مع كل هزيمة لقوات المعارضة السورية، يتصاعد الحديث عن قرب انتهاء الحرب في سوريا. وبانحسار قوات المعارضة في الشمال السوري الخاضع للسيطرة التركية، بدا كما لو أن الأمر قد حسم لصالح بشار الأسد.

لكن تشارلز ليستر، الزميل الزائر السابق بمركز بروكينجز الدوحة، يحاول في هذا المقال، الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أن يطرح أن نظام بشار الأسد لم يفز بأي شيء في تلك الحرب، وأن الخراب الذي طال سوريا سيحتاج إلى عقود لإصلاحه.

حين يدور النقاش عن سوريا هذه الأيام، يشيع على نحو متزايد أن تسمع عبارة أن «الأسد قد فاز»، أو «الحرب توشك على الانتهاء». والباعث على ذلك مفهوم، إذ إن ما يقرب من ثلثي سوريا يقع الآن تحت سيطرة نظام بشار الأسد. ومنذ التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر (أيلول) عام 2015، لم تحقق المعارضة انتصارًا كبيرًا واحدًا، وخسرت الغالبية العظمى من المناطق التي كانت خاضعةً لها.

وفي الوقت نفسه، لاقت مناطق الخلافة التابعة لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، في شرقي سوريا، الهزيمة في آخر معاقلها في قرية الباغوز في أواخر مارس (آذار) الماضي. ومن ثم يرى ليستر أن موضوع سوريا قد أصبح إلى حد كبير محددًا في المقام الأول بمناقشات في قضايا مثل عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، وحول ما إذا كان ينبغي تخفيف العقوبات، ومسألة عودة العلاقات مع نظام بشار الأسد.

يقول ليستر: إنه «بالنسبة للذين اتخذوا موقف الدفاع عن النظام منذ وقت طويل، كانت تلك لحظةً للاحتفال وتنفس الصعداء، بالإضافة إلى تكثيف الدعوات للعالم لتقبل هذا الوضع الجديد، ورفع العقوبات، وتقديم العون لسوريا في إعادة البناء، ودعم استرجاع السيادة في جميع أنحاء البلاد».

لا يعتبر ليستر هذه الدعوات جديدة، لكنه يراها تكتسب شيئًا فشيئًا بعض التأييد بين بعض المراقبين وصناع السياسات من ذوي التأثير. فعلى سبيل المثال، يذكر ليستر أن مركز كارتر – الذي أسسه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر – شارك في استضافة ندوة في أبريل (نيسان) الماضي في لندن، جرت فيها مناقشة قضايا مثل «استعادة السيادة على الأراضي السورية»، و«كيفية تأمين إخراج القوات المسلحة التي تعمل في سوريا دون موافقة الحكومة السورية».

Embed from Getty Images

وكان راعي استضافة هذه الفعالية هو «الجمعية البريطانية السورية»، إحدى المجموعات الموالية للنظام، أسسها والد زوجة بشار الأسد، فواز الأخرس، وهو رجل كان يقدم المشورة للأسد في 2012 حول كيفية دحض أدلة المدنيين بخصوص تعرضهم للتعذيب، حسبما ذكر ليستر. وكذلك تصادف أن يكون المدير التنفيذي الحالي للجمعية هو شقيق الرئيس المزعوم لتطوير الأسلحة الكيماوية في سوريا.

غير أن ليستر يعتقد أن ثمة إشكالية رئيسة: وهي أن نظام بشار الأسد لم «يفز» بأي شيء. وغاية الأمر أنه نجا، وبالكاد، على حساب دماء السوريين وترويعهم؛ بيد أن الاستقرار ما يزال بعيد المنال. إذ يبدو آخر معاقل المعارضة شمال غربي البلاد عصيًا على النظام. وفي مناطق أخرى من البلاد، هناك إشارات عديدة تخبرنا أن تحقيق الاستقرار فيها مستقبلًا أمر صعب. وصحيح أن سوريا لم تعد تشهد حربًا أهلية مفتوحة في أراضيها، لكن الأزمة السياسية في البلاد آخذة في التفاقم.

وعلاوة على ذلك، يرى ليستر أن الأسباب التي أدت في الأصل إلى اندلاع الانتفاضة في 2011 لا تزال راسخة في مكانها، بل وازداد معظمها سوءًا اليوم. وحتى في المناطق التي دائمًا كانت تحت سيطرة النظام ويسكنها أشد المدافعين عنه حماسة، تطرح الحياة اليوم مزيدًا من التحديات عما كان عليه الوضع خلال أقسى أيام النزاع.

ومن ثم، يشير المقال إلى أن أي نقاش صادق حول سوريا ينبغي أن يقر بمدى عدم استقرار الوضع فيها، وكيف أن مجرد بقاء النظام يشكل مصدرًا مستمرًا للفوضى وعدم الاستقرار والصراع لسنوات عديدة مقبلة.

إدلب: معركة بشار الأسد بدون إيران

ينتقل ليستر إلى إدلب، آخر منطقة بقيت في يد المعارضة في سوريا، وتقع في الشمال الغربي، وتشكل ما يقارب على 4% من أراضي البلاد، ويقطنها ثلاثة ملايين مدني، نصفهم تقريبًا ممن نزحوا عن ديارهم. يقول ليستر إنه يوجد في إدلب، حسب تقديره، قرابة 60 ألف مقاتل مسلح عازمين على مواصلة قتالهم مع النظام وأتباعه. نحو نصف هذا العدد من المقاتلين يدينون بولائهم لفصائل من التيار العام للمعارضة بأطيافها الواسعة، وينتمي النصف الآخر إلى مجموعات جهادية، يعود ولاء بعضها لتنظيم القاعدة.

يشير ليستر إلى أنه على مدار الشهرين الماضيين، كانت تلك المنطقة الصغيرة من الأراضي هدفًا لهجوم واسع النطاق شنته قوات برية وجوية موالية للنظام. إذ مهدت حملة مدفعية وجوية عقابية الطريق لهجمات برية من قبل وحدات النخبة الأشد ولاءً لنظام بشار الأسد، بما في ذلك قوات النمر سيئة السمعة، والحرس الجمهوري والفرقة الرابعة.

ومع ذلك، فإن النظام، بعد ما يزيد على عشرة أسابيع، لم يتمكن من استعادة سوى 1% من الأراضي، مقابل فقدانه مئات من الجنود وعشرات من الدبابات والعربات المدرعة، وعدد من الطائرات. في حين أدى الهجوم إلى مقتل 400 مدني، وتشريد نحو 330 ألف مدني، امتلأت بهم مخيمات النازحين داخليًا، وباتت بساتين الزيتون مساكن لأعداد كبيرة من العائلات الهاربة من القصف الجوي والمدفعي العشوائي.

يرى المقال أن ليس ثمة دليل أجلى من الأحداث الجارية في إدلب للتأكيد على أن نظام بشار الأسد تعوزه القوة البشرية لاستعادة السلطة فضلًا عن الحفاظ على سيطرته على بقية البلاد. وقد كان السبب الرئيس هنا، بحسب المقال، هو رفض إيران حشد الميليشيات التابعة لها في المعركة الدائرة في إدلب، بحجة أن الشمال الغربي ليس بتلك الأهمية الإستراتيجية لمصالحها في سوريا.

لم تكن قيمة إيران للأسد – ولروسيا – أوضح مما هي عليه الآن. ويرى ليسر أن هذا الأمر بحد ذاته ينبغي أن يثير تساؤلات جدية حول موثوقية أي مطالبة برحيل كامل القوات الإيرانية أو القوات الموالية لها عن سوريا، كتلك التي تواصل إدارة ترامب طرحها كشرط مسبق لإجراء محادثات جدية.

يقول ليستر إنه على الرغم من أن بشار الأسد لا يزال يحافظ على هدفه المتمثل في استعادة كل شبر من سوريا، فإن تلك الـ4% من الأراضي تبدو وحدها تحديًا يتجاوز قبضة النظام. والحق أنه، بعد هجوم مفاجئ في اللاذقية خلال الأيام الأخيرة، بدأت تظهر إشارات تكشف ربما تراجع نظام بشار الأسد، من خلال تقليص قواته على الجبهات الأمامية.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها.. 4 ملفات تتصارع حولها روسيا وإيران في سوريا

وإذا استمرت تركيا في دعم وكلائها بالأسلحة الثقيلة، فقد نشهد تحول إدلب إلى وضع يشبه غزةً جديدة، توجد المنطقة فيه تحت حصار فعلي، وتركن فيه إلى حكم متطرف، وفقًا للمقال. والحال أن هيئة تحرير الشام، التابعة سابقًا للقاعدة، تنزع إلى ذلك بالتحديد، إذ طرحت أن تصبح ما يسمى بحكومتها للإنقاذ هي سلطة الأمر الواقع الحاكمة في المنطقة. وهذا السيناريو أبعد من أن يصب في مصلحة أي طرف آخر، لا سيما مصلحة 3 ملايين من المدنيين الذين يعيشون في تلك المنطقة.

ويضيف ليستر أنه إذا استمر الوضع الفوضوي العنيف القائم في المنطقة، فثمة فصائل أخرى تابعة للقاعدة أيضًا ستنتفع منه: فصائل مثل تنظيم حراس الدين الذي عاد إلى نموذج الطليعة العسكرية للجهاد الذي أنشأه أسامة بن لادن. ورغم ادعاء هذه الجماعات أنها تقتصر على القتال العسكري في الشمال الغربي السوري، يقول ليستر إن مصادر موثوقة أخبرته أنها ترمي مرة أخرى بإحدى عينيها إلى «العدو البعيد»: الغرب.

وأبلغته ثلاث شخصيات إسلامية مختلفة ترتكز جميعها في إدلب بشكل منفصل منذ منتصف 2018، أن ثمة نقاشات عامة تجري في تجمعات غير رسمية لدوائر إسلامية وجهادية، شدد فيها موالون للقاعدة على أهمية استخدام إدلب محطةً لتنفيذ عمليات خارجية. وقيل له إن مثل تلك المناقشات لم تجر قط في تجمعات عامة طيلة الثماني سنوات من الصراع في سوريا، وإن شعور الموالين المتشددين للقاعدة بالثقة الكافية للتحدث بتلك الطريقة حري بأن يكون مصدر قلق عميق.

غير أن ليستر يرى أن الحل لمواجهة مثل هذه التهديدات ينبغي ألا يكون قصفًا على نمط الأرض المحروقة «الأسدي»، إذ يعتقد أن هذا سوف يزيد هذا التهديد خطرًا ويصعب عملية ضبطه. إن حقيقة أن الولايات المتحدة قد نفذت في 30 يونيو (حزيران) الماضي، أول ضربة عسكرية لها ضد هدف تابع للقاعدة في شمال غرب سوريا منذ أكثر من عامين – رغم الحظر الجوي الذي فرضته روسيا على الوصول إلى المنطقة – يؤكد، وفقًا للمقال، مدى جدية التهديد الإرهابي المتنامي في تلك المنطقة.

تنظيم «داعش» باقٍ.. لكنه لا يتمدد

يفصل المقال في ما يتعلق بوضع تنظيم (داعش) ليقول إنه على الرغم من أن التنظيم قد خسر حقًا قاعدته الإقليمية – التي كانت يومًا ما بحجم المملكة المتحدة، وتمتد بلا انقطاع خلال أجزاء من سوريا والعراق – فقد تمكن من الحفاظ على معدل عال من العمليات بشكل يثير القلق في شرقي سوريا في الشهور الأخيرة. وتشير تقارير منتشرة مفتوحة المصدر إلى وقوع ما يزيد على 370 هجمة في شرق سوريا منذ مارس الماضي، ومعظمها يعزى إلى تنظيم الدولة الإسلامية وخلاياه النائمة.

ومع إصرار الولايات المتحدة الآن أيضًا على البقاء في سوريا، رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب في البداية الانسحاب الكامل من سوريا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فإن ذلك البقاء سيكون في شكل عدد متناقص من القوات. إذ سيصل عدد القوات اليوم، وفقًا للخطط التي وردت، عند عدد لا يتجاوز الألف جندي، و400 جندي بحلول خريف عام 2020.

ووافقت كل من المملكة المتحدة وفرنسا على زيادة ضئيلة لقواتها (نحو 10 إلى 15٪ من النسبة الحالية لكل منهما)، وتعهدت عدد من دول البلقان ودول البلطيق بإرسال عدد قليل من الجنود؛ ما قد يرفع إجمالي مساهمة القوات غير الأمريكية إلى نحو 600 جندي.

إلا أن ليستر يشير إلى أنه رغم إقرار وجود 400 جندي بحلول الخريف المقبل، فإن تلك الأعداد لا تكاد تقترب من القوة الكافية لردع تنظيم (داعش)، أو تدريب القوات الحليفة للغرب مثل قوات سوريا الديمقراطية الآخذة في التوسع، أو لمنع التهديدات من جهة سوريا ورسيا وإيران وتركيا، فضلًا عن إقناع القبائل العربية المتقلبة بالبقاء مخلصةً للقيادات الكردية لقوات سوريا الديمقراطية.

Embed from Getty Images

والأسوأ من ذلك، بحسب المقال، أنه من الصعب تصور أن يكون ذلك العدد كافيًا لتهدئة شكوك ترامب العميقة في ما يخص دعم تلك المهمة. وير ليستر أنه من العسير، تبعًا لذلك، أن نفترض استدامةً في الإستراتيجية الأمريكية الحالية في معقل (داعش) السابق شرق الفرات.

في حين أن تنظيم (داعش)، وفقًا للمقال، لا يقوم بعملياته شرق الفرات فحسب، فإنه يحتفظ بمجموعات قتالية أكثر قوة إلى الغرب من النهر، في مقاطعات يسيطر عليها نظام بشار الأسد، غير أنه تخلى عن أولويتها أمنيًا منذ انطلاق عملياته في إدلب قبل شهرين. والواقع أنه قبل شن هجوم إدلب بفترة وجيزة، شهدت منطقة بادية الشام الصحراوية فك الحصار عن كتيبتين كاملتين من جيش النظام السوري بعد فرضه لأيام من قبل مقاتلي (داعش).

ودأب التنظيم على ترويع قوات النظام السوري والميليشيات المتحالفة معها في جميع أنحاء البادية لعدة أسابيع، ووردت أنباء عن اجتماع أزمة عقد في المنطقة، بعد عملية فك الحصار، لمناقشة التهديدات التي يمثلها التنظيم. وتشير تقارير إلى أنهم قد قرروا أن يحاولوا ضبط المجموعة واحتوائها، بدلًا من مهاجمتها، الأمر الذي يعتبره المقال اتهامًا صريحًا لأولويات بشار الأسد في مكافحة الإرهاب.

يعود ليستر ليقول إنه بعد رفض إيران وحزب الله المشاركة في عمليات إدلب، يبدو أنهما قد وسعا من تواجدهما في منطقة البادية الوسطى. لكن تلك العمليات العسكرية الإيرانية، وفقًا له، تأتي ومعها أهداف غير عسكرية أيضًا، بما فيها من نشر التعاليم الإسلامية الشيعية، وحملات التجنيد لصالح الميليشيات الشيعية، بالإضافة إلى إقامة معاهد وجمعيات دينية وثقافية شيعية. ومن الصعب ألا ترى كيف أن تلك الأنشطة الشيعية، في المناطق المحافظة في سوريا، تشكل فرصة سانحة للدولة الإسلامية لإعادة التجنيد في المقابل.

مصالحات بشار الأسد المهترئة

يعود المقال بعد ذلك إلى الحديث عن اتفاقات أستانا 2017، ليشير إلى أن المعارضة السورية كانت تسيطر على ثلاث مناطق أخرى، بالإضافة إلى إدلب، تشمل: أراضي في جنوبي وجنوب غربي سوريا، وفي منطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق، وفي ريف حمص. وقد صنفت روسيا وإيران وتركيا تلك المناطق الأربعة مناطق خفض للتصعيد في اجتماع عقد في أستانا في منتصف عام 2017، وكان هدفهم نظريًا هو الحد من الصراع في سوريا.

غير أن الواقع أن خطة خفض التصعيد كانت مبادرة روسية، يصفها المقال بـ«الخبيثة»، لحل مشكلة العجز في القوى العاملة لنظام بشار الأسد، سامحةً له بالقتال والاستيلاء على جبهة واحدة في كل هجوم، بدءًا من الغوطة الشرقية بين فبراير وأبريل من عام 2018، ثم في ريف حمص بين أبريل ومايو (أيار)، وأخيرًا جنوبي سوريا ما بين يونيو (حزيران) ويوليو (تموز).

إلا أن تلك المناطق كانت تقع، في نهاية الأمر، تحت رعاية ما يعرف باتفاقات المصالحة، ومن ثم عرض على السكان فرصة البقاء في أماكنهم، شريطة تصالحهم مع نظام بشار الأسد وإعلانهم الخضوع له. ودمجت المجموعات المسلحة المتصالحة في هياكل اسمية داخل جيش النظام، على أن تبقى في مناطقها المحلية وتحت الوصاية الروسية.

يقول ليستر: إن حاصل الأمر كان أن جلبت عودة النظام معها زيادةً في قمع الدولة، والتجنيد القسري، وافتقارًا إلى الخدمات، وفي بعض الحالات، أدت إلى تقطع سبل السكان المحليين وسط التنافس بين الجهات الأمنية المحلية المدعومة من روسيا وإيران. وتحولت الغوطة الشرقية، على سبيل المثال، إلى «ثقب أسود»، تخترقه نقاط التفتيش، والسجون السرية المرتبطة بروسيا، ومقرات الميليشيات الإيرانية.

Embed from Getty Images

وأخذ عدد متزايد من مقاتلي المعارضة، الذين خاضوا عمليات تصالح، يجد نفسه بعد توزيعه للخدمة يقاتل رفاقه السابقين على الجبهات، بما في ذلك إدلب، حيث قتل العديد من مقاتلي الجنوب في الأسابيع الأخيرة. وهذا يعني، بحسب رأي الكاتب، أن أحدًا لم يتصالح حقًا مع الحكومة المركزية، بل أجبروا جميعًا على الخضوع.

يشير المقال إلى أنه قد نتج عن ذلك تصاعدًا في عدم الاستقرار، خاصة في الجنوب السوري، حيث أعلن مسؤولون أمنيون في النظام مؤخرًا عن أزمة فيها، بحسب مصدر مطلع تحدث إلى الكاتب. فقد شهدت درعا في الشهور الأخيرة وقوع العشرات من هجمات التمرد من قبل شبكات سرية، ومن خلال مقاتلين زعموا التصالح، ويصنفون على أنهم قوات تابعة للنظام.

ومثال على ذلك، يذكر ليستر أن أحد العناصر المتصالحين وقائد المعارضة السابق في درعا، أدهم الكراد، هدد في 23 يونيو بدعم إعلان حملة «عصيان مدني» إذا استمر نظام بشار الأسد في إرسال مقاتلين متصالحين من الجنوب للقتال في إدلب. وكان قلب العاصمة دمشق قد شهد أيضًا سلسلة من الاستهدافات الهجومية بالقنابل وإطلاق النار من المركبات، وكذلك في مناطق خاضعة للنظام مثل محافظة دير الزور.

وتحمل معظم هذه الهجمات ارتباطات بالجذور الأولى للتمرد على النظام في 2011 و2012؛ ما يؤكد مدى ترسخ جذور الثورة، حتى وإن كانت الآن في أقلية صغيرة وبوسائل أضعف، حسبما يرى الكاتب. وإلى الآن، لم يبرهن النظام ولا داعموه من الروس والإيرانيين على وجود أي إستراتيجية للتعامل مع هذه النذر الناشئة للمقاومة المسلحة في المناطق التي يفترض أنه قد أعلن فيها التصالح والتسوية. ومن ثم يرى الكاتب أنه إذا ظل الوضع متروكًا للتفاقم، فمن العسير تصور اتجاهه إلى أي سيناريو آخر غير المزيد من عدم الاستقرار.

المحتلون الأجانب والعداءات الجيوسياسية

بينما يقع نحو 62% من الأراضي السورية الآن تحت سيطرة نظام بشار الأسد، فإن 38% منها ما تزال خارج هيمنته. وتسيطر على كل تلك الـ38% من الأراضي، وإن بدرجات متفاوتة، جهات سورية تابعة ويتغلغل فيها نفوذ حكومات أجنبية.

ففي المنطقة الشرقية وشمال شرقي البلاد، تسيطر الولايات المتحدة والتحالف المعادي لتنظيم (داعش) على ما يقرب من 28% من مساحة البلاد، في حين تفرض تركيا هيمنتها على نحو 10% من الأراضي السورية، وتتمركز القوات التابعة لها في شمال حلب والشمال الغربي السوري. وقد خلقت المشاركة التركية والأمريكية خطوطًا متعددة لصراعات محتملة بين الدول وداخل سوريا نفسها، سواء أكان ذلك بين الأكراد والعرب، أم بين المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية، أو بين الولايات المتحدة في مواجهة إيران وروسيا ونظام بشار الأسد وربما مع تركيا، فضلًا عن الصراع الذي قد يشتعل بين النظام في مواجهة الجميع.

يقول ليستر إنه في تلك المرحلة التي تعقب سقوط (داعش)، وإذ تسعى كل الجهات الفاعلة في الدولة إلى توسيع أو تعزيز أو دمج حيازاتها داخل سوريا، فإن ثمة حدود وخطوط جديدة ترسم، وقد غدت التوقعات السابقة بإمكانية حل بعض تلك التوترات توقعات غير مؤكدة في أحسن الأحوال. إذ يبدو من المستبعد، إلى حد كبير، أن تغادر تركيا المناطق التي تسيطر عليها حاليًا، رغم ما تواجهه من مقاومة كردية ذات مرونة عالية وقدرة على الكر والفر على امتداد عفرين والجزء الشمالي من حلب.

وفي السياق نفسه، يقول الكاتب: إن الولايات المتحدة يبدو أيضًا أنها لن ترحل عن المواقع التي تسيطر عليها، على الأقل في المستقبل القريب. وفي حين تشهد بعض محادثات السلام (مثل المفاوضات التي بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام) توقفًا مؤقتًا، إذ جمدت المحادثات بين أطراف أخرى (مثل المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وتركيا). أي لم ينجم عن أي منهما أية نتائج ذات أهمية».

Embed from Getty Images

أما عن إسرائيل، أشار المقال إلى أنها تواصل النظر إلى الوجود الإيراني على حدودها بوصفه تهديدًا، ومن ثم تشن هجمات بين الحين والآخر على أهداف داخل الأراضي السورية. ولا يرجح الكاتب أن إجراءات مثل تسليم روسيا أنظمة دفاع صاروخي 300 إلى نظام بشار الأسد، ونشره تلك المنظومة في قاعدة مصياف، ووضعها المعلن قيد التشغيل في فبراير، قد ردعت الأعمال العسكرية الإسرائيلية، التي لم تتوقف منذ بدأت وحتى الآن.

بل يبدو أن سلسلة الضربات التي وجهتها إسرائيل مؤخرًا إلى ما يزيد على عشرة أهداف تابعة لإيران وحزب الله في حمص ودمشق، في 30 يونيو الماضي، كانت العملية الإسرائيلية الأبرز في سوريا منذ مايو 2018.

ويميل ليستر إلى احتمال تزايد التصعيد غير المتعمد بين إسرائيل وإيران في ظل المزاعم المنتشرة مؤخرًا حول مهاجمة إيران ناقلات شحن نفطية، وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، وتحريض الميليشيات العراقية على قصف المنشآت المرتبطة بالولايات المتحدة في العراق، وتقديم الإمكانات لشن هجمات حوثية معقدة على أهداف سعودية. وفي حالة احتداد تلك التوترات والأعمال العدائية، يرجح ليستر أن إيران قد ترى في القوات الأمريكية في سوريا أهدافًا يسهل الوصول إليها؛ مما قد يؤدي إلى وقوع عواقب كارثية.

الاقتصاد والعقوبات وإعادة الإعمار

يشير المقال إلى أنه بالإضافة إلى المسائل العسكرية والأمنية، فإن سوريا تبدو في طريقها للمزيد من المعاناة الاقتصادية المترتبة على ثماني سنوات من الصراع الوحشي، إذ دمر العنف الذي قادته الدولة البلاد وجزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية الأساسية، وحطم أي شكل من الوحدة بين الدولة والأمة، وجلب على نفسه حملة من العزلة الدولية في صورة العقوبات المفروضة.

وفضلًا عن ذلك، فإن معظم موارد الطاقة السورية، والأراضي الزراعية تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الذي تدعمه الولايات المتحدة، زاد على ذلك أن حظر تصدير النفط والعقوبات الدولية والهجمات على خطوط أنابيب الغاز تحت الماء قد هددت عمليات شحن النفط الإيراني التي يعتمد عليها نظام بشار الأسد. وعلى إثر ذلك تعرضت دمشق لأزمةِ وقود خانقة في أبريل الماضي، بعد فترة امتدت إلى خمسة شهور لم تتمكن فيها إيران من شحن النفط إلى سوريا.

ويمكن القول إن فساد النظام وسوء الإدارة كانا أكبر مصدر للسخط الاقتصادي. فقد تفاقم الإحباط والغضب الشعبي بشكل لا يخفى بين المجتمعات الموالية للنظام في سوريا، لأن ما يسمى بحياة ما بعد الحرب قد شهدت فعليًا، مزيدًا من التدهور في الأوضاع الاقتصادية الشخصية، بدلًا من التحسن.

وإذا كان الناس قد أبدوا استعدادًا للتخلي عن أشياء معينة في خضم اشتداد الصراع الأهلي، فإن واقع الحياة في 2019 يبدو غير محتمل بشكل متزايد من قبل أنصار النظام. ويبدو من المستبعد، في وجهة نظر الكاتب، أن يثير ذلك أي شيء قريب من ثورة ثانية، إلا أنه يشكل معضلات وجودية محتملة لنظام يفتقر إلى الموارد، غير أنه يواجه في الوقت نفسه قائمة ضخمة من المطالب من قبل القاعدة الداعمة له.

ويرى ليستر أن الأسوأ من كل ذلك بالنسبة إلى فرص سوريا المستقبلية في تحقيق الاستقرار، هو حجم تحدي إعادة الإعمار، الذي قدر البنك الدولي في عام 2016 أنه قد يكلف مبلغًا يصل إلى 450 مليار دولار، شريطة أن ينتهي الصراع بحلول عام 2017، أو 780 مليار دولار في حال استمر إلى عام 2021.

ويكفي أن نتصور أنه إذا عوملت سوريا معاملة أفغانستان من جهة تلقي أعلى نسبة من المساعدات المخصصة لإعادة الإعمار على مستوى العالم، فإنها ستبقى في حاجة إلى ما يزيد على 50 سنة لإعادة إعمار البلاد، وفقًا لتقديرات نشرها موقع «قنطرة» الألماني. وهذا بفرض عدم وجود فساد، ضمان إنفاق على مستوى عال من الفعالية، وهما شرطان يبدو الإيفاء بهما من ضروب الاستحالة.

وحتى لو كانت الظروف المثالية مكفولة، فإن حجم التحدي يبقى هائلًا. فعلى سبيل المثال، يحتاج القيام بمهمة إعادة 2 مليون منزل سكني، بمعدل معقول، إلى أن تستورد سوريا 25 مليون طن من الأسمنت و5 مليون طن من الحديد كل عام لمدة 10 سنوات، في حين أن سوريا لا تملك لا المال والبنية التحتية (الطرق والموانئ ومرافق النقل) اللازمة، كما أن عملية خلط الأسمنت وحدها تستلزم توفير كميات ضخمة من المياه.

يقول ليستر إنه بالنظر إلى العدد الكبير من جرائم الحرب والفظائع التي ارتكبها نظام بشار الأسد منذ عام 2011، ومعارضته المستمرة لأي جهود وساطة دولية، فليس ثمة سبب يدعو إلى افتراض أن المجتمع الدولي سيخفف من القيود الاقتصادية المفروضة على سوريا في أي وقت قريب. كذلك فإن الركود الشامل والدمار المنتشر في كل مكان والأزمة الاقتصادية وافتقار الحكومة إلى الكفاءة وحالة عدم الاستقرار المتفاقمة، هي أنواع الظروف التي تمكن العناصر الخبيثة من الازدهار، وهذا أمر حري بنا افتراضه من البداية.

بالإضافة إلى أن أشياء مثل الجرائم المنظمة أو أمراء الحرب أو التمردات المحلية أو أعمال إرهابية على نطاق واسع وانعدام الأمن وانتشار العنف، تعد بطبيعة الحال النتائج الأولية عن الوضع الراهن، وهو وضع لا يزال مرتبطًا إلى حد كبير بقرارات تتخذ في دمشق وموسكو وطهران، وليس في واشنطن.

عواقب سياسية

يختتم ليستر مقاله بالتأكيد على أن للولايات المتحدة وحلفائها مصالح في سوريا، سواء أكانوا يريدون الاعتراف بذلك أم لا. ولا تعد الهزيمة الإقليمية للدولة الإسلامية ولا انحسار أو تطور الصراع المدني في سوريا سببًا معتبرًا لصرف الاهتمام عنها أو سحب الاستثمار أو القوات أو الجهود الدبلوماسية من البلاد.

بل إن العدد الكبير من التهديدات وحجم المخاطر النابعة من الوضع الراهن في سوريا تحتم على الولايات المتحدة وحلفائها مضاعفة التزاماتهم نحو سوريا أكثر من أي وقت مضى. ومن ثم ينبغي أن يكون ينصب اشتغالهم الفوري على استغلال النفوذ الحالي في إقامة الشروط اللازمة لإجراء مفاوضات جدية.

Embed from Getty Images

وقد يكون ما يعرف بعملية جنيف للتسوية السياسية في سوريا في حالة موات فعلي، بيد أن تصور إمكانية التسوية التفاوضية ليس كذلك، ولا ينبغي التخلي عنه. ولقد مهدت المحادثات التي جرت مؤخرًا بين روسيا والولايات المتحدة في سوتشي ونيويورك والقدس السبيل لعملية دبلوماسية مصيرية محتملة. وليس ثمة شك في أن روسيا تريد وتحتاج إلى عقد شكل من أشكال التسوية السياسية الكبرى، تحظى بدعم الولايات المتحدة وتأييدها.

ويستدرك ليستر بالقول إن واشنطن لن تمنح موافقتها بالمجان. ورغم أن الشروط المفروضة حاليًا من قبل إدارة ترامب على سوريا – خاصة في ما يتعلق بإيران – غير واقعية إلى حد كبير، ينبغي الافتراض أنها قد صممت كي تكون نقطة انطلاق لبدء المفاوضات مع روسيا. وهذه الإستراتيجية، وفقًا للمقال، ليست بالضرورة طائشة، بيد أنها من المحقق ستكون عقيمة إذا لم تستطع الولايات المتحدة تقديم مزيد من التفاصيل حول ما تريد إنجازه في سوريا وما الدعم يمكن القيام به في سبيل تحقيق تلك الغاية.

إلا أنه منذ إعلان ترامب بالانسحاب المفاجئ في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، أحجم المسؤولون الأمريكيون بشكل مقلق للغاية عن مناقشة أي تفاصيل على الإطلاق بشأن الإستراتيجية الأمريكية في سوريا، خشية إيقاظ غرائز الجراءة والاقتحام عند الرئيس بما تحمله من تبسيط شديد الأمور بشكل يبعث على القلق.

ويخلص ليستر في مقاله إلى أن ثمة شيء واحد واضح: وهو أنه إذا انتهى الأمر بالولايات المتحدة تاركةً سوريا وراءها في حالة الاضطراب الحالية، فإن الفوضى الناجمة عن ذلك ستعود لتطارد الجميع. وفي المرة القادمة، ربما لا يكون ثمة شيء يمكن لأي حد القيام به حيال ذلك.

شادي الخالد.. حكاية ثائر سوري «عاد من الموت» بعد إعلان مقتله

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s