«‏إن‏ ‏الحياة‏ ‏حياتي ‏والخبرة‏ ‏خبرتي.. ‏ولي ‏أن‏ ‏أختار‏ ‏وجودي ‏الخاص‏»‏

 

يناقش عدد شهري أغسطس وسبتمبر الجديد من مجلة Philosophy Now (الفلسفة الآن)، أهم الموضوعات التي تناولتها الفلسفة الوجودية. في هذا العدد تكتب «أليسيا أنوخينا» – باحثة نفسية حاصلة على الدكتوراة في علم النفس من جامعة «لندن كوليدج» – مقالًا يتناول دور العلاج النفسي الوجودي في علاج الاكتئاب.

 

تبدأ الكاتبة بتوضيح سوء الفهم المنتشر لدى معظم الناس حول مفهوم كلمة «الاكتئاب»، وشرح المعاناة التي يواجهها المكتئب كي تؤخذ آلامه وشكواه على محمل الجد، بدون أن تُصنف بسهولة على أنها حالة من «الحزن». كلمة اكتئاب لدى العامة قد تشير إلى فتور الهمة أو الحزن الشديد أو الشعور العميق بالخسارة والفقد. لذلك فالحزن ليس هو الشكوى الوحيدة أو الرئيسة لمريض الاكتئاب، يتطلب الاكتئاب السريري على الأقل خمسة أعراض أخرى، واحدة منها فقط هي «المزاج الاكتئابي الحزين».

 

يستنزف الاكتئاب الطاقة والحيوية، يملأ الحياة بالخمول الشديد والإرهاق، ويحول المهام اليومية البسيطة لعمليات شاقة جدا. مع الاكتئاب تتحول الأشياء التي كانت تسبب البهجة إلى ثقل، ويصبح التواصل مع الآخرين آليًا وروتينيًا، وتتسلل الظلال القاتمة إلى كل أركان العقل، الاكتئاب ليس هو الحزن إذًا، الحزن عابر، لكن الاكتئاب نافذ ومتغلغل في الأعماق.

الواقع وأدوات إدراكه.. بحث فلسفي دائم

 

يشبه الاكتئاب الشيزوفرنيا من حيث كونهما ضمن اضطرابات الإدراك، في هذا النوع من الاضطرابات تعمل المشاعر على تشويه رؤيتنا للواقع. يقول الكاتب «أندرو سولومون» إن المرء يشعر في حالة الاكتئاب أن ستار السعادة قد أزيح وظهرت له حقيقة الحياة. يعتقد المكتئب أن الحياة تافهة وحقيرة – سواء حياته الخاصة أو الحياة بشكل عام – ولا يتسرب لنفسه أي شك في هذا الاعتقاد، رغم وجود أدلة ضده.

 

إن طبيعة العلاقة بين الإدراك والواقع ربما تكون إحدى أقدم النقاشات الفلسفية، والتي لم تحسم حتى الآن. حتى لو كان ما ندركه كواقع ليس حقيقًيا فليس ثمة خيارات أخرى سوى أن نستمر في منح إدراكنا الثقة. من وجهة نظر علم النفس العصبي، من المؤكد حتى الآن أن إمكانية استيعابنا للواقع محدودة، أو على الأقل مشوشة؛ لأن العقل هو نافذتنا الوحيدة التي ننظر منها إلى العالم، وهو كأي عضو آخر عرضة للخطأ والقصور. هناك الكثير من الأمثلة على ذلك، فعقولنا لديها قدرة مدهشة على خلق ذكريات كاذبة، وكثيرًا ما نخلط بين الأحلام والواقع، كما تقع عقولنا بسهولة فريسة للأوهام البصرية، ويمكن لعقاقير الهلوسة أن تشوه إدراكنا بالهذيانات المنتظمة.

 

يناقش الفلاسفة الوجوديون طبيعة الخبرة من منظوري فلسفة المعنى والفلسفة الأخلاقية، بحجة أن الحياة في جوهرها خالية من المعنى. يكون إدراك هذه الحقيقة مصدرًا للقلق والكرب؛ إذا كانت الحياة بلا معنى، فلماذا نعيش؟ الحل الوجودي لهذا الفزع العدمي هو «التحرر واستقلالية الحكم الذاتي». في الفلسفة الوجودية، تقع المسؤولية كاملة علينا في تعريف قيمنا الخاصة، والعيش بما ينسجم معها، وبالتالي إعادة تشكيل أنفسنا من جديد. لذلك علينا أن نرفض كل الأدوار الاجتماعية  والافتراضات التي وجهها إلينا الآخرون، واكتشاف ذواتنا الأصيلة.

 

إن الأشخاص الذين تغلبوا على الاكتئاب – طبقًا لـ «أليسيا أنوخينا» –  يصفون هذه العملية بأنها عملية ترميمية: تفكيك ثم إعادة بناء للذات. الاكتئاب الحاد قد يسبب العجز، لكن هذه المراحل تمنح المكتئب بشكل طبيعي فترات من الارتياح والسكون والصفح. في هذه الحالات يمكننا أن نمنح إدراكنا الثقة بسبب عملية إعادة التقييم التي نمر بها. تنطوي هذه العملية على التشكيك في أنماط المعتقدات المتأصلة فينا بعمق، وإعادة النظر في  قيمنا الشخصية، وتقييم نمونا الشخصي؛ ولأن الأسباب المباشرة التي تسبب الاكتئاب تختلف من شخص لآخر فإن التغلب عليه أيضًا يجب أن ينطوي على نوع من التأمل الذاتي والاستبطان.

الوجودية ومسؤولية الفرد تجاه نفسه

 

لا تصبح الذات أصيلة إلا عندما يتم بناؤها بوعي. وإلى أن نفعل ذلك فنحن مجرد خليط متأثر بالجينات والثقافة والتربية والتجارب. اكتشاف أصالتنا يعني كذلك اتخاذ القرار بشأن نسخة الواقع التي سوف نختار قبولها والموافقة عليها. بحسب التعريف، تكون هذه العملية شديدة الذاتية ويمكن تطبيقها للمساعدة في علاج الاكتئاب.

 

الحديث حول الوجودية يأتي دائمًا بالحديث حول المسؤولية وتولي المرء أمر حياته، وهو ما تؤكد عليه الكاتبة، بقولها إن الإنسان يصاب كثيرًا بالاكتئاب دون سبب واضح، ليمر المكتئب بارتباك بالغ وأسى. لكن الاكتئاب يحدث في أحيان أخرى لأسباب واضحة، مثل فراق حبيب، أو فشل كبير على المستوى الشخصي. أحيانً يمكن إزالة الأسباب السلبية التي أدت إلى الاكتئاب، مثل التخلص من علاقة مؤذية، أو ترك وظيفة غير مرضية. على الرغم من ذلك علينا أن نعي محدودية قدراتنا على تحمل مسئولية كل شيء، فنحن مرتبطون بقاعدة من الاحتياجات البيولوجية الأساسية ومقيدون بالقواعد الاجتماعية. الطريقة الوحيدة المرنة التي يمكننا بها بناء قيمنا بلا حدود، هي ربما الحيز الوحيد الذي تكون قدرتنا فيه مطلقة. السعي نحو الأصالة يسمح لنا بإعادة خلق ماهيتنا.

 

في نهاية الأمر يحدث الاكتئاب أصلا نتيجة استعداد وراثي أو خلل في كيمياء الدماغ، كما أننا لا نستطيع مثلا إعادة الحبيب الذي فقدناه أو التحرر بالكامل من القيود والأعراف الاجتماعية؛ لهذا على المعالجين أن يكونوا حريصين في تشخيص حالاتهم، إن الأخطاء في التشخيص والتفسير قد تطيل أمد الاكتئاب، ولدينا القدرة على تغيير ذلك.

واقع جميل مزيف.. أم قبيح حقيقي؟

 

تشرح الكاتبة أن الكثير من المصابين بالاكتئاب يترددون طويلًا في الانخراط في العلاجات الدوائية، لأنهم يخشون تزييف واقعهم، أو التضحية بأصالتهم، هم يتساءلون: هل يصبح العقل اصطناعيًا بعد التداوي؟ أم أن العلاج يعيد الحياة الطبيعية للعقل ويمحو ما به من قصور؟ هل سأظل أنا نفس الشخص حين أنا اتناول يوميًا دواءً يغير الطريقة التي أفكر بها ويملي عليّ كيف أشعر؟ البحث عن علاج يكون أحيانًا بمثابة كذب على النفس، إذا كان المرء لا يستحق الحياة، فهو بالتأكيد لا يستحق العلاج. في حالة الاكتئاب، تظهر التفاهة كحقيقة وواقع مكتمل لا يدنو منه الشك.

 

رؤية العالم من خلال الاكتئاب تعطي انطباعًا أنك أخيرًا رأيت الجوهر الحقيقي للحياة والأشياء. لكن من خلال التفكير الوجودي من الممكن كسر هذا النوع من الافتراضات. إذا لم تكن هناك قيم موضوعية أو مطلقة في ذاتها، فمن الممكن للعقل المكتئب أن يعيد التقييم. وهنا يصبح الدواء مجرد طريقة لمداواة العضو المعتل. بالطبع لا تعمل الأدوية بنفس الطريقة مع كل الأشخاص، خصوصًا مع القلق المشروع من آثارها الجانبية. لكن من خلال التفكير الوجودي يصبح من غير المقبول رفض العلاج الدوائي بسبب أثاره على رؤيتنا الموضوعية للعالم أو تهديد أصالتنا. الاكتئاب غالبا ما يكون مدمرًا، لكن في حالة وجود تقييم ذاتي يعيد خلق ماهية الذات الأصيلة، ما يجعل من الممكن للمرء أن يختبر تحولا حقيقيا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد