روَّج أوغسطين في حدود استطاعته المؤسَّسية لهذه الغزوات الفاحشة من أجل توسيع نطاق (خيرية المسيح)، أي زيادة عدد المُتحوِّلين إلى المسيحية.

في حقبة سابقة، كان الرهبان الثائرون يسعون إلى خلق معادل مسيحي لخلافة داعش. في أحد الأزمنة كان المسيحيون يرتكبون أعمالًا لا تختلف كثيرًا عن تلك التي ترتكبها داعش اليوم، والمدهش أنَّها كانت بمباركة واضحة من أوغسطين أسقف هيبو، القديس الكاثوليكي وزعيم الكنيسة المؤثِّر في مملكة رومانيا في شمال إفريقيا.

من المفيد فحص هذا الجانب من القديس أوغسطين، الذي يشتهر بتأملاته اللاهوتية والفلسفية في القرن الرابع والخامس، فهو يُقدِّم لنا نظرة أقدم على العقلية الجهادية التي تظهر في شخصية إسلامية بالأساس في الوقت الحالي التي تُعرِّض الحضارة للخطر الآن.

كما يُذكِّرنا أيضًا أنَّه ليس هناك في اللاهوت أو التعاليم الإسلامية شيئًا فطريًّا ليس موجودًا في تراث أولئك المسيحيين الذين يحاولون بصخبٍ ربط جميع المسلمين بالجهاديين وداعش.

تدمير الطوائف الأخرى

يخبرنا تاريخ الكنيسة الموثَّق جيِّدًا أنَّ أوغسطين بنفسه قد حرَّض الرهبان المُتحمِّسين الذين تسبَّبوا في الكثير من الدمار في شمال إفريقيا وفي الشرق، إذ دمَّروا المعابد الوثنية وأرهبوا الدوناطيين وحطَّموا بقايا المجتمعات الغنوصية وحرقوا المعابد اليهودية.

اكتسحت فِرَق من الرهبان الغاضبين المُتشحين بالسواد المقاطعات المستهدفة، مخمورين بتراتيلهم الصاخبة المتواصلة. كان الهدف المقصود هو كسب المُتحوِّلين إلى المسيحية من خلال مظاهر القوة والعسكرية التي تخيف العامة، وكانت الوسيلة هي الإجبار وإثارة الاضطراب.

روَّج أوغسطين في حدود استطاعته المؤسَّسية لهذه الغزوات الفاحشة من أجل توسيع نطاق (خيرية المسيح)، أي زيادة عدد المُتحوِّلين إلى المسيحية. كان هذا في الحقيقة هو الأساس السياسي الجوهري لنظريته (الحرب العادلة)، وليس الرد الدفاعي على تهديد دولي.

التأثير على أفعال الدول والقادة

كان هناك أمل بأنَّ التشجيع على حملة عنيفة سيخلق وقائع فعلية قد تُمثِّل حصنًا ضد أي خليفة للإمبراطور جوليان المرتد قد يُهدِّد الحاكمية المسيحية، مهما كانت قد ابتعدت عن المسيح.

كتب أوغسطين: «لم أكُن لأصدِّق الإنجيل إن لم تُحرِّكني سُلطة الكنيسة» (في معارضة رسالة المانوية الجوهرية، 410، الفصل الخامس). ومن ثم كان من الضروري أن تكون للحملة سلطة الكنيسة وتقوِّيها.

كان أولئك المُتطرِّفون الغاضبون واسعو الأعين في الحقيقة لا يثقون في أي أحد، ولم تستطِع فرصهم الحالمة في إقامة مدينة الله تبديد مخاوفهم من وجود مدينة أخرى تابعة لجوليان تتحدَّى وضع المسيحية باعتبارها الدين الرسمي للإمبراطورية.

القيصر .. قديمًا والآن

كانت الكنيسة باعتبارها سلطة دنيوية، وكذلك سلطة روحية، خلافتهم، ولم يكن ينبغي تسليمها إلى قيصرٍ آخر، وبما أنَّ نبوءة يسوع عن يوم الدينونة الوشيك لم تتحقَّق، أصبحت اللحظة الآنية في هذه الحياة متَّحدة مع الحياة الآخرة.

إنَّ تأسيس خلافة مسيحية هو الهدف المعلن للدومينيين (الحاكميين) الأمريكيين الحاليين، وأحد زعمائهم الأسقفيين هو والد المرشح الرئاسي تيد كروز. المفهوم المُحدِّد للدومينيونية هو أنَّ المسيحيين فقط هم المفوَّضون من قبل الإنجيل بشغل كل المؤسَّسات العلمانية حتى يعود المسيح.

فهم أوغسطين، الذي كان من بين صفاته امتلاك عقل إستراتيجيٍّ سياسي داهية، أنَّ الحصول على سلطة الدولة من أجل إصدار التعليمات والإجبار ضروريٌ لنجاح الكنيسة طويل الأمد، هل يبدو هذا مألوفًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد