لطالما حُرم الأكراد السوريون من حقوقهم وهمشوا، ولم يتمكن الآلاف منهم من الحصول على الجنسية السورية. حتى أن دمشق ذهبت إلى حد إنكار وجودهم.

قال بول إيدون في مقال له على موقع «لوب لوج»: «إن أكراد سوريا سيمثلون مشكلة كبرى لنظام بشار الأسد في المستقبل بعد شهر العسل القصير الذي دام بين الجانبين».

وأوضح إيدون أن الأكراد في سوريا يتفاوضون حاليًا مع النظام السوري في دمشق بغية الحصول على حكم ذاتي وإصلاحات ديمقراطية في سوريا. وعلى الرغم من أن تحقيق هذا مستبعد، فإنه من غير المرجح أن يعيدهم الرئيس السوري مرة أخرى إلى ما كانوا عليه قبل الحرب.

وقف الأكراد السوريون على الحياد من الانتفاضة ضد الأسد – يشير إيدون – وهو أحد الأسباب التي تجعل من غير الواضح ما إذا كان الأسد سيتعامل معهم بالقوة الوحشية مباشرة أم لا، كما فعل مع الجماعات الأخرى في جميع أنحاء البلاد. كان الأكراد قد انتفضوا ضد النظام في مارس (آذار) 2004، بعد أن تحولت مباراة كرة القدم في القامشلي إلى أعمال عنف، وأرسل الأسد الدبابات والمروحيات لقمعها.

لطالما حُرم الأكراد السوريون من حقوقهم وهمشوا، ولم يتمكن الآلاف منهم من الحصول على الجنسية السورية. حتى أن دمشق ذهبت إلى حد إنكار وجودهم. وبعد ست سنوات من الحكم الذاتي الواقعي – حيث ضحى الشباب الأكراد، ذكورًا وإناثًا، بأنفسهم للتصدي لـ«تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)» – من الواضح أن وضعهم قد ترسخ بشكل من المستحيل تغييره.

كان مايكل جونتر قد ألف كتابًا حول الأكراد السوريين عام 2014 بعنوان «من العدم» في إشارة إلى حقيقة أن الأكراد السوريين كانوا خارج الأضواء قبل الصراع السوري. وتعتبر التجربة التاريخية لنظرائهم الأكراد العراقيين سابقة مفيدة من عدة نواحٍ.

ويؤكد إيدون أن الغرب لم يكن يعرف الكثير عن الأكراد، على الرغم من أن الأكراد العراقيين خاضوا حربًا استمرت تسع سنوات ضد بغداد من أجل الحكم الذاتي خلال الستينات. وحتى عندما شاركت إدارة نيكسون في برنامج سري مع شاه إيران وإسرائيل لدعم الأكراد ضد بغداد في منتصف السبعينات، لم يكن لدى الإدارة سوى القليل من الفهم حول من هم الأكراد. كما اعترف وزير الخارجية هنري كيسنجر فيما بعد.
«لم نكن نعرف الكثير عن الأكراد – اعتقدنا أنهم كانوا نوعًا من القبائل البدوية».

وفي الثمانينات، عندما قتلت بغداد أكثر من 180 ألف كردي في حملة «الأنفال»، وقيام صدام حسين بقتل 5 آلاف كردي في يوم واحد بعد قصفه بلدة حلبجة بالغازات السامة، كان لا يزال من الصعب على الأكراد كسب الاهتمام والدعم الدولي.

ينقل إيدون عن نجم الدين كريم، الحاكم الكردي السابق لكركوك، حديثه عن مدى صعوبة جذب انتباه الكونجرس الأمريكي في ذلك الوقت؛ لأنه في «تلك السنوات لم يكن أحد يعرف الأكراد»، على النقيض من ذلك الآن؛ حيث بات «الأكراد معروفين في جميع أنحاء العالم بشجاعتهم، والفظائع التي ارتكبت ضدهم».

بعد هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991 – يكشف إيدون – ركز صدام جهوده على إخضاع الثورات الشيعية والكردية. بثت وكالات الأنباء الغربية صورًا للاجئين الأكراد الذين فروا من قصف طائرات هليكوبتر تابعة لصدام حسين؛ مما وضع ضغوطًا علنية على الولايات المتحدة لحمايتهم من المزيد من المذابح. لذا تم إنشاء منطقة حظر جوي، وأقيم حكم ذاتي كردي في المنطقة.

وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا

قال صدام حسين للزعيم الكردي جلال طالباني في ذلك الوقت: «أنتم مناضلون شجعان. كنا نظن أننا سحقناكم، وأنكم لن تعودوا أبدًا، والآن أنتم تسيطرون على الأرض. أنا الآن أقر بحقوقكم».

بعد غزو العراق في عام 2003 – ينوه إيدون – أصبحت كردستان العراق منطقةً قانونيةً، ومعترفًا بها ذاتيًا داخل العراق الفيدرالي الجديد، ولكن في أواخر عام 2017، بعد أن صوت الأكراد العراقيون بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال في استفتاء، سعت بغداد إلى تقليص الحكم الذاتي للمنطقة عن طريق إغلاق مجالها الجوي والاستيلاء على معظم الأراضي المتنازع عليها مع المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي، وأبرزها كركوك.

وعلى الرغم من ذلك، استمر الحكم الذاتي الكردي وعادت العلاقات إلى طبيعتها؛ فقد زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي كردستان في وقت سابق من هذا العام – وهو أول رئيس وزراء عراقي يقوم بذلك – ولكن تم تجاهله إلى حد كبير، ورفض برنامجه الذي دعا إلى حل الحكم الذاتي الكردي والعودة إلى الحكم المباشر من بغداد.

من الواضح أنه بعد 28 سنة من الحكم الذاتي الفعلي منذ عام 1991، فإن الأكراد العراقيين لن يتخلوا ببساطة عن كل ما حققوه بعد أجيال من النضال بدون قتال.

أما الأكراد السوريون فوضعهم مختلف – يستدرك إيدون – فليس لهم كيان معترف به في البلاد. ومن المرجح أن يقدم الأكراد السوريون بعض التنازلات للاحتفاظ بما حققوه خلال السنوات الست الماضية، لكنهم بالتأكيد لن يعطوا كل شيء، ويعودوا تحت حكم دمشق مرة أخرى، دون خوض معركة دامية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد