نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا عن أثر فوز اليمين المتطرف في الانتخابات التشريعية في النمسا على المسلمين في البلاد، وفي مجمل أوروبا؛ إذ كانت النمسا في طليعة الدول التي توفر الحرية الدينية في أوروبا منذ ما يزيد عن مائة عام، ووفرت لمجتمعها المسلم – الصغير وقتها – نفس حقوق اليهود والمسيحيين. صار المسلمون في النمسا أكثر اليوم، وعددهم في تزايد متسارع، ويرى هؤلاء بلادهم وهي تتصدر الخطاب الأوروبي مجددًا، لكن في اتجاه يهدد بخطر كبير هذه المرة.

يشير التقرير للانتخابات التشريعية التي عقدت الأحد الماضي، وصوت فيها نصف الناخبين النمساويين لصالح أحزاب تتخذ مواقف متعصبة ضد الهجرة ودمج المهاجرين والتعدد الثقافي. حل في المركز الثالث حزب الحرية، وهو حزب ركز حملته الانتخابية على أن الإسلام لا يتفق مع القيم النمساوية، وأنه تهديد وجودي لأوروبا. سباستيان كورتس – صاحب الـ31 عامًا – هو رئيس حزب الشعب – الذي حل أولًا في التصويت – والأقرب لمنصب المستشار النمساوي القادم، يعد أقل تشددًا من حزب الحرية، لكنه اتبع نفس خطابه، حيث انتقد دور الحضانة الإسلامية للأطفال، ونادى بإعادة المهاجرين الناجين إلى إفريقيا، ووعد بتقليص مزايا الوافدين الجدد.

كابوس أصبح حقيقة

من المتوقع أن يشكل الحزبان تحالفًا حكوميًا، وترى قيادات الجالية الإسلامية في النمسا أن هذا كابوس يتحقق، بحسب وصف الصحيفة. يقول رمضان دمير: «كنا نخشى نتيجة الانتخابات. شاهدنا كيف يثير الشعبويون الفزع في حملتهم الانتخابية، ولهذا صوت لهم النمساويون». يعمل دمير إمامًا لمسجد في فيينا، وهو أحد قادة الهيئة الإسلامية في النمسا، وهي الكيان الرسمي للمسلمين في النمسا، وتتفرع منها عدة منظمات أخرى.

تقول الصحيفة إن نتيجة الانتخابات هي انعكاس لتصاعد الآراء المعادية للمهاجرين والمسلمين في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، لكنها تبقى ذات دلالة خاصة في النمسا التي مر عبرها مئات الآلاف من طالبي اللجوء في خضم أزمة اللاجئين في أوروبا. بقى منهم عشرات الآلاف في النمسا التي تتوسط أوروبا، والكثير منهم مسلمون هاربون من الحرب في سوريا أو العراق أو أفغانستان. انضم المهاجرون الجدد للمجتمع المسلم الذي ينمو سريعًا في النمسا؛ لتصبح نسبة المسلمين 8% من السكان – أو 700 ألف نسمة – بعد أن كانوا 4% في 2001.

عُرفت النمسا بانفتاحها نسبيًا على المسلمين منذ وقت طويل. يقول المحللون إن هذا كان نتاج قانون – صدر في 1912 – جعل الإسلام من الأديان المعترف بها في الإمبراطورية النمساوية المجرية، ويستمر القانون كما هو اليوم بعد مرور زمن طويل على انهيار الإمبراطورية. جلبت النمسا عمال الضيافة من تركيا وبلاد البلقان في الستينات والسبعينات، ثم استضافت عددًا كبيرًا من اللاجئين البلقان في التسعينات.

لكن هذه المواقف صارت أكثر تصلبًا في السنوات الأخيرة وانتشرت تصورات عن الوافدين الجدد تقول بأنهم لم يندمجوا بشكل كافٍ، وزادت المخاوف بعد الهجمات الإرهابية في أوروبا وسفر 300 نمساوي مسلم إلى سوريا والعراق للمقاتلة في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، ثم دعم السياسيون هذه المخاوف وضاعفوها، بحسب التقرير.

يقول دمير – وهو تركي المولد – للصحيفة: «لعبوا بسياساتهم على حساب المسلمين، لم تكن الإسلاموفوبيا بهذا القدر أبدًا في النمسا». أما بيتر هايك – وهو خبير بالرأي العام النمساوي – فيقول إن الناخبين سئموا من اللاجئين، وأصبحوا يرون الوافدين الجدد على أنهم مهاجرون اقتصاديون، وليسوا طالبي لجوء، وكان ذلك بعد أن رحبوا بهم في 2015. وبدأوا أيضًا ينظرون لكل المسلمين أنهم مشتبه بهم. يضيف هايك: «لا يفرقون بين المسلمين والمسلمين المتطرفين، ويبدو لهم تقريبًا أن كل المسلمين خطر».

اقرأ أيضًا: هل تعود أوروبا إلى عصور الاضطهاد والعنصرية بعد النمو السريع لأحزاب اليمين المتطرف

«كورتس» أكبر المستفيدين

كان كورتس أكثر السياسيين المشهورين استغلالًا لهذه الآراء، بحسب التقرير. تفاخر في الحملة الانتخابية بأنه عندما تولى وزارة الخارجية أغلق الحدود النمساوية أمام فيض اللاجئين القادمين عبر طريق البلقان، كما وعد بإجبار أوروبا على إغلاق الطريق الأوسط عبر المتوسط، وهو طريق المهاجرين الرئيس للوصول إلى أوروبا الآن.

أما على الصعيد المحلي، فقد دافع كورتس عن تغيير قوانين البلاد التي تنظم أمور المسلمين، وتتضمن حظر التبرعات الأجنبية للمؤسسات الإسلامية، ومنع ارتداء النقاب. وتسبب أيضًا في عاصفة من الجدل بعد أن أمر بإجراء دراسة حول دور الحضانة الإسلامية، والتي تقع في نفس الفئة مع المدارس الدينية الأخرى في القانون النمساوي. استنتجت الدراسة أن دور الحضانة تساهم في إنشاء «مجتمع مواز»، واستشهد كورتس بهذه النتائج لمرات عديدة أثناء الحملة الانتخابية.

لكن بعض الأكاديميين شككوا في طريقة إجراء تلك الدراسة، وقال الإعلام النمساوي إن كورتس غير نتائج الدراسة وجعلها مناسبة أكثر لاستغلالها سياسيًا، ونفى كورتس هذه التهمة مرارًا. يغضب مساعدوه عند القول إنه ينسخ أفكار وسياسات اليمين المتطرف فقط، لكنهم لا ينكرون أنه يستجيب لانزعاج حقيقي في المجتمع النمساوي من التعدد الثقافي.

كما يذكر التقرير رأي مستشار لكورتس – رفض ذكر اسمه – ويقول فيه: «معظم السكان في أوروبا لا يريدون أن يصبحوا نصف أفغانيين أو نصف سوريين أو نصف إفريقيين، وعليك تقبل هذا، وإن لم تفعل فسنتجه لأقصى اليمين المتطرف»، لكن سبب الخوف الحقيقي هو اتجاه البلاد لليمين المتطرف، وهو خوف لا يقتصر على المسلمين فقط؛ فقد طالب الكونجرس اليهودي الأوروبي كورتس بألا يختار حزب الحرية في التحالف الحكومي، وهو الحزب الذي أسسه ضابط سابق في جهاز أمن الدولة النازي. وقال الكونجرس اليهودي: «من المفترض أن أوروبا والنمسا – تحديدًا- تعلمان جيدًا ما يؤدي له قبول الأيدلوجيات الشعبوية المدمرة».

لم يصدر أي رد فعل عام من الزعماء الأوروبيين، على عكس ما حدث عام 2000 عندما فرضت دول في الاتحاد عقوبات على الحكومة النمساوية بعد دخول حزب الحرية في تشكيل الحكومة النمساوية. الزعماء المسلمون في النمسا لا زالوا مقيدين في رد فعلهم، لم تقم مظاهرات كبيرة، وهناك بعض المناشدات لكورتس بأن يختار حزبًا شريكًا يميل نحو الوسط، غير حزب الحرية الذي يتزعمه هاينز كريستيان ستراتش، وهو من كان في شبابه ناشطًا من النازيين الجدد. يقول دمير للصحيفة: «مناشدة كورتس بألا يكوّن تحالفًا مع ستراتش ليست ذات قيمة بالنسبة لنا، فأحدهما يشبه الآخر».

لكن تظل هناك مخاوف عميقة للمسلمين، ويختتم بها التقرير، حيث يقول عمر الراوي بأن أكثر ما يخشاه هو أن تتحول النمسا لتشبه المجر، شريكتها سابقًا في الإمبراطورية. ويضع رئيس وزراء المجر الزينوفوبيا (رهاب الأجانب) ومهاجمة الاتحاد الأوروبي على رأس أجندته. ولد الراوي في بغداد وعاش في النمسا لأربعة عقود، وهو عضو مجلس المدينة في فيينا وأحد ألمع السياسيين المسلمين في النمسا. يقول الرواي: «لا نريد أن تسير النمسا على نهج أوربان. مدينتنا – وبلادنا كلها – مكان جميل للعيش فيه، لكن للأسف فإن الطقس يتجه نحو الأسوأ».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك