علمانية الهند تحت التهديد؛ إذ استُهدف 200 مليون مسلم من الأقلية المسلمة في البلاد باطراد في ظل حكم حزب بهاراتيا جاناتا القومي الموالي للهندوس بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، هاجم ما يسمى بجماعات «حماية الأبقار» المسلمين لأنهم يأكلون لحوم البقر الأمر الذي يَعُدُّه عديد من الهندوس تدنيسًا للقداسة.

بهذا استهلَّت سابا ستَّار، طالبة الدكتوراة في أصول الحكم والأمن القومي في معهد السياسة العالمية، تقريرها الذي نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي، والذي تناولت فيه تصاعد النزعة الهندوسية في أكبر ديمقراطيات العالم؛ الهند.

تواصل الكاتبة: ضيَّق الحزب الحاكم أيضًا الخناق على حرية التعبير في البلاد. ونظرًا لهذه التطورات المقلقة، رَعَت 53 جامعة أمريكية كبرى، بما فيها جامعة هارفارد وستانفورد وبرينستون وكولومبيا، مؤتمرًا استمر لثلاثة أيام تحت عنوان «تفكيك الهندوتفا» في سبتمبر (أيلول) عام 2021. والهندوتفا هي الشكل السائد للقومية الهندوسية في الهند. وناقش الباحثون والخبراء في المؤتمر تصاعد القومية الهندوسية في الهند.

دولي

منذ سنتين
«ف. أفيرز»: كيف نجح التسامح الديني في إندونيسيا المسلمة وخسر في الهند العلمانية؟

وتلفت الكاتبة إلى أن الهند هي أكبر ديمقراطية في عالم اليوم، ولكن هذه الديمقراطية اليوم تحت التهديد، كما يرى الخبراء. وتقول إنها بصفتها باحثة في شؤون جنوب آسيا، تزعم أنه من المهم أن نفهم أن انتقال الهند إلى الهوية الهندوسية له جذور في أوائل القرن العشرين، عندما كانت جزءًا من الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية.

وفي عام 1923، ابتكر الثوري المناهض للاستعمار، فيناياك دي سافاركار، مصطلح هندوتفا لأول مرة، وهو المصطلح الذي يُترجم تجاوزًا إلى «الهندوسية». وتؤكد هذه الرؤية أن المواطن الهندي، حتى وإن لم يكن هندوسيًّا، يمكنه أن يتَّبع جغرافيا «الهند الأم» ودياناتها ولغاتها.

حركة مستوحاة من رجل غير مؤمن

تشير الكاتبة إلى أن سافاركار كان ملحدًا ولا يسترعي الدين اهتمامه إلا حينما يريد توظيف المسائل الدينية لمآرب سياسية. وفي عام 1910، حُكم عليه بالسجن المؤبد لمشاركته في مؤامرة اغتيال مساعد وزير الخارجية البريطاني، كرزون ويلي.

Embed from Getty Images

وخلال سجنه كتب سافاكار أطروحته التأسيسية «هندوتفا.. من هو الهندوسي؟». يصف كريستوف جافريلوت، أحد أكثر الباحثين شهرة في دراسة القومية الهندوسية، عَمَل سافاكار بأنه «الميثاق الأول للقومية الهندوسية». وسعى سافاكار إلى توحيد الأديان الأصلية في الهند ضد المسلمين والمسيحيين، الذين كان يَعُدَّهم غُزاةً من الخارج.

وأراد سافاكار في ذلك الوقت أن يطلق على شبه القارة الهندية اسم راشترا الهندوسية العظيمة أو الأمة التي تضم جغرافيا ودينًا وثقافة مشتركة. وأتباع الديانات الأخرى مثل البوذيين والجاينيين والسيخ بحاجة إلى الامتثال للثقافة الهندوسية وقبول الهوية الوطنية ضمن إطار هندوتفا الأكبر. وينطبق الأمر نفسه على «الأجانب»، مثل المسلمين والمسيحيين، طالما أنهم لم يحاولوا فرض حكمهم على البلاد. 

ولم يتضمن مفهوم الهوية الهندوسية في البداية أي عقيدة دينية، بل تبنَّت تقديم سياسات الهوية على أساس تصورات العِرق والقومية السائدة. وأدَّت حركة الخلافة الهندية، وهي حملة إسلامية ظهرت عام 1919 شملت العالم الإسلامي وكان لها تأثير عميق في توحيد المجتمع الهندي، إلى تطرُّف أفكار سافاكار. 

ووفقًا لسافاكار، كانت وحدة المسلمين الهنود خلال هذه الفترة في مقابل انقسام المجتمع الهندوسي على أساس الطبقة، بمثابة تهديد وأدَّى إلى ظهور حزب مهاسابها السياسي الهندوسي إلى الساحة عام 1921 والذي كان سافاكار شخصية بارزة فيه.

تاريخ وفلسفة

منذ 6 شهور
كل ما تريد معرفته عن «الهندوسية».. أكبر ديانات الهند ووقودُ حياتها السياسية

وبعد إطلاق سراحه من السجن، أصبح خطاب سافاكار أقل شمولية وأكثر عداءً للمسلمين. وصرَّح سافاكار في كتابه «ستة عهود مجيدة» الذي كتبه عام 1963، قبيل وفاته، أن المسلمين والمسيحيين أرادوا تدمير الهندوسية. ورأى أن الهند يجب أن تفرض حكمًا استبداديًّا مثل الذي فُرِض في ألمانيا الشمولية واليابان وإيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية.

ويعتقد سافاكار أيضًا أن المسلمين والمسيحيين الموجودين في قوى إنفاذ القانون والجيش هم خونة محتملون ويجب مراقبة أعدادهم كي لا تزيد. وبعد ذلك أصبحت أفكار سافاكار بمثابة الأساس الذي قامت عليه القومية الهندوسية المعاصرة.

الظلال الجديدة للقومية

يشير التقرير إلى أنه في عام 1925 ظهر زعيم آخر هو كاي بي هيدجوار بالقرب من مدينة مومباي، وأنشأ منظمة التطوع الوطنية أو (RSS) التي هي اليوم المظلة الجامعة لحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.

وبحلول أربعينيات القرن الماضي، نمت قاعدة منظمة التطوع الوطنية لتشمل 600 ألف متطوع. واليوم تضم أكثر من 5 ملايين شخص. وفي ظل حكم مودي، دخلت القومية الهندوسية إلى السياسة السائدة؛ إذ يشغل القوميون الهندوس الآن مناصب بارزة على المستوى الوزاري في الحكومة.

Embed from Getty Images

وحُظرت منظمة التطوع الوطنية باعتبارها حزبًا سياسيًّا مرتين. كانت المرة الأولى بعد اغتيال المهاتما غاندي عام 1948 على يد عضو سابق في المنظمة، ناثورام جودسي. والمرة الثانية حديثة نسبيًّا، بعد هدم مسجد بابري، وهو موقع مقدس في مدينة أيوديا شمال الهند، عام 1992. وأدَّى هدم هذا المسجد إلى اندلاع أعمال شغب على مستوى البلاد قُتل فيها ألف شخص معظمهم من المسلمين. ويدَّعي القوميون الهندوس أن هذا المكان هو مسقط رأس اللورد راما. وفي عام 2019، سمحت المحكمة العليا الهندية ببناء معبد راما في الموقع المتنازع عليه.

وبعد الحظر الأول، أنشأت منظمة التطوع الوطنية والمهاسابها حزبًا سياسيًّا خاصًّا أسموه بهاراتيا جاناتا سانج عام 1951، وهو سلف حزب بهاراتيا جاناتا الحالي. وسعَت جانا سانج إلى إضفاء الصبغة الهندوسية أو استيعاب جميع الأقليات في أمة هندوسية موحدة. 

ولعدة قرون، كان يُنظر إلى المسلمين من قِبل عديد من الهندوس على أنهم مجموعة عِرقية أخرى أو طبقة فرعية داخل جنوب آسيا، وليس تهديدًا خارجيًّا يجب التصدي له. ولكن سافاكار لم يؤمن بذلك، فقد أراد تحقيق التماسك الداخلي بين مختلف الجماعات الهندوسية ومقاومة أي غزو خارجي.

دولي

منذ 10 شهور
«فورين بوليسي»: لماذا يغازل مودي مسلمي الهند الآن بعد حملة قمع عنيفة ضدهم؟

وكانت أطروحة سافاكار هي الأساس لبيان حزب بهاراتيا جاناتا عام 2014 والذي حدَّد أجندة الحزب للإصلاح «الرؤية المُهمَلة» للأمة الهندوسية. إن العلمانية مكتوبة في دستور دولة الهند، لكن إعادة انتخاب حزب بهاراتيا جاناتا عام 2019 يوضح أن الهند ربما تمر بتغيير جوهري تتبنى من خلاله هوية هندوسية.

وتختم الكاتبة بالقول: ومن المتوقع أن ينتهي بناء معبد راما قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة عام 2024. وأعتقد أن بناء معبد هندوسي على أرض مسجد مدمر للمسلمين والاحتفال به يُعد رمزًا لعملية التحول في الهند.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد