759

بدأت سارة جوزيف الأستاذة في جامعة موناش الأسترالية، مقالها في موقع «الحوار» (The Conversation)، باستعراضها خبر انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من مجلس حقوق الإنسان، من خلال المؤتمر الصحفي الذي خرجت فيه سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة، نيكي هالي، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وذكرت الكاتبة أن هيلي وبوميو ادعوا أنّ المجلس أصبح عقبة في طريق حماية حقوق الإنسان، وتعتبر هذه الخطوة من إدارة ترامب مرتقبة ومتوقعة منذ فترة من الزمن.

ومن خلال هذا المقال تجيب سارة عن أسئلة تدور حول أسباب انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية وما إذا كان ذلك حماية لحقوق الإنسان العالمية فعلًا؟ وهل أستراليا بوصفها عضوًا في المجلس من سنة 2018 إلى 2020 عليها اتباع قرار الانسحاب؟

ما هو مجلس حقوق الإنسان؟

أُسس مجلس حقوق الإنسان سنة 2006، بديلًا عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والتي عملت منذ عام 1947 إلى 2006، في الفترة الأخير للمفوضية، وكان الانتقاد الرئيسي الموجه للمفوضية أن المؤسسة مسيّسة بشكل كبير.

يملك مجلس حقوق الإنسان 47 مقعدًا، مقسمين على الخمس أقاليم المعتمدة من الأمم المتحدة، أفريقيا (13)، آسيا (13)، أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (8)، غرب أوروبا والآخرين (8)، أوروبا الشرقيّة (6). وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ضمن مجموعة إقليم أوروبا الغربية والآخرين.

يتم انتخاب ثلث المجلس كل سنة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويخدم أعضاؤها لمدة ثلاث سنوات، كما أنه لا يمكن لأي عضو في المجلس الخدمة أكثر من دورتين متتاليتين. من الممكن إزالة أي عضو من المجلس في حال تصويت أكثر من ثلثي الجمعية العامة للأمم المتحدة.على سبيل المثال، في عام 2011، تم إخراج ليبيا من المجلس بعد سقوط معمر القذاقي في الربيع العربي من قبل المقاومة المسلحة، ولا يوجد دولة أخرى تم إخراجها من المجلس بعد ذلك.

يعقد المجلس ثلاثة اجتماعات سنويًا، بمعدل 10 أسابيع كفترة زمنية، والشهر الجاري هو انطلاقة الاجتماع الثامن والثلاثين، وفي حال رغبة ثلث أعضاء المجلس من الممكن أن تعقد جلسات خاصة لمدة يوم كامل خلال كل اجتماع، وحتى الآن تم انعقاد 28 جلسة خاصة.

أحد اجتماعات مجلس حقوق الإنسان – مصدر الصورة

تعتبر وظيفة المجلس الأساسية هي صياغة وتبني معايير جديدة لحقوق الإنسان، ومما عمل عليه المجلس في سنواته الأولى تبني معاهدات إنسانية تخص حقوق ذوي الإعاقة، والعمل على مشكلة الإخفاء القسري، والإعلان عن تبنيه قانون حقوق السكان الأصليين عام 2007.

وذكرت الكاتبة أن شكوى الولايات المتحدة الأمريكية ضد المجلس تقوم على عضوية بعض الدول، فيما يخص سجلاتهم الحقوقية الإنسانية، وأنظمتها السياسية، وذكرت هيلي في مؤتمرها الصحفي أنّ المجلس يهاجم دولة إسرائيل بطريقة غير معقولة ومتحيزة.

عضوية مجلس حقوق الإنسان

تعتبر معايير عضوية مجلس حقوق الإنسان مرنة للغاية، وصعبة القياس، فعلى الدول الراغبة بالانضمام، الالتزام «بمبادئ حقوق الإنسان»، وعلى الدول الأخذ بعين الاعتبار سجل حقوق الإنسان لمرشحهم عند التصويت.

وتذكر الكاتبة أنه لم يتمكن أعضاء الأمم المتحدة وعددهم 200 عضو من الاتفاق على مبادئ حقوق الإنسان، ووضعها وفق معايير موضوعية، فلكل عضو رأيه ونظرته على ما تعنيه حقوق الإنسان. على سبيل المثال، تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية أنّ من شروط قبول عضوية المجلس، هي وجود نظام سياسي ديمقراطي في الدولة المرشحة، وولد هذا نقاشًا آخر حول معنى الديمقراطية، فالولايات المتحدة تضع الأولوية للحقوق المدنية والسياسية في نظامها الديمقراطي، ولكن على ما يبدو أنها تستثني الحقوق الاقتصادية والثقافية، مما أدى إلى استثنائها من النقاش حول الأسس الديمقراطية.

أعربا هيلي وبومبيو في مؤتمرهم الصحفي، عن استيائهم لوجود أعضاء في المجلس، كالصين وكوبا وفنزويلا والكونجو، بوصفهم دولًا تنتهك حقوق الإنسان. كما شمل الاستهجان وجود دول كالسعودية وروسيا في المجلس. وحاليًا، لا يوجد دولة من هذه الدول تحقق المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. كما أضافا أنّ هذه الدول تؤثر على قرارات المجلس بشكل كبير وتستهدف دولًا بريئة.

احتجاجات ضد عضوية الصين في مجلس حقوق الإنسان – مصدر الصورة

تتساءل الكاتبة في مقالها عن مدى سوء آليات عضوية مجلس حقوق الإنسان؟ وتذكر أنّ مؤسسة «فريدوم هاوس» تصنف الدول إلى ثلاثة تصنيفات رئيسية، الدول الحرة، والدول الحرة جزئيًا، والدول غير الحرّة، ويقوم التصنيف على المعايير المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، ومنها حرية الصحافة، وبما أنّ منهجية المؤسسة في التصنيف قابلة للنقد، استخدمت الكاتبة تصنيفاته لتقييم الوضع الحالي لأعضاء مجلس حقوق الإنسان، وذكرت أنّ أمريكا استخدمت تاريخيًا هذه التصنفيات لفرض سياسات معينّة، ووفقًا لتصنيفات عام 2018، يشمل مجلس حقوق الإنسان 21 دولة حرة، و12 دولة حرة جزئيًا، و14 دولة غير حرّة.

ظاهرة الألواح النظيفة

تستنكر الكاتبة بسؤالٍ عن كيفية انتخاب الدول التي لا تتمتع بالحرية لعضوية المجلس!

وتسهب الكاتبة في أنّ المشكلة الكبيرة التي توجد في الهيكلية الانتخابية لعضوية مجلس حقوق الإنسان هي ظاهرة «الألواح النظيفة»، وسببها ترابط عدد مرشحي الأقاليم الممثلين عن الأمم المتحدة مع عدد المقاعد المطروحة للانتخاب في أي وقت. على سبيل المثال، قد يطرح أحد الأقاليم، مقعدين لمرشحين اثنين، وبهذه الطريقة يتم انتخاب المرشحين بطريقة مفروضة على المجلس. تعتبر مشكلة الألواح النظيفة ناتجة عن التقسيم الإقليمي  المُتبع من قبل الأمم المتحدة.

«الأمم المتحدة».. أيقونة حقوق الإنسان الغائبة عن العمل

تحدث عملية الانتخاب الحقيقية عندما يتم عرض الألواح النظيفة من قبل الأقاليم نفسها، وهكذا تم رفض عضوية روسيا عام 2016، باعتبارها حالة غير مسبوقة لروسيا مما أدى إلى إخفاقها للترشح عام 2017، كما تم رفض عضوية دول كأذربيجان، وسريلانكا، وروسيا البيضاء بهذه الطريقة.

ومن الصحيح أنه يتم انتخاب الدول بناءً على التوزيع الإقليمي، ولكن كل عضو في المجلس عليه أن يحظى بأغلبية أصوات الجمعية العامة، وتبقى احتمالية واحدة لعدم الانضمام، وهي إذا لم يبلغ المرشح الحد الأدنى من الأصوات، حتى في حالة الألواح النظيفة، وهذا ما حدث في عام 2011 عندما تم استبدال سوريا بالكويت.

ويبدو أنّ المحرك الأساسي للدول هي المصالح المشتركة لعملية التصويت على القرارات، فالتصويت يتم بشكل سري وغير معلن، كما تصوت أمريكا وأستراليا لصالح المملكة العربية السعودية بناءً على المصالح الجيوسياسية وليس بناءً على المبادئ الديمقراطية.

تسييس مجلس حقوق الإنسان

يعتبر تسييس مجلس حقوق الإنسان، ناتجًا عن أنّ أعضاء المجلس ممثلين لحكوماتهم. وللأسف، ففي حال تصادم المصالح القومية مع مصالح حقوق الإنسان، ترجح الدول مصالحها في عملية التصويت، وأكدّ ذلك بومبيو في خطابه اليوم عندما ذكر أنّ هيلي تضع دائمًا مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الأولويات.

يؤدي تسييس المجلس دائمًا إلى ظهور التحيّز السياسي، ويبدو أن مشكلة أمريكا الكبرى هي انحياز المجلس ضد دولة إسرائيل، والذي كان سببًا رئيسيًا لانسحابها من المجلس.

إسرائيل ومجلس حقوق الإنسان

ينحاز مجلس حقوق الإنسان ضد إسرائيل بتشريع الكثير من القرارات -بحسب الكاتبة- ففي العادة تناقش أجندة المجلس 10 مواد بما فيهم قضية واحدة تركز على دولة محددة، وهذه الدولة عادة ما تكون إسرائيل.

وتشرح الكاتبة أن سبب هذا التحيز هو الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وعدم التزامها بمبادئ حقوق الإنسان والتي كانت سببًا في إدانة المجلس لإسرائيل، ومن المضحك أن بومبيو ذكر أن إسرائيل لم ترتكب أي جريمة بحق الإنسانية.

ينتقد كثيرون الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين، من قتل المتظاهرين على الحدود، والتهجير القسري، وإنشاء المستوطنات غير القانونية، وحصار قطاع غزة، واحتلال فلسطين بشكل رئيسي المستمر منذ أكثر من 50 عامًا، ويحاول دائمًا أنصار دولة إسرائيل المتعصبون، اتهام المجلس بأنه معادٍ للسامية -تشرح الكاتبة- بينما معادلة أن تكون ضد إسرائيل بأنك معادٍ للسامية هو تسطيح للأمور.

100 عام من المفاوضات.. كيف استطاعت إسرائيل أن تهزم العرب من خلال التفاوض

تملك إسرائيل أعداءً كثر بين دول وأعضاء الأمم المتحدة، منهم من لا يقبل بحق وجود إسرائيل، ويؤمن بعدم شرعيّة إسرائيل بسبب احتلاها لأرض عربية فلسطينية.

وتستدرك الكاتبة؛ إن منظمة التعاون الإسلامية تأسست عام 1969؛ لتوحيد الدول المسلمة بعد حرب ـ1967 التي استولت فيها إسرائيل على الأراضي المحتلة، وبالتالي تعتبر معارضة إسرائيل مسألة اعتقاد من البداية، وتقوم منظمة التعاون الإسلامية بضغوطات دبلوماسية ضد إسرائيل، وبما أن دول منظمة التعاون تشكل المجموعتين الأكبر من مجاميع الأمم المتحدة، أفريقيا وآسيا، فيمكنهم الاعتماد على عددهم الكبير لدعم المبادرات الموجهة ضد إسرائيل.

تؤكد الكاتبة أن العنصر العرقي عنصرًا مهمًا في شد انتباه دول المجلس المتقدمة، وأنّ دولة إسرائيل اليهودية تحتل أراضي يسكنها العرب بشكلٍ غير قانوني، ولكن قضايا التوتر العرقي كقضية اضطهاد التبتيين، والأكراد، وسكان غرب بابوا، والتاميل أو الشيشان لا يتم التركيز عليها من قبل المجلس بشكل كبير، تُفرق الكاتبة بين النموذجين في مفهوم سيادة الدولة، فبعض الدول لا تعتبر إسرائيل لها شرعيّة السيادة على أرض فلسطين، بينما تملك الصين السيادة على أرض التيبت، وإندونيسيا تملك السيادة على غرب بابوا.

وبسبب أنّ عددًا من الدول تعترف دبلوماسيًا بالأراضي المحتلة على أنها دولة فلسطين، فقد صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 على الاعتراف بفلسطين باعتبارها دولة مشاهدة ولكن لا تملك عضوية المجلس.

تُعطي فكرة الاحتلال الأمان النفسي لبعض الدول لمهاجمة إسرائيل، بسبب ندرة الحالة في ملفات انتهاكات حقوق الإنسان، وتُرى إسرائيل أحيانًا أنها أداة استعمارية، ومن المؤكد أن جرائم إسرائيل تنتهك حق تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وتستهجن الكاتبة بذكرها أنّ إسرائيل ليست الدولة المحتلة الوحيدة، فالمغرب تحتل الصحراء الغربية منذ مدة، ولكنّ يعم صمت عالمي على هذه القضية.

على الرغم من أن إسرائيل يتم الدفاع عنها دائمًا عادة من قبل دول مجموعة غرب أوروبا والآخرين، كأمريكا التي تبرر قتل إسرائيل للمتظاهرين على حدودها بأنه دفاعٌ عن النفس، إلا أن دولًا ككوبا، وفنزويلا، والإكوادور وروسيا ترى إسرائيل ممثلة أمريكا في منطقة الشرق الأوسط، وتتعامل مع القضية على هذا الأساس.

تستنتج الكاتبة أنّ انحياز المجلس ضد إسرائيل، يمنح إسرائيل الحجة الجاهزة لرفض أي إدانة من قبل المجلس، وبالتالي تبرر من خلال هذا الانحياز الانتهاكات التي ترتكبها ضد حقوق الإنسان، كما أدى ذلك إلى خيبة أمل إسرائيل بالأمم المتحدة، والتي أدت إلى انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من المجلس، وكل ما يحدث ضار بمصداقية المجلس وأثره الحقيقي بمساندة حقوق الإنسان في العالم، ويشغل تركيز المجلس على إسرائيل غياب التركيز على قضايا إنسانية أخرى مهمشة، ومن الطبيعي أنّ الموازنة بين القضايا الإنسانية في العالم صعبة المنال.

لقاء نيكي هالي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيايمين نتنايهو في مكتبه في القدس- مصدر الصورة

أمريكا وحقوق الإنسان

ذكرت هيلي وبومبيو أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستمر بالعطاء والعمل على حقوق الإنسان، حتى مع انسحابها من مجلس حقوق الإنسان. وتمدح الكاتبة دور أمريكا في المجلس بوصفه أنّه دورٌ إيجابي، وذلك لعملها على معالجة  قضية الحصانة في سريلانكا، ولكنّ تعتبر أمريكا لاعبًا سياسيًا كغيرها من اللاعبين في المجلس، فأمريكا تدعم دولة البحرين على الرغم من معادتها لدولة إسرائيل.

وتسهب الكاتبة قائلة أنّه على الرغم من دور أمريكا الجاد والإيجابي من أجل حقوق الإنسان، إلا أنه يوجد داخل أمريكا انتهاكات لحقوق الإنسان، مثل قضايا التعذيب ووجود أعلى نسبة سجن في العالم.

هل يمكن إنقاذ المجلس؟

تعتبر ملاحظة أمريكا عن أوجه القصور الرئيسية في مجلس حقوق الإنسان صحيحة، فالمجلس هو أكبر المنظمات الحكومية الدولية لحقوق الإنسان، والتي قد تمثل العالم في قضايا حقوق الإنسان اليوم، ومن غير الممكن حماية حقوق الإنسان بمنطق «نحن وهم»، المنطق الذي يستثني الكثير من الدول المهمة في العالم للمساهمة في الحفاظ على هذه الحقوق.

وتختتم الكاتبة مقالها بالتركيز على أهمية بقاء المجلس باعتباره مساحة للقاء الدول المختلفة، وهيئات المجتمع المدني؛ للتحاور حول القضايا الإنسانية العالمية، وكل ما ذكر في التقرير، لا يعني أنّ المجلس لا يقدم فوائد حقيقية في مصلحة حقوق الإنسان، فمثلًا تم تعيين مقرر خاص للتحقيق في الشؤون الداخلية لإيران، بعد ضغطٍ من الولايات المتحدة الأمريكية.

وذكرت أنه سيبقى مجلس حقوق الإنسان منظمة غير مكتملة طالما أن الأمم المتحدة تحتوي على دول أعضاء يملكون سجلات حقوق إنسان ناقصة، ولكن من الممكن تطوير وتحسين المجلس، وأنّ أسوء وسيلة لتحقيق الهدف هو الهروب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك