ليس الانقلاب العسكري الأخير في تركيا الأول من نوعه، فقد سبقه خمسة انقلابات ناجحة حتى الآن. فهم النزاع بين الجيش والحكومات المتعاقبة في تركيا أساسي لفهم الحياة السياسية في تركيا الحديثة. يعتبر الجيش نفسه حامي حمى العلمانية في البلاد، والتي يقوم عليها الدستور التركي منذ تأسيس الجمهوية التركية عام 1923. كانت تركيا سابقًا مقر الخلافة الإسلامية، كما يشكل المسلمون نسبة قدرها 95% من سكانها، مع هذا استطاع مؤسس الجمهورية التركية «مصطفى كمال أتاتورك» جعل العلمانية أساس الدستور التركي. في تقرير لـ«ذي نيويوركر» يعرض «إليوت آكرمان» فصولًا من الصراع التركي بين العلمانية والأصولية الإسلامية.

تأسست الجمهورية التركية على يد ضباط من الجيش، أشهرهم أتاتورك. آمن أولئك الضباط أن الإمبراطورية العثمانية التي يغلب عليها الطابع الديني هي السبب في ما آلت له البلاد بعد الحرب العالمية الأولى. تركيا كانت قد تحالفت مع الألمان لتخدم طموحات التوسع الضخمة للسلطان. كانت نتائج التحالف كارثية. كان أتاتورك نفسه قائدًا لأحد الفيالق، تنسب له مقولة شهيرة مخاطبًا جنوده: «أنا لا آمركم بالهجوم، أنا آمركم بالموت».

«في تركيا لدينا تزاوج بين الإسلام والديمقراطية، الطفل الناتج عن هذا الزواج هو العلمانية. هذا الطفل يمرض من حين لآخر، القوات المسلحة التركية تكون حينها الطبيب الذي ينقذه. بحسب درجة المرض نقرر الدواء اللازم للتأكد من تعافي الطفل.» –شفيق بير، أحد الضباط المخطيين لانقلاب 1997

أطاح انقلاب عام 1997 برئيس الوزراء الإسلامي «نجم الدين أربكان» من حزب الرفاه، وتسبب في تفكيك حكومته الائتلافية. استعادت تركيا بعدها علمانيتها سريعًا، شهدت أواخر التسعينيات اضطهادًا للنساء المحجبات في الأماكن العامة. كان منع الحجاب قد تقرر منذ إنشاء الدولة على يد أتاتورك، لكنه لم يكن يطبق بصرامة. بعد أن عاش الإسلاميون فترة غربة، ولدت حزب الرفاه الذي كان قد تم حله من جديد، هذه المرة باسم حزب الفضيلة. من جديد أصبح هناك مدافعون عن الحريات الدينية يقفون ضد تجاوزات العلمانية. كان أحد هؤلاء هو عمدة إسطنبول، «رجب طيب أردوغان». عام 1999 أدين أردوغان بتهمة «التحريض على الكراهية بناء على اختلافات دينية» وسجن لاحقًا. كان هذا بسبب خطاب ألقاه في مدينة «سيرت» التي تنتمي للجنوب المحافظ والمضطرب. تضمن الخطاب بعض الأبيات لشاعر يدعى «ضياء غوكالب»، قيل فيها:

مآذننا حرابنا

قبابنا خوذاتنا

مساجدنا ثكناتنا

سنضع حدًا نهائيًا للتمييز العنصري ضدنا

لا أحد يستطيع أن يرهبنا

مرجعيتي هي الإسلام، إذا لم أكن قادرًا على قول هذا، فما فائدة الحياة؟

من السجن إلى رئاسة الجمهورية

خرج أردوغان من السجن ليصبح أقوى فأقوى. أحبه المتدينون وأبناء الريف المحافظ دينيًا، وحظي بدعمهم، وكرهه العلمانيون واللادينيون في تركيا. ينظر أردوغان لنفسه على أنه والد الهوية التركية الجديدة، وقائد أكثر اتساقًا مع ماضيها العثماني وتراثها الإسلامي، لهذا حاول دائمًا أن ينأى بنفسه عن أتاتورك، وقاد تركيا في اتجاه أكثر دينية. وهو اتجاه مشابه لما كانت عليه البلاد عام 1997. وصل أروغان إلى رئاسة الوزراء عام 2003، بعد أعوام أصبح رئيسًا للجمهورية. يصف الكاتب انتخاب أردوغان بأنه رد فعل ضد التضييق على الحريات الدينية وسطوة العلمانية، و فاز حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بـ 49.5% من الأصوات.

على الرغم من الفوز المتكرر لأردوغان وحزبه في الانتخابات المختلفة، تحول ضده قطاع واسع من الناس لأسباب كثيرة، منها استئنافه الحرب ضد الأكراد في جنوب البلاد ودعمه لما يصفهم الكاتب بالمتمردين الإسلاميين في سوريا، مما أدى إلى ظهور الدولة الإسلامية. كذلك شنت حكومته حملات على الصحافة الحرة واستولت على صحف مثل «الصباح». لكن الذي كان له التأثير الأكبر ربما هو رغبة أردوغان في إجراء تعديل دستوري يمنح رئيس الدولة سلطة تنفيذية لتغيير القوانين العلمانية في البلاد.

قبل انقلاب عام 1997 أظهر استطلاع للرأي أن 95% من الأتراك يثقون في قيادتهم العسكرية. العام الماضي أظهر استطلاع آخر سبق الانتخابات أن 52% فقط من الأتراك ينظرون للجيش بشكل إيجابي. ربما لهذا حتى مع تراجع شعبية أردوغان تعثر الانقلاب الأخير، ونزل المواطنون للشوارع يحتجون عليه. ليس هذا فقط، حتى الأحزاب المعارضة وقفت متضامنة مع الحكومة. حزب الشعب الديمقراطي الذي يمثل بشكل أساسي الأقلية الكردية في البلاد أعلن بشكل واضح أن «الحل الوحيد هو السياسة الديمقراطية».

«الحاكم الضعيف هو الذي يحتاج إلى الدين لدعم حكمه، إنه كمن يوقع بشعبه في الفخ. شعبي سيتعلمون مبادئ الديمقراطية وما تمليه الحقيقة وما يقوله العلم». –أتاتورك

الصور المؤطرة لأتاتورك ما زالت تحتل ممر جودت باشا، المعبر الرئيسي على طول مضيق البوسفور في إسطنبول. مُجسم الجمهورية الذي يحمل صورته في المنتصف لا يبدو أنه سيتم إزالته قريبًا من ميدان تقسيم. مع كل ما يحدث فإن إرث أتاتورك في تركيا يبدو أنه يتمدد ويبقى.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد