إذا كان هناك بالفعل طريق للخروج من مأزق إدارة أزمة تغير المناخ العالمية، فإن الجواب لن يكون تحت أقدام المستبدين، حسب ما يَخلُص إليه ألكسندر بتلر، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة ليدز بالمملكة المتحدة، في مقالٍ نشرته مجلة «ذا دبلومات» الأمريكية.

البيئة

منذ 4 شهور
5 أسباب تفسر لك لماذا لا يصدق الكثيرون التغير المناخي؟

يلفت الكاتب في مطلع مقاله إلى أن بعض التعليقات كثيرًا ما تُصور الاستبداد وحكم الحزب الواحد، وخاصة نموذج الحكم في الصين، باعتباره حلًا سحريًّا للدمار الوشيك الناجم عن أزمة تغير المناخ. ويُوصف الحكم السلطوي من أعلى إلى أسفل بأنه يتمتع بالقدرة على تنفيذ السياسة الحكيمة طويلة الأجل القادرة على تخفيف أسوأ تأثيرات تغير المناخ عِوَضًا عن الحكم العاجز والدورات الانتخابية والسياسات القصيرة الأمد والوعود الجوفاء بالحلول الاقتصادية والبيئية.

تغير المناخ ومنطق الأنظمة السلطوية

وأوضح الكاتب أن هذا النوع من الخطاب يبرز على نحو خاص في وسائل الإعلام المملوكة للدول الاستبدادية في مختلف أنحاء العالم. فالديمقراطيات الليبرالية والغرب على وجه الخصوص تُصور على أنها فاسدة، وغير فعَّالة، ومختلة وظيفيًّا، وبالية. ويُنظر إلى نماذج الحكم الغربية باعتبارها عاجزة عن تلبية احتياجات القرن الحادي والعشرين، وهي غير مهيأة كذلك لتلبية الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للسكان المتزايدين في وقت تحاول فيه تخفيف أسوأ آثار تغير المناخ.

وقد كتبت وكالة الأنباء الصينية الرسمية شينخوا مؤخرًا عن «أوجه القصور الأربعة في سياسة العمل المناخي» التي تعاني منها الولايات المتحدة، موضحةً بالتفصيل الطريقة التي من خلالها أصبح عدم الاتساق و«التقلب» سِمة مميزة لسياسة المناخ في الولايات المتحدة. وقد أكَّد هذه النظرة مرةً أخرى التراجع الدرامي لإدارة بايدن في إعادة الانضمام إلى اتفاق باريس للمناخ 2015 بعد خروج دونالد ترامب المضطرب عام 2016.

كيف نعتمد على الديمقراطيات المتقلبة عند التعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة للوقت؟ وبدلًا عن ذلك من المفترض أن تقدم قيادة الصين نظامًا حاسمًا للحكم يلتزم بـ«الانسجام بين الإنسان والطبيعة» و«التنمية الخضراء».

والواقع أن هذه المُثل العليا مكرسة الآن في مبادرة الحزام والطريق في الصين. وكما قال الرئيس الصيني شي جين بينج في قمة المناخ: «لقد جعلت الصين من التعاون البيئي جزءًا أساسيًّا من التعاون في مبادرة الحزام والطريق». ومع ذلك فإن التخطيط الاستبدادي للدولة والسياسات من أعلى إلى أسفل مثل مبادرة الحزام والطريق لا توفر القدرة المطلقة كما هو متصوَّر في كثير من الأحيان؛ ذلك أن هناك أدلة وافرة تشير إلى أن مبادرة الحزام والطريق هي مبادرة مجزأة وسيئة التخطيط، ولا تتمتع بقبول جيد.

Embed from Getty Images

والواقع أن هذه السياسة تعاني مما أطلق عليه بعض العلماء «السلطوية المجزأة». وتفتقر وثائق تخطيط مبادرة الحزام والطريق إلى التحديد، وتتسم بأنها «فضفاضة» للغاية، كما أن تنفيذ المبادرة غير منسَّق على نحو عجيب، مع تفسير الوكالات الحكومية المتنافِسة الخطاب الغامض للمبادرة بما يتوافق مع مصالحها الخاصة؛ الأمر الذي يُقوِّض الأهداف الدبلوماسية للحزب في كثير من الأحيان. ولذلك فإذا كان علينا أن نفهم مبادرة الحزام والطريق على أنها الحد الأقصى من قدرة الحكومات الاستبدادية التكنوقراطية على تنفيذ السياسة على نحو حاسم وناجح، فهي ليست مقنعة تمامًا.

ضرورة الضوابط والتوازنات

وأضاف الكاتب أن الحماس المفرط للقدرة الظاهرية للسلطوية على التخفيف من تأثيرات تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية يتجاهل أهمية الحملات الشعبية من الأسفل إلى الأعلى في تحفيز النقاش العام، وتحقيق العدالة المناخية، وحمايتها. والواقع أن الحكومات السلطوية لا تواجه الضغوط نفسها، أو الحوافز المألوفة للحكومات الديمقراطية من دون الضوابط والتوازنات التراكمية التي تمارسها الصحافة الاستقصائية، والنشطاء، والشخصيات العامة، والمنظمات غير الحكومية.

ويوفر المجتمع المدني الزخم لسياسة المناخ. على سبيل المثال، كانت القضية التاريخية التي رفعتها مؤسسة أورجندا ضد دولة هولندا عام 2013 معركة قانونية بين جماعة ناشطة في مجال المناخ وحكومتها. ونجح الناشطون في رفع دعوى ضد الدولة الهولندية على أساس انتهاك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعدم تنفيذ هولندا سياسة تضمن تخفيضات كافية في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وحفَّز نجاحها المجتمع المدني العالمي، وتردد صداه في قضايا مماثلة ببلدان مثل نيوزيلندا، وأيرلندا، والنرويج، وبلجيكا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وسويسرا.

وتطرَّق الكاتب إلى أن أنصار النموذج السلطوي يتغاضون كذلك عن التفويض الذي تملكه جهات فاعلة مختلفة، سواء تابعة للدولة، أو غير حكومية، في التخفيف من تأثيرات تغير المناخ. وعلى الرغم من أن خروج ترامب من اتفاق باريس لعام 2015 كان مقلقًا، فقد شهدنا أيضًا التفويض الجماعي للمدن المستقلة نسبيًّا في إعادة تأكيد التزاماتها باتفاق باريس. وكان رؤساء البلديات من لوس أنجلوس إلى مدينة نيويورك متحمسين في هدفهم المتمثل في تحقيق أهداف اتفاق باريس، بغض النظر عن الخيارات التي اتَّخذتها واشنطن.

Embed from Getty Images

ونوَّه الكاتب إلى أنه من دون حرية التعبير، أو حرية الصحافة، لا يمكن للمجتمع المدني النشط أن يزدهر، ويظل النقاش الهادف بشأن تغير المناخ راكدًا وخاضعًا للرقابة. وكانت هذه هي الحال مع التلميذة الصينية التي ألهَمتها حركة «أيام الجمعة من أجل المستقبل» العالمية؛ فقد قُمعت احتجاجات الطالبة «أو هونجيي» بسرعة عندما قيل لها إنها لا تستطيع العودة إلى المدرسة إلا إذا «تخلَّت» عن نشاطها المناخي.

وإذا كان هناك بالفعل ثمة طريق للخروج من جمود إدارة أزمة المناخ العالمية، فإن الجواب لن يكون تحت أقدام المستبدين. وبغض النظر عن جمود السياسة الاستبدادية والافتقار إلى المجتمع المدني، فإن الثقة الراسخة في الاستبداد تتغاضى أيضًا عن مدى تكامل الصناعة كثيفة الاستخدام للطاقة التي تنبعث منها غازات الاحتباس الحراري لشرعية الأداء. ومن دون الشرعية الانتخابية، قد يُعرِّض الخروج المفاجئ والحاسم عن هذا النموذج للنمو الاقتصادي مصداقية حكم الحزب الواحد للخطر. وهذا احتمال يرغب أغلب الزعماء المستبدين في تجنبه.

وشدَّد الكاتب في ختام مقاله على ضرورة البحث في أماكن أخرى عن حلول بعيدًا عن النموذج السلطوي. والأهم من ذلك أنه وبالإضافة إلى السياسات الفعَّالة فإن تشجيع اتخاذ قرارات تتسم بالشفافية بشأن السياسات، وحرية التعبير، وحرية الصحافة، كلها أمور أساسية للغاية للتخفيف من أسوأ تأثيرات تغير المناخ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد