قالت مينا العريبي في تحليل لها على موقع «فورين بوليسي»، إن مشاهدة الثورة السورية التي تحولت إلى حرب تدخل عقدها الثاني يذكرنا بكل ما فُقد: أرواح الأبرياء والمدن المدمرة والأحلام المحطمة. يمكننا أيضًا البكاء على مستقبل الشباب السوريين العالقين في مخيمات النازحين الذين سيضيع عليهم عام آخر من التعليم. وتشمل الخسائر المقدرة مقتل 400 ألف سوري تقريبًا و200 ألف في عداد المفقودين. لقد توقفت الأمم المتحدة عن إحصاء أي خسائر مدنية بعد ثلاث سنوات من الصراع – وهي واحدة من حالات عديدة لفشل المجتمع الدولي في التزاماته تجاه السوريين.

وأوضحت العريبي أن الخسائر فادحة ولا تقتصر على سوريا وشعبها. فمن بين الضحايا عدد من الأعراف الدولية التي كان من المفترض أن تحد من معاناة السكان المدنيين. القاعدة الأساسية التي تحطمت في سوريا هي عقيدة «مسؤولية الحماية». ينص هذا المبدأ على أن المجتمع الدولي ليس ملزمًا بالتدخل في النزاعات التي تُرتكب فيها الفظائع ضد السكان المدنيين. لكن المسؤولية عن الحماية، التي دافعت عنها الدول الغربية لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي وقبلتها لاحقًا الأمم المتحدة، لم تجد من يدافع عنها في الصراع السوري. ويمثل موتها لحظة فشل النظام الدولي الذي ظهر في نهاية الحرب الباردة. ولا يُعرف ما الذي سيحل محله بعد.

عربي

منذ 3 شهور
معركة «المساعدات الإنسانية» وإدخالها إلى سوريا.. تأييد النظام أو الجوع للسوريين

بينما يدخل العالم حقبة جديدة من المنافسة الجيوستراتيجية واستقطاب القوى العظمى، فليس هناك ما يضمن ظهور نظام إنساني مقبول جماعيًّا.

وفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية – تشير العريبي – فإن المسؤولية عن الحماية «تجسد التزامًا سياسيًّا بإنهاء أسوأ أشكال العنف والاضطهاد. وتسعى إلى تضييق الفجوة بين الالتزامات القائمة للدول الأعضاء بموجب القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان والواقع الذي يواجهه السكان المعرضين لخطر الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية».

ظلت «مسؤولية الحماية» مفهومًا سعى العاملون في المجال الإنساني ومسؤولو الأمم المتحدة إلى تكريسه لسنوات. وقد تركزت المناقشات حول مسؤولية الدول ذات السيادة عن حماية مواطنيها – ومسؤولية المجتمع الدولي للتدخل إذا لم يتدخلوا – مدفوعة بأهوال الإبادة الجماعية في رواندا ومذابح البلقان في أواخر القرن العشرين. وتشمل سابقاتها ما يسمى بمبدأ بلير، الذي ينص على أنه إذا استنفدت الخيارات الدبلوماسية ويمكن تطبيق تدخل عسكري محدد لتصحيح الخطأ، فيجب حينئذٍ الدعوة إلى هذا التدخل. كان وزير الخارجية الألماني آنذاك يوشكا فيشر مؤيدًا مؤثرًا آخر لما أصبح «مسؤولية الحماية»، وقد ذكر الألمان المسالمين في التسعينيات أن منع الإبادة الجماعية ضد المسلمين في البلقان يبرر التدخل العسكري ضد الصرب.

تستدرك العريبي، لكن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لم تلتزم رسميًّا بمبدأ مسؤولية الحماية حتى عام 2005. وعلى الرغم من حقيقة أن جميع الدول الأعضاء وقعت على الاتفاقية، فإن الولايات المتحدة بصفتها القوة العظمى الرائدة كانت تعد القوة الدافعة وراء تنفيذها.

ما المقصود بالمسئولية عن الحماية؟

في جوهرها، من المفترض أن تضمن مسؤولية الحماية لجميع المدنيين حقًّا أساسيًّا في الحماية من أسوأ أشكال الفساد في العالم. لكن منذ البداية، احتوت العقيدة على العديد من العيوب الأساسية التي من شأنها أن تجعل تنفيذها صعبًا – وتؤدي في النهاية إلى زوالها في ساحات القتل في سوريا. أولًا: ما الذي يشكل جرائم إنسانية خطيرة لدرجة أن المجتمع الدولي ملزم بتجاهل سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة والتدخل، سواء بوسائل سلمية أو عسكرية؟ ومن يجب أن يتدخل؟ وكيف؟ وماذا لو كانت الدولة المخالفة عميلة لقوة عظمى يمكنها منع أي قرار باستدعاء مسؤولية الحماية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؟

Embed from Getty Images

لا يستطيع أحد أن يدعي عدم علمه بالحجم الهائل لانتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت وما زالت تحدث في سوريا – تضيف العريبي – إذ كانت هذه واحدة من أكثر الحروب توثيقًا، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى المواطنين الصحافيين الشجعان الذين خاطروا بحياتهم على الأرض في سوريا. لكن الحرب عانت أيضًا من سيل هائل من الدعاية والمعلومات المضللة المستهدفة لإرباك الجمهور ووسائل الإعلام، مع تأثير تقويض الثقة في المعلومات الواردة من الدولة المحاصرة.

إن الهجمات الصارخة والموجهة إلى المستشفيات والمراكز الطبية، وقصف مدن بأكملها، واغتيال الصحافيين، والحصار، هي من أفظع انتهاكات حقوق الإنسان. ردًّا على ذلك، أصدرت الأمم المتحدة بيانات إدانة فارغة، وعقدت اجتماعات ساخنة لمجلس الأمن، وطالبت بضبط النفس بشكل غير فعال.

أظهرت الحرب السورية مرة أخرى عقم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يسيء أعضاؤه بشكل روتيني استخدام حق النقض (الفيتو) لحماية عملائهم. الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تدعم المعارضة السورية. وروسيا تدعم نظام الرئيس السوري القوي بشار الأسد. والصين ترفض فكرة التدخل لإسقاط حكمه. كانت طبيعة نظام الأمم المتحدة، ولا سيما هيكل مجلس الأمن، مسؤولة في النهاية عن قتل أي فرصة لتنفيذ مسؤولية الحماية.

انقسام المجتمع الدولي يزيد الوضع سوءًا

تكررت معركة أخرى في ممرات الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف حول الجهود المبذولة لتقديم المساعدات الإنسانية للسوريين في الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة عبر الحدود التركية والعراقية، وليس فقط من خلال دمشق التي تسيطر عليها الحكومة، حيث يتضاءل احتمال وصول أي مساعدة إلى المستحقين. ذهبت الأشهر الثمينة من المفاوضات في الأمم المتحدة إلى التوصل إلى اتفاق بشأن إيصال هذه المساعدة – تؤكد العريبي – بدلاً من التركيز على التوصل إلى حل قابل للتطبيق للأزمة السورية ككل. في يوليو (تموز) الماضي، استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار لمجلس الأمن كان سيسمح بإيصال الإمدادات الإنسانية عبر العراق وتركيا؛ مما يحد من إيصالها إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة عبر معبر حدودي واحد فقط مع تركيا.

Embed from Getty Images

إن الجدل حول المعابر الحدودية التي يمكن استخدامها لإيصال المساعدات الأساسية يوضح مرة أخرى كيف تتجاهل السياسة العبثية تمامًا المسؤولية عن الحماية. في الشهر المقبل، من المقرر أن يناقش مجلس الأمن تسليم المساعدات مرة أخرى حيث من المقرر أن تنتهي صلاحية اتفاقية الأمم المتحدة للسماح بعمليات التسليم عبر الحدود عبر باب الهوى في شمال غرب سوريا. ومن المرجح أن تعطل روسيا القرار وتجدد مطالبها بتقديم تنازلات في المقابل.

لكن الطريق إلى موت المسؤولية عن الحماية في سوريا جرى تحديده قبل وقت طويل، في سبتمبر (أيلول) 2013. ومن النقاط القليلة التي يمكن أن تتفق عليها جميع الدول تقريبًا، بما في ذلك أعضاء مجلس الأمن، هو أن استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية لا يمكن تقبله. في الواقع أطلق الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما على استخدام الأسلحة الكيماوية «الخط الأحمر» الذي من شأنه أن يغير حساباته في التعامل مع سوريا. لكن عندما استخدمت قوات الأسد بالفعل أسلحة كيماوية ضد السوريين في أواخر أغسطس (آب) من ذلك العام، تردد أوباما ورفض في النهاية التصرف. وكذلك فعلت الأمم المتحدة، وجرى التخلي عن مفهوم حماية السوريين من أسوأ أشكال الحرب.

عربي

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»:كيف يحوِّل نظام الأسد المساعدات الإنسانية لسلاح ضد المعارضة؟

تتساءل العريبي إذا لم تتمكن الأمم المتحدة أو القوة العظمى الأكبر في العالم، أو ما يسمى بالمجتمع الدولي، من الالتزام بحماية المدنيين من الحرب الكيماوية والبيولوجية، ففي أي حالة سيتصرف أي منهم على الإطلاق؟

الأمم المتحدة كيان ضعيف

في مارس (آذار)، أصدرت المستشارة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بمنع الإبادة الجماعية، أليس ويريمو نديريتو، والمستشارة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بمسؤولية الحماية، كارين سميث، بيانًا مشتركًا عبرتا فيه عن «قلقهما العميق» بشأن استمرار الأزمة في سوريا. منذ اندلاع الصراع في عام 2011، أصدر المستشارتان وأسلافهما 19 بيانًا عامًّا يعبرون فيه عن القلق بشأن جرائم مختلفة تُرتكب في سوريا، ولم يحدث أي منها فرقًا بالنسبة للسوريين.

لا يمكن أن يكون هناك دليل أفضل على ضعف الأمم المتحدة في إحداث التغيير، على الرغم من الدور الحيوي لوكالاتها الإنسانية، بما في ذلك اليونيسف، وبرنامج الغذاء العالمي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في إنقاذ أرواح لا حصر لها من السوريين.

Embed from Getty Images

السؤال هو هل سيكون العالم قادرًا على إيجاد بديل للمسؤولية عن الحماية؟ يبدو أن تعلم دروس سوريا وإعادة تطبيق مبدأ المسؤولية عن الحماية أمر غير وارد، بالنظر إلى الوضع الراهن للأمم المتحدة. قد يكون الخيار الآخر هو ابتكار آلية بديلة إما أن تتجاوز مجلس الأمن وإما الأمم المتحدة كليًّا. ولكن يبدو أن المسار الأكثر ترجيحًا هو التخلي تمامًا عن مفهوم المسؤولية الجماعية، وترك الأشخاص الأكثر ضعفًا في العالم دون أي حقوق أو حماية في أوقات النزاع. هذا ليس طريقًا يجب على أي شخص أن يدافع عنه أو يشعر بالراحة تجاهه.

في نهاية المطاف – تختتم العريبي بالقول – تقع مسؤولية حماية الشعب على عاتق حكومة أي دولة. لكن عقيدة «مسؤولية الحماية» كانت تهدف إلى إنشاء شبكة أمان عندما تفشل الحكومة في توفير تلك الحماية، أو الأسوأ من ذلك، عندما تستهدف شعبها. ومع موت العقيدة في سوريا، سيظل تأثير الحرب في العلاقات الدولية، وفي شرعية الأمم المتحدة، وفي قدرة العالم على التعامل مع الفظائع وجرائم الحرب، محسوسًا أيضًا لسنوات قادمة. إذا لم يستطع العالم التعلم من إخفاقه الجماعي في حماية الشعب السوري ولم يتمكن من إيجاد طرق أخرى لتجنب تكرار مثل هذه المأساة، فإن المستقبل يبدو سيئًا حقًّا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد