كتبت إليزابيث تسوركوف، طالبة دكتوراه بقسم السياسة بجامعة برينستون وباحثة غير مقيمة في معهد «نيولاينز للدراسات الاستراتيجية» والسياسية، تحليلًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بشأن انتخابات الرئاسة السورية التي أُجريت مؤخرًا، ترى فيه أن النظام يرمي من وراء هذه الانتخابات إلى انتزاع الخضوع العام، ومن ثم إقناع خصوم النظام بأن التعبئة ضد النظام لا طائل من ورائها.

وفي مطلع تحليلها، أشارت الكاتبة إلى إدلاء الرئيس السوري بشار الأسد وزوجِه بأصواتِهما في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في 26 مايو (أيار) في مدينة دوما، إحدى ضواحي العاصمة السورية دمشق. ولم يكن اختيار هذا الموقع من قبيل الصدفة؛ فقد فقدت قوات الأسد السيطرة على مدينة دوما في عام 2012 ولم تستعد السيطرة عليها إلا بعد سنوات من القصف، وحصار أدَّى إلى ما يشبه المجاعة ونشر الأسلحة الكيماوية في أبريل (نيسان) 2018، مما أدَّى إلى إخضاع المدينة في نهاية المطاف.

عربي

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: في قلب أزمة الطاقة السورية.. كيف تنقذ الطاقة الشمسية إدلب؟

وتوضح الباحثة أن التصويت في دوما بعث برسالة محددة إلى السوريين؛ رسالة تفيد استعادة السيطرة والهيمنة. ولم يقم النظام بأي محاولة لتصوير الانتخابات على أنها انتخابات حرة أو نزيهة، مؤكدًا على نحو أكبر قدرته على الكذب وإجبار الآخرين على ترديد الكذب. ووثَّق الموالون للنظام أنفسهم وهم يصوِّتون عدة مرات، وتظهر النتائج الرسمية للنظام أن عدد الناخبين للأسد أكبر من عدد السكان في المناطق التي يسيطر عليها نظامه.

وترى الكاتبة أنه في نظام استبدادي مثل النظام السوري، عندما تُزوَّر النتائج على مرأى ومسمع من الجميع، تُظهِر الانتخابات قدرة النظام على فرض الامتثال. وتخدم الانتخابات مصالح النظام، وتوحي للمعارضين بأن المقاومة لا طائل منها، وتشجع الموالين للنظام، وتخلق إحساسًا بأن النظام يتمتع بدعم أكبر مما يتمتع به في الواقع.

انتخابات في خضم أزمة اقتصادية حادة

وألمحت الكاتبة إلى أن الليرة السورية خسرت 57% من قيمتها في عام واحد، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة 313%، وواجه السوريون نقصًا خطيرًا في السلع المدعومة مثل الخبز والوقود. وتشير المقابلات التي أجريتها مع سكان جميع المحافظات السورية إلى أن هذا الانهيار في مستويات المعيشة زاد من تقليص قاعدة دعم النظام. والآن يرى عديد من السوريين، الذين رأوا النظام في السابق مرتكزًا للاستقرار، الفقر المدقع والافتراس المتزايد للمقرَّبين من النظام.

وربما دفعت هذه الأزمة النظام إلى بذل جهود أكبر بكثير لحشد الناخبين والمشاركين في التجمعات الموالية للنظام هذه المرة موازنةً بالعمليتين الانتخابيتين السابقتين اللتين أُجريتا منذ بدء الأزمة السورية. وفي كل هذه الانتخابات، أُجبر موظفو الحكومة والطلاب على التصويت تحت تهديد الفصل من الوظيفة أو الطرد من الجامعة.

Embed from Getty Images

واتسع نطاق الإكراه الحكومي الآن ليصل إلى جوانب غير مسبوقة. وتشير المقابلات التي أجريتها مع سوريين في دمشق وحلب وحماة إلى أن الشرطة السرية أجبرت أصحاب المتاجر على طباعة ملصقات موالية للأسد وتعليقها عن طريق التهديد بإغلاق متاجرهم بالشمع. كذلك يضطر المواطنون إلى التبرع بتكاليف طباعة هذه الملصقات.

 برنامج الغذاء العالمي مقابل التصويت

وتضيف الكاتبة: كما تُظهِر المقابلات التي أجريتها مع سكان المناطق التي يسيطر عليها النظام قبل الانتخابات أن الشرطة السرية حذَّرت سكان المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقًا في شمال حمص والقلمون من أنهم قد يتعرضون للاعتقال إذا لم يصوِّتوا في الانتخابات. وقال السكان إن النظام جعل التصويت أيضًا شرطًا لتوزيع الخبز المدعوم في حمص، وكذلك سلال مساعدات برنامج الغذاء العالمي للفقراء في الضواحي الجنوبية لدمشق والنازحين في مدينة حلب.

رسائل مختلفة تستهدف جماهير مختلفة

وتساءلت الكاتبة: ما الذي ترمي ملصقات الأسد التي تملأ الشوارع والطوابير الطويلة في مراكز الاقتراع – إلى جانب النتيجة المحددة سلفًا – إلى تحقيقه؟

وتجيب قائلةً: ينقل استعراض القوة هذا رسائل مختلفة إلى الجماهير المختلفة. وفيما يخص قاعدة دعم الأسد الآخذة في التناقص، يُعد استعراض القوة مُطمئنًا، ويوضح لهذه القاعدة أنها تدعم الجانب الذي يملك القوة.

وغالبًا ما ينشر المشاركون صور التجمعات ويهتفون لنظام الأسد عن طريق المجموعات الموالية للنظام على «فيسبوك»، على سبيل المثال. وهذه الإشارات مطلوبة على نحو خاص الآن وسط عجز الحكومة عن توفير حتى أبسط الخدمات الأساسية.

التعبئة ضد النظام لا طائل من ورائها

وترى إليزابيث تسوركوف أنه فيما يخص الجمهور السوري الأوسع، تغرس مظاهر دعم الناخبين للأسد في الأذهان اعتقادًا بأن التعبئة ضد النظام لا طائل من ورائها، وذلك من خلال نقل رسالتين: أن النظام أكثر شعبية مما هو عليه في الواقع؛ بالإضافة إلى ذلك، أو بدلًا من ذلك، أن النظام قد يكون غير محبوب وغير قادر على تغيير معتقدات السكان، ولكنه قادر، من خلال هيمنته، على إيجاد قاعدة من المُذعنين الخاضعين في أوساط السوريين.

Embed from Getty Images

أما فيما يخص أولئك الذين لا يدعمون النظام، فإن الانتخابات تولِّد إحساسًا بحالة تُسمَّى تجاهل الأغلبية، وهي ظاهرة (في علم النفس) يمتثل فيها الأفراد لسلوك معين ولكنهم يرفضونه، بينما يفترضون أن امتثال الآخرين هو انعكاس لمواقفهم الخاصة غير المعلنة.

وهذا النوع من الطاعة على الرغم من التفضيل الشخصي يُعد منتشرًا في البلدان التي تحكمها الأنظمة الاستبدادية. ويطلق علماء السياسة على هذا مسمى «تزييف التفضيلات»؛ وهذا النوع من إكراه المواطنين يخلق إحساسًا بأن النظام أكثر شعبية مما هو عليه في الواقع، لكي تبدو الثورات مستحيلة.

الانتخابات توفر طريقة لإثبات الولاء

وأردفت الكاتبة قائلة: توصل البحث الذي قمتُ به إلى أن الطوائف «الموالية» في سوريا، والتي تتكون إلى حد كبير من الأقليات الدينية، تكشف عن خيوط تتعلق بكيفية تعزيز الانتخابات للمعتقدات السياسية. وتشير المقابلات مع أفراد الطائفة العلوية المهيمنة سياسيًّا إلى أنه في حين يصرح كثيرون سرًّا بمعارضة النظام، فإن الغرباء، وكذلك أعضاء الطائفة نفسها، ينظرون إليهم على أنهم موالون للأسد.

رسالة الطاعة وتثبيط المعارضة

ونوَّهت الباحثة إلى أن مظاهر الولاء المرتبطة بالانتخابات تستهدف أيضًا السوريين الذين يدركون أن النظام لا يحظى بأي شعبية. والهدف هو انتزاع الخضوع العام، وتعزيز الفهم لدى خصوم النظام بأن القاعدة المجتمعية هي الطاعة؛ ولذلك فإن التعبئة ضد النظام لا طائل من ورائها. ولا يبدو أن هذه الجهود تحاول تغيير معتقدات السوريين المشاركين في الانتخابات أو الأنشطة العامة التي تعلن الولاء للأسد.

ويُخطِر المنظمون المشاركين بأن الحضور إلزامي، وفي بعض الأحيان يعترفون سرًّا بأنهم لا يريدون الحضور، ولكنهم يؤكدون أنه يتعين على الجميع أن يفعلوا ذلك. وبدلًا من ذلك، وتماشيًا مع النتائج التي توصَّل إليها علماء النفس السياسي، تهدف مظاهر الولاء الزائفة هذه إلى غرس المعتقدات بشأن القواعد: يمتثل الناس لأن القاعدة السائدة هي الطاعة المخيفة لنظام يتمتع بقوة هائلة.

Embed from Getty Images

وتختتم الباحثة تحليلها بالتأكيد بأن رسالة الطاعة مفيدة في تثبيط المعارضة المحتملة، إذ يثبت الأمر للسوريين مرارًا وتكرارًا أن الجميع تقريبًا على استعداد للمشاركة في الدعاية التي ترعاها الحكومة. وهكذا، يوحي نظام الأسد لأنصاره إلى أنهم ليسوا وحدهم، مما يرفع معنوياتهم.

وفيما يخص المعارضين المحتملين، يثبت النظام أن المجتمع يمتثل للطاعة، مما يجبر حتى أولئك الذين يفكرون في عدم الامتثال للمشاركة في التمثيلية، أو على الأقل تجنب التعبئة ضد النظام. أما فيما يخص السوريين، فإنه يخلق أجواءً من «الاستسلام المستمر» من جانب السكان للديكتاتورية، وهي رسالة واضحة للسيطرة الاجتماعية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد