتمد على قدرة التنظيم على إيجاد معقل جديد، في نيجيريا، أو مصر، أو ليبيا، أو أفغانستان، أو الفلبين.

لكن التنظيم لن يكتفي بذلك، «نحن عازمون بإذن الله على احتلال باريس قبل روما وإسبانيا، بعد أن نسوّد حياتكم، وندمر البيت الأبيض، وساعة بيج بين، وبرج إيفل. سنأخذ كابل وكراتشي والقوقاز وقم والرياض وطهران وبغداد ودمشق والقدس وصنعاء والقاهرة والدوحة وأبو ظبي وعمّان. سيعود المسلمون سادة العالم»، هكذا يروج التنظيم.

وفي سبيل ذلك، يسعى التنظيم إلى تجنيد المسلمين المحايدين؛ بل وحتى غير المسلمين في أوروبا وأمريكا. تقول بلوم إن التنظيم استغل وسم Black Lives Matter في منشوراته على تويتر. كما ساهمت خطابات وإجراءات الرئيس دونالد ترامب العنصرية ضد المسلمين في منح المصداقية لدعاية التنظيم.

ومثلما يشير برايان جنكينز من مؤسسة راند، فإنّ خطر التنظيم على أمريكا يتمثل في الإلهام أكثر من الاختراق. لكن أنشطته في أوروبا –لا سيما في تركيا– تظهر كيفية عمل التنظيم.

يشرح أحمد يايلا –الضابط التركي السابق في مكافحة الإرهاب والمحاضر في جامعة جورج ميسون في فيرجينيا– طريقة عمل التنظيم بالقول: «يعتمد التنظيم على العناصر المحلية قليلة الكفاءة في شن العمليات الانتحارية، أما الهجمات المعقدة التي تتطلب قدرًا عاليًا من المهارة القتالية، فيلجأ فيها إلى إدخال الجهاديين من الخارج، الذين يكونون خلايا نائمة بانتظار لحظة الهجوم، وهذا ما حدث في الهجوم على الملهى الليلي عشية رأس السنة الجديدة».

وفقًا ليايلا، دخل المنفذ مع أسرته إلى تركيا قبل عام، وعاش في هدوء في إحدى المدن النائية حتى قبل 10 أيام من الهجوم، إذ انتقل بعدها للعيش في شقة بإسطنبول، وتسلم الأسلحة من شبكة التنظيم السرية.

يقول التقرير إنّ الهجوم الأصلي كان يتضمن استهداف ميدان شهير في إسطنبول، لكن المهاجم طلب من رؤسائه تغيير المكان بسبب التواجد الكثيف لرجال الشرطة. فوقع الاختيار على الملهى الليلي، الذي لم يُضطر عند الهجوم عليه إلا لقتل شرطي وحيد يقف أمامه، قبل أن يقتل العشرات.

وهذا نفس المخطط الذي استُخدم في هجمات باريس –يقول كريستوفر– إذ جرى استخدام تشكيلة من المسلحين الذين يمتلكون قدرات قتالية عالية، وآخرين أُسندت لهم العمليات الانتحارية. ثم تحولت خلية الدعم في هجمات باريس إلى خلية التنفيذ في هجمات بروكسل في مارس (آذار) من العام الماضي.

أخطر ما في الأمر كان الهجمات الدامية التي شنها مسلحون لا علاقة لهم بالتنظيم. وفقًا لمسئولين أمريكيين وفرنسيين، فإن التونسي منفذ هجوم الدهس في نيس في فرنسا الذي أوقع 86 قتيلاً، وأصاب أكثر من 400 لم يتواصل مع تنظيم داعش، رغم تبني الأخير العملية.

وبذلك يتضح أنّ تنظيم داعش يمشي في مسارين: الأول هو العمليات المخطط لها، والثاني هو هجمات الذئاب المنفردة الذين لا علاقة لهم تنظيميًّا بداعش، ويعتمد التنظيم على هذين المسارين لإعادة إحياء مشروعه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد