تكمن تحت واجهة السلطة المركزية لنظام الأسد، منظومة منقسمة من الأجهزة الأمنية المتنافسة. في مقالهما المنشور في صحيفة «واشنطن بوست»، يتناول كل من كاثرين ناظمي وألكسندر ديسينا تفاصيل هذه النزاعات بين الأجهزة الأمنية وبعضها، وقدرة سلطة الأسد على منعها.

إذ يشير المقال إلى أن سوريا شهدت في بداية هذا الشهر عملية تعديل أمني هي الأكثر شمولًا منذ تفجير مقر الأمن الوطني في يوليو (تموز) عام 2012. عُيّن أكثر من ستة من رؤساء المخابرات في مناصب مختلفة ومنهم من حصل على ترقيات أو تقاعد، ونُقل أكثر من 50 مسؤولًا إلى مناصب أخرى داخل وزارة الداخلية.

قد ينظر البعض إلى هذا التغيير عالي المستوى واسع النطاق على أنه دليل على سيطرة رئيس النظام السوري بشار الأسد على أجهزة الأمن. ولكن ثمة مؤشرات قوية على أن سيطرته عليها في الواقع محدودة للغاية.

ويفيد المقال بأنه بينما تنتقل الدولة السورية من مرحلة استعادة الأراضي التي سيطرت عليها المعارضة إلى إعادة تأكيد هيمنتها على معظم أنحاء البلاد، تواجه دمشق تحديات من أجهزتها الأمنية الخاصة، التي مُكّنت وتوسعت بعد مرور 8 سنوات من الصراع. وحاليًا تمثل المنافسة بين الجهات الأمنية خطرًا على إعادة توحيد البلاد.

فقد تصاعد التنازع على الهيمنة المحلية بين الجهات الأمنية في النظام لدرجة أن بعضًا من أفرادها ألقى القبض على آخرين منها، إضافة إلى نشوب المواجهات العلنية والعنف فيما بينهم، حسبما أوردت «واشنطن بوست». وفي حين يحاول الأسد ونوابه توجيه دفة تلك المنافسات، فإنهم مقيدون بين موازنة المصالح المتضاربة والاستجابة للأزمات حال ظهورها.

Embed from Getty Images

جهاز أمني منقسم

تجدر الإشارة إلى أن الأجهزة الأمنية السورية، التي ورثها الأسد الابن عن والده حافظ الأسد، تتكون من عدة وكالات استخباراتية ووحدات نخبة إلى حد ما ذات صلاحيات متداخلة، صُممت للحيلولة دون أن تصير واحدة منها بالقوة الكافية لتهديد الرئاسة.

ويشير الكاتبان إلى أن هذه الأجهزة أثبتت أهميتها البالغة للنظام خلال الحرب الأهلية بينما كان الجيش النظامي يتعرض للانشقاقات وحالات التغيّب. غير أن بيئة الصراع نفسها، والصلاحيات واسعة النطاق التي خولتها لها دمشق، خلقت مساحة لتلك الوكالات والفصائل لتوسيع نطاق اختلافاتها بدرجة هائلة.

فمن خلال استخدام الوسطاء والمخبرين الذين جرى إعدادهم على مر العقود القليلة الماضية، مهدت الأجهزة الأمنية الطريق أمام ميلاد اللجان الشعبية والميليشيات التابعة لها كي توسع من استعراضها قوتها. ويورد المقال أيضًا أنها تنافست لجذب المليشيات التي بدأت من الصفر وصعدت، أو مولها رجال الأعمال الموالون للنظام من خلال عرض موارد وحماية أفضل.

وفي خضم ازدحام الفصائل المختلفة الموالية للنظام، تمكّن ثلاثة منها بالتحديد من فرض هيمنتها. ويفيد مقال «واشنطن بوست» بأن الفصيل الأول هو إدارة المخابرات الجوية، التي وسّعت من وجودها في حلب وحماة على وجه التحديد، مستفيدة من فرصها في الوصول إلى الموارد في دمشق بشكلٍ أفضل نظرًا لعلاقتها التاريخية بحافظ الأسد، ونجاح وحدة «قوات النمر» التابعة لها وتعاونها مع روسيا وإيران.

بحسب المقال، تأتي المخابرات الحربية ثاني هذه الأجهزة، وهي الجهاز المُهيمن في أجزاء من مدينة درعا، وله وصول محلي أفضل نظرًا لعلاقاته المُسبقة في الجنوب وتعاونه مع روسيا من أجل إعادة دمج مجموعات المعارضة السابقة مرة أخرى.

أما الفصيل الثالث، فهو الوحدة الرابعة، التي يقودها ماهر الأسد؛ شقيق بشار الأسد. وتعد الميليشيات التابعة لهذه الوحدة أحد الفصائل المهيمنة في دمشق وحولها والمناطق الحدودية المتاخمة للبنان، إذ تضطلع بعمليات تهريب مُوسعة.

Embed from Getty Images

تصاعد المنافسة

وتوضح الفكرة التي يحاول الكاتبان عرضها أنه على الرغم من صراعات النفوذ العصيبة هذه، تتداخل أجهزة الأمن والميليشيات التابعة لها وتنافس بعضها في اكتساب النفوذ على الأراضي، ويكون ذلك أحيانًا باستخدام العنف. إذ تتنافس الفصائل الموالية للنظام على نقاط التفتيش الموجودة في المراكز السكنية وعلى طول طرق التجارة الرئيسية، حيث يجنون الأرباح بالاستيلاء عليها من المدنيين وأصحاب الأعمال.

فضلًا عن تسابق هؤلاء أيضًا للسيطرة على المجاورات الرئيسية التي تُعتبر تجمعات تجنيد لمقاتلي المقاومة السابقين. وبحسب المقال، زادت حدة التوترات بين الضباط والجنود ورجال الميليشيات والشرطة المحلية فوصلت إلى حد القبض على الأفراد ذوي الرتب الأقل، والمهاجمات والاشتباكات بل والاغتيالات -حسبما يُدّعى- في صفوف مقاتلي المعارضة الذين وُفقت أوضاعهم.

ويفيد الكاتبان بأنه عادة يكون سبب هذه التصعيدات هي الأفرع والكيانات المحلية التي تبحث عن المصالح الخاصة لمنظماتها -كالإيرادات أو الجنود أو النفوذ- وتتصادم مع الأفرع الأخرى التي تفعل الشيء نفسه. وعادةً تمر تلك التنافسات والمبالغة في ردود الأفعال بلا حساب، لكنها عندما تتسبب في اضطرابات بالقرب من مناطق حساسة، وتتسبب في مواجهات مُطولة، أو تدمر مفهوم سلطة النظام، تكون تسويتها حينئذ أهم بالنسبة إلى دمشق.

تعزيزات خارجية

يرى الكاتبان كاثرين وألكسندر أن التدخل الإيراني يزيد من حدة هذه المنافسات، وأن إيران من خلال التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وطائفتها المتنوعة من الميليشيات السورية والعراقية على الأرض، دعمت الفرقة الرابعة وإدارة المخابرات الجوية وغيرهما، ومكّنتها في منافساتها مع خصومها النظاميين.

ثم يلفتا النظر إلى مجهودات روسيا في كبح جماح أجهزة الأمن الممتدة، التي شملت تشكيل الفيلق الخامس، وهو هيكل يعيد دمج فصائل المعارضة السابقة بالإضافة إلى ميليشيات النظام، في تنظيم عسكري فاعل. وعلى الرغم من أنه يتبع وزارة الدفاع اسميًا، يحصل عناصر الفيلق الخامس على رواتبهم من روسيا ويتلقون الأوامر من القيادة الروسية في قاعدة حميميم الجوية.

وورد أن ميليشياتهم اشتبكت مع الفرقة الرابعة وقوات الدفاع الوطني في حماة ومع إدارة المخابرات الجوية في درعا. ولكن من الناحية العملية، يعد الفيلق الخامس بالنسبة إلى دمشق مجرد فصيل أمني آخر عليها أن توازنه.

Embed from Getty Images

اختيارات محدودة

يشير الكاتبان إلى أن الأسد يعتمد في أغلب الحالات -ومعه دائرته القيادية- على كبار الضباط في أجهزة الأمن لتقييد مقاتليهم والعاملين لديهم دون إصدار أوامر صريحة بذلك. ومن خلال التعيين والإقالة والنقل، تستطيع الإدارة في دمشق تهميش القادة الذين يفشلون في هذه المهمة. أما الجهات الأمنية فهي تعزف عن إضعاف موقفها على الأرض، ومن ثم تتنازل عن نفوذها لصالح المنافسين.

ويعتمد الأسد أيضًا على نوابه في أداء أدوار الوساطة بين الكيانات المتنافسة والتفاوض على مُحصلات مرضية لجميع الأطراف. وحسبما أوردا في مقالهما، فإن الطرف الأبرز في أداء هذا الدور هو علي مملوك، الذي ترأس في الماضي مكتب الأمن الوطني ويُقال إنه اختير نائبًا للرئيس السوري للشؤون الأمنية خلال التعديلات الأمنية هذا الشهر.

تجدر الإشارة إلى أن مملوك تفاوض مع رؤساء الأجهزة الأمنية على المستوى الوطني ومع اللجان المحلية والمسؤولين وشخصيات المجتمع المحلي، بل وتفاوض في بعض نواحي البلاد مع الكيانات القبلية، كي يحل النزاعات. ولكن بناءً على مكاناتهم وعلى القضية المطروحة، يستطيع مسؤولو الأمن الآخرون صد أي مجهودات يبذلها مملوك أو النواب الآخرين.

غير أنه في بعض الحالات الملحة، التي نادرًا ما يُعلن عنها، يتدخل الأسد بنفسه. وكانت واحدة من تلك الحالات القليلة التي أبلغ عنها، مشادة عنيفة في مارس (آذار) عام 2015، بين رفيق شحادة، رئيس المخابرات الحربية ورستم غزالة، رئيس شعبة الأمن السياسي وقتها. وقد أقال الأسد كليهما على نحوٍ مفاجئ بعد تلك الحادثة، ومات غزالة في الشهر التالي لها.

يؤكد الكاتبان على أن أوامر الأسد لا يعارضها على ما يبدو أي شخص عندما يصدرها صراحةً، ولكن على الجانب الآخر، تكون تدخلاته محدودة. وفي حين أن بإمكانه استبعاد من يتجاوزون الخطوط الحمراء، يبدو أنه يتجنب توجيه مطالبات أوسع وأكثر كلفة ربما تقابلها اعتراضات من جانب الأجهزة الأمنية الهامة، فيتجنب المواقف التي بوسعها أن تدمر فكرة الرئاسة مُطلقة السلطة.

ويعرج الكاتبان في ختام مقالهما على فكرة مفادها  أنه حتى إذا كان الأسد يملك الاستعداد، فلن يكون في وسعه الضغط لتطبيق التعديلات الأوسع التي عادة ما يُطالب بها صانعو السياسات في الغرب -التي تتعلق بقضايا حقوق الإنسان أو المعتقلين أو وصول المساعدات الإنسانية- أو حتى طرح رؤيته الخاصة للبلاد.

وبحسب المقال، ليست أجهزة الأمن مجرد أداة يستطيع الأسد التلويح بها أو إخمادها ببساطة، بل هي مجموعة من الجهات والهياكل التي ينبغي توجيهها، وكل منها له مصالحه الخاصة ووكالته ونفوذه.

«فورين بوليسي»: على عكس ما قد تعتقده.. بشار الأسد خسر كل شيء

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد